في الحقيقة لا أعلم الدافع الذي يجعلني كإنسان مسلم يتوجب عليّ أن أخوض حوارًا مع ملحد ما دمت مقتنعًا بديني، ولكن مؤخرًا هناك هجوم واضح على الملحدين ويصل لعدم الحياد، وأنا لستُ بمدافع عنهم، وهناك أيضًا هجوم على المسلمين ويصل أيضًا لعدم الحياد، وأنا لست بمدافع عنهم، لكن رأيت أن هناك بعض النقاط المشتركة التي وددت أن أعرضها لكم خلال الحوارات التي كتبها العديد من المدونين.

صديقي المسلم ورؤيته للعلم:

يرى المدونون الذين أخذوا صف المدافعين عن الإسلام أن العلم يؤثر في الإنسان طبقًا لأخلاقه، وأن الذي يدفع الشباب مؤخرًا للإلحاد بشكل عام هو التكبر والتعالي على بساطة الدين، وإن العلم الذي يؤخذ من أجل التفاخر والتعالي في المطلق يكون له أثر فاسد على صاحبه، ولذلك تجد دائمًا نبرة الهجوم على الملحد في الحوار الذي يتخيله المدون قائم على تحقير ذات الملحد وتذكيره دائمًا أنه جاء من طين أو قرد إن كان لا يقتنع بالطين.

يرى المدونون أيضًا أن لا فائد للعلم إن لم يكن وسيلة لمعرفة الله عز وجل، وأن الغرض الأساسي من العلم والتفكر في الكون هو الوصول لدقائق صنع الله، وأن الملحدين بشكل عام يعميهم عن ذلك عدم التزامهم الديني، وبالتالي يجد الكثيرون منهم أن الملحد أخذ طريق الإلحاد لأنه أسهل عليه من أن يكون عالمًا بأي شيء وملتزمًا بدينه، ولا أعلم كيف يكون ذلك التفسير مقبولاً.

صديقي الملحد ورؤيته ليديه

يرى صديقي الملحد أن كلتا يديه تتعرقان علمًا، وأن الكثير من الملحدين الذين التقيتهم في حياتي يصرخون في وجه الشيوخ ويقولون «ارجعوا إلى البيداء واشربوا بول البعير»، وفي بعض المجتمعات العلمية التي ولد فيها أغلب العلماء الذين وضعوا الكتب التي يدرسها الملحدون، يعترفون بابن سيناء وأبي ريحان البيروني وابن الهيثم وابن نفيس والخورازمي، وبعضهم له مؤلفات دينية أو له سيرة طيبة عن تدينه.

يؤمن الكثير من الملحدين بأن سبب إلحادهم الحقيقي هو تعلمهم العلوم ذاتها التي يتعلمها الأطباء والمهندسون والدارسون للعلوم التطبيقية، ومع ذلك ظلوا على اتباع ديانتهم، ويرى بعضهم أنهم احتكروا العلم ببعض المصادر التي بين أيديهم حتى وإن كان لتلك المصادر منافسون أحيانًا، مختبر سيرن هو في الحقيقة أكبر إمكانيات علمية في مجاله، ولكنه لا يملك القدرة على الصواب المطلق، ومع ذلك إن أجزم سيرن بأن الله غير موجود سيكون هو الصواب المطلق، بالإضافة إلى أن قلة من الملحدين هم من كتبوا مقالات أو قدموا أي نص مكتوب، بينما اتجهوا جميعًا إلى الفيديو، وكلامي بشكل عام عن الشباب.

الحقيقة بين صديقي هذا وذاك

لن تحتاج في الحقيقة أن تقرأ كتابًا لكي تؤمن بالله أو تكفر به أو تقول بأنه موجود أو ليس موجود، ولا أحد يستطيع أن يجزم بأن 1,549,444,000 مسلم يعيشون بيننا في هذا الكوكب الأزرق هم جهلة أو علماء، وإن كان على الأرض 7 مليار ملحد لن نستطيع أن نعتبرهم جميعًا علماء أو حتى متخصصين أو يستطيعون جميعًا أن يقرؤوا اسمهم أو كتاباته أو تخيل كيف يكتب.

إن احتكار العلم الذي يجتهد فيه الطرف الثاني واعتبار نفسه عالمًا ناجم عن ضعف حقيقي في العلم، رأيت في جميع الكتب التي قرأتها لغة تدل على عدم اعتراف العالم بنفسه، لم أجد هوكينج يتحدث عن نفسه وعن علمه الذي أوصله إلى أنه يعلم كل شيء، ولكن تحدث بحجة ودليل في كل كتبه، وقدم أسماء العلماء عن اسمه، وفي كتب العلماء الذين يذكر أسماءهم لا يتحدث عالم عن نفسه بأنه المخلص والعبقري الذي وجد حل كل شيء.

كذلك الرسول – صلي الله عليه وسلم- لم يكرم الرسول في حياته إلا اثنين، الأول هم مشركو مكة حينما سموه «الصادق الأمين»، وتحدثوا عن صدقه، والثاني هو الله – عز وجل- عندما قال عنه: «وإنه لعلى خلق عظيم»، وعندما تحدث الرسول عن نفسه في الأحاديث تحدث عن الرسالة دونما أن يزكي نفسه قائلاً: «إنما بعثتُ لكي أتمم مكارم الأخلاق» أي إن الرسول لم يقل في أي يوم بأنه الأكثر خلقًا بيننا.

الحقيقة الواضحة أن هناك أزمة بين أناس يعتقدون بأنهم يحتكرون العلم والآخرين يؤمنون أنهم يحتكرون الأخلاق ويلومون بعضهم بعضًا على ذلك، ولا أستطيع الجزم بأن الملحدين جميعهم بلا أخلاق أو أن المسلمين كلهم جهلاء، ولكن أرى وسائل الطرفين تجزمان بذلك الأمر بشكل يثير الشفقة.

هذا ما وجدنا عليه الأجيال السابقة

مع احترامي لكل من سبقني في التاريخ البشري، لكن نحن ولدنا على صراع بين السلطات الدينية وكل من يتنفس الهواء، شغل الصراع الشيوخ وأنصاف الشيوخ وحتى أدنى الناس إدراكـًا بقراءة سورة الفاتحة بشكل صحيح لدرجة أننا لم نجد بين الناس من يقرأ عليهم كتابًا، نحن جميعًا ولدنا في مجتمع يتحدث عن الجار المسيحي على أنه الآتي من السماء، وله عادات أخرى غيرنا تدل على أنه أدنى مننا جميعًا، والذين وجدنا حججًا فارغة يقدمها الشيوخ في إطار علمي لكي يثبتوا وجود الله، وهي ردود غير متخصص ويتحدثون بها في إطار ديني، داخل مسجد أمام مسلمين وفي محاولة لإثبات وجود الله لمجموعة من الناس يعلمون أن الله موجود ويؤمنون بذلك ولكن، لا يعلمون كيف يتوضؤون !.

مع احترامي لكل من سبقني في التاريخ البشري، لكن ولدنا على سخرية الكُتاب من الرموز الدينية، حضرنا في حياتنا الاستهزاء دون توجيه أدلة من باب الحريات، اللحية التي الآن يعتبرها البعض رمزًا للتحضر والموضة كانت في السابق وسيلة الكثير من رسامي الكاريكاتير للسخرية من رجال الدين، والأفلام التي أظهرت العديد من المتدينين في الشرق الأوسط بأناس يعيشون في الصحراء بشكل يوضح مدى الجهل الذين يعيشون فيه.

السطحية في الخطاب بين المسلم والملحد في المنطقة العربية بشكل عام نتيجة لما وجدنا عليه الأجيال السابقة، أصرح بأن العديد من بيننا استطاع فقط أن يتحرر من يرى اسم الرئيس الذي كان الربيع العربي، ولكن عقله لم يأت عليه أي ربيع، ما زال من بيننا من يدعو للسجن والاعتقال لمن هم دونه، ومن لا يقبل وجود شخص غيره يتحدث أمام الناس، ومن لا يستقبل حق الرأي العام في تكوين الرأي وأن يكون الرأي العام هو الناتج عن الاختلاف، العديد من بيننا ما زال بداخله الماضي متأصل وله جذور عميقة للغاية.

هل هناك أمل؟

هناك أمل وحيد في البلاد العربية وهو الشباب الباحث بشكل حقيقي، عليك أن تعلم بأن المندفع هو شخص أحمق، عليك فقط أن تبني الدولة التي تقاوم الاحتلال ولا تقبل بوجود حصار حولها، لا أن تبني الدولة التي تستطيع الهجوم على جاراتها بينما اقتصادها ومواردها تنهار، علينا أن نقرأ ونعرف وألا نحتقر شيئًا، نحن بصراحة شديدة نمثل الثورات العربية ونمثل المستقبل، إن كانت صورة المستقبل تعبر عن متكبرين وحمقى يتحدثون عن أنفسهم لا عن الأفكار، إن كانت الكراسي تحيا بالشخوص لا بهيبة المؤسسات التي تخدم فيها، إن كان المستقبل كما الماضي، ما الفائدة من النضال الأبله والمعارضة؟

إن في الماضي الحوار نفسه مع الملحد والحوار مع المسيحي والحوار مع بائع الكفتة والحوار مع أم عمرو أيضًا إن أردت، إن الحوار لم يكن جديدًا ولغة أننا أعلم من غيرنا وأكثر خلقًا ونشبه الملائكة ليست جديدة، أدعو الشباب بشكل عام أن يكتفوا بالبحث في أنفسهم والحقائق، حينما يكون الأمر متعلقًا بالاقتصاد نتحدث عن رؤيتنا للاقتصاد لا عن حقارة نظرة المسلم للاقتصاد أو حقارة نظرة الملحد للاقتصاد.

نحن نعيش في دول لم يكن النزاع بين المثقفين فيها شيئًا جديدًا، اذهب وابحث عن خطب كشك في صلاح جاهين ورسومات صلاح جاهين في الإسلاميين، وانظر إلى النتيجة أمام عينك، لم يولد مثقفون كثيرون من بعدهم، بل ولد لدينا فقط أناس مبدعين في تخوين الآخر، اصنعوا دولاً تستطيع الدفاع عن نفسها وتستطيع أن تقترح التجارب والأفكار دون أن تغزو دولة أخرى لكي تكتم صوتها، اصنعوا الربيع العربي في عقولكم لكي تزهو صورة المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد