نتائج المحادثات التي جرت بين الأطراف المتصارعة في اليمن برعاية أممية لم تكن مفاجأة، فالمتتبع للأحداث يدرك أن التوصل إلى اتفاق نهائي في اليمن يتم تنفيذه والالتزام به مهمة ليست سهلة مطلقا، فهناك عدد من الاتفاقات التي توصل لها الحوثيون مع حكومة هادي لم يتم الالتزام بنتائجها في الميدان، وهو الأمر الذي أدى إلى التصعيد الأخير بشن السعودية عاصفة الحزم.

نفس الأمر مستمر حتى الآن فرغم الإعلان رسميا عن نهاية عاصفة الحزم وبدء عمليات ذات طابع إنساني تحت مسمى إعادة الأمل إلا أن المعارك كانت مستمرة في اليوم التالي، وقد فشلت عدد من الدعوات للهدن وتم خرقها، كل ما سبق يَشي بأن التوصل إلى حل سياسي ينهي الحرب الدائرة في اليمن لن يكون في الأمد القريب المنظور؛ نظرا لعدد من العوامل التي تعمل على تأجيج الصراع وتصعيده.

أهمها عدم إنهاك الأطراف الإقليمية التي تلعب دورا أساسيا في الحرب، فرغم خيبة أمل السعودية من حلفائها الذين رفضوا التورط في تدخل بري بعدما كانت تعتزم إلى تحقيق حسم عسكري نهائي، ونذكر هنا دولتين كانت تعول عليهما كثيرا هما مصر التي وقفت مترددة في موضوع التدخل البري بسبب خبرتها السابقة في اليمن أيام حرب الاستنزاف، وباكستان التي رفض برلمانها المشاركة مباشرة في العمليات العسكرية بسبب مصالحها مع إيران، إلا أن السعودية استطاعت إدراج أطراف جديدة غير متوقعة بسرعة للقيام بمهام الدعم لعملياتها مثل السنغال.

ورغم أن السعودية تمر أيضا بعقبات على المستوى الداخلي بسبب العمليات التي شنتها الدولة الإسلامية في الداخل مستهدفة الطائفة الشيعية، وارتباك فيما يتعلق بتحالفاتها الخارجية فهي أصبحت مضطرة لتغيير أولوياتها الإستراتيجية والتعامل مع من كانوا يُعتبرون أعداء من فترة قريبة لتحقيق أهدافها، وفي هذا السياق يمكن أن يُفهم اقترابها من تركيا وروسيا، ومن جهة أخرى هي تعاني من تدهور على المستوى الاقتصادي بسبب انخفاض أسعار النفط.

إلا أنها رغم العوامل السابقة ما زالت تتمتع بقدرة عالية على تحقيق الأمن العربي والإقليمي، فهي الدولة العربية الكبرى المستقرة سياسيا والقادرة اقتصاديا على تحمل تبعات القيام بدور قيادي إذا قورنت بدول كانت تقوم بدور مماثل في فترة ما على المستوى العربي مثل مصر وسوريا.

إيران أيضا تمر بأوضاع صعبة فهي تخوض معركة مصيرية في سوريا، ومنهمكة في التفاوض على الاتفاق الإطاري بشأن برنامجها النووي الذي تحاول عدد من الدول إفساده على رأسها إسرائيل، كما أن الحالة الصحية للمرشد فتحت باب صراعات داخلية كامنة على من سيخلفه، إيران مستنزفة بالفعل لكن طموحها الإقليمي يتفوق على قدراتها الواقعية ورغم أنها أكثر الدول الداعية للحوار في الموضوع اليمني إلا أنها لم تضغط بأي شكل على الحوثيين بهدف إنجاح الحوار من خلال الدعوة إلى التزامهم على الأقل من باب إظهار حسن النية! وأحد الأمور الذي تمنحها أريحية في الموضوع اليمني أنها ليست مضطرة للتدخل المباشر في الصراع.

العامل الثاني الذي سيعيق إقامة حوار فعال في اليمن هو الخبرة السياسية للحوثيين، فهذه الجماعة مرت بفترة سريعة من التطور من جماعة دينية لا تلعب دورا سياسيا ذا شأن إلى قوة مؤثرة بعد مد الربيع العربي الذي وصل إلى اليمن، هذه الفترة القصيرة جعلتها جماعة هجينة تمتلك من الأدوات والدعم الخارجي الكثير ولكنها لا تملك خبرة في الإدارة السلمية للاختلافات، وأحد أوجه الصعوبة في هذا الأمر هو قضية تسليحها بحيث أنها تملك قدرة على فرض واقع معين بواسطة القوة بغض النظر عن المسائل المتعلقة بالشرعية، ويبدو أنها ما زالت تراهن على مبدأ القوة رغم أن الموازين لم تعد في صالحها بعد التدخل السعودي.

هناك أمر آخر يتعلق بصدى الحرب الذي بدا يخفت والذي تزامن مع تراجع الاهتمام بالوضع اليمني، ففي حال بدء أي صراع مسلح في العالم يتعامل الجميع مع الموضوع على أنه مأساة وتبدأ المبادرات ومحاولات الوساطة لوضع حد له، لكن بعد فترة يتعود الجميع على إيقاع الحرب بشكل سيء، هذا ما حدث بعد بداية عملية عاصفة الحزم حيث ظهرت جملة واحدة من المبادرات نذكر منها مبادرة سلطنة عمان والجزائر باعتبارها دولا محايدة، لكن بعد ذلك بدا وكأن الجميع تكيف مع الأزمة.

إضافة إلى عوامل أخرى مثل امتداد الحرب أفقيا بتدخل القبائل على الخط ودور الأمم المتحدة الضعيف في الأزمة اليمنية بسبب عدم وجود إرادة لدى الدول الكبرى في إنهاء الحرب بل بعضها بدأ يعول على دور السعودية أو إيران، فحتى القرار الدولي الصادر عن مجلس الأمن رقم 2216، يفتقد إلى آليات وضمانات التنفيذ، نفس الأمر حدث مع فكرة المحادثات الأخيرة.

في ذلك الوقت الذي تفشل فيه المحادثات وتستمر رحى المعارك نجد أن اليمن يعاني من خسائر فادحة على عدد من الأصعدة أهمها البنية التحتية التي تم تدميرها بنحو 95 بالمئة، وعدد القتلى يقدر بحوالي ألفين، ففي الوقت الذي تنادي فيه المنظمات المتخصصة بمحاولة حماية المدنيين يبدو أن هذه المطالب ليست واقعية، فعدد من المباني المدنية مثل السكنات والمستشفيات ما تزال مستهدفة من قبل الطرفين أما عن غير قصد أو بإهمال متعمد.

والوضع الاجتماعي الاقتصادي لليمن الذي ظل مهملا في السنوات السابقة من قبل الدول العربية مزريًا للغاية فبعض المناطق ما زالت لا تجد حتى المياه الصالحة للشرب، وحسب التقارير فإن أكثر من 15 مليون يمني يفتقدون للرعاية الصحية الأساسية، فالشعب اليمني يعيش معاناة حقيقية على وقع الحرب.

ولتحسين الظروف السابقة لا بد من أرضية سياسية مستقرة يتم الانطلاق منها للبناء وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للفئات المتضررة، من المفروض أن الحوار هو الذي سيعمل على تحقيق هذه الأرضية لكن ما تبقى من الحوار في اليمن لم يعد كافيا، ولنا أن نأمل وندعو أن هذا الواقع سيتغير قريبا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد