تعرفت إلى باحث بريطاني شاب، يعمل أستاذًا للتاريخ في جامعة أكسفورد.

 

 

 

 

 

 

وقد أدهشني أن أكتشف أنه مسيحي متحمس لدينه، فوددت أن أناقشه، لعلي أفهم كيف يمكن لأكاديمي واعد في واحدة من أهم جامعات العالم، يفترض فيه الموضوعية وإعمال العقل وتفعيل التحليل المنطقي القائم على الشواهد والحجج، أن يتقبل بعض المقولات العقدية المسيحية الأساسية، وتحديدًا تلك التي تتعلق بطبيعة الله، التي يرى كثير من علماء الأديان في الغرب، أنها تتعارض بصورة كلية مع العقل والمنطق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وجدته يقول لي: إن المسألة مسألة إيمان أولا وأخيرًا، ولا علاقة لها بمعايير عقلية أو منطقية!

 

 

 

 

 

 

 

 

فأجبته: ولكن هذا المنطق المتهافت يمنح الفرصة لعابد البقرة مثلا لأن يقول الأمر ذاته، فيدعي أنه يؤمن بيقين قطعي بأن البقرة هي الله، وأنه لا يحتاج إلى أدلة وبراهين وإثباتات على صحة دينه وعلى صدق وحرارة إيمانه بأن البقرة هي ربه بالفعل!

 

 

 

 

 

 

 

 

فما الفرق بين ديانتك يا صديقي، وديانة عابد البقرة أو عابد بوذا، ما دمتم جميعًا تتبعون ديانات لا تستند إلى أسس عقلية موضوعية، قابلة لتقييم مدى صوابها أو عوارها!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لم يدر صديقي بما يمكن أن يجيب، فأخذ يحاول جاهدًا، وهو يعرف أن محاولته محكوم عليها بالفشل مسبقا، أن يشرح لي كيف يمكن أن يكون الله، حسب الفهم المسيحي؛ ثلاثة في واحد، بحيث يتكون من أقانيم ثلاثة هي الأب والابن والروح القدس،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ولكن لكل من تلك الأقانيم طبيعة وخصائص مختلفة! قال لي في سياق محاولته البائسة للشرح: تخيل البيضة مثلا، فهي تتألف من بياض وصفار وقشرة، أي من ثلاثة أجزاء، ومع ذلك تشكل بمجموعها كيان البيضة!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فضحكت مشفقًا وذكرته بأن مثل تلك التشبيهات محرمة في المسيحية، وأنها كانت تعد من باب الهرطقة والكفر عند آباء الكنيسة، الذين كانوا يطالبون الناس بأن يؤمنوا دون نقاش أو جدال أو تساؤلات يوسوس بها الشيطان!

 

 

 

 

 

 

 

 

وتابعت وأنا أبذل جهدًا خارقًا لإخفاء ضحكاتي: ولكن ماذا يا صديقي لو كان في البيضة أكثر من صفار واحد كما نرى في بعض البيض؟ وماذا لو انكسرت البيضة؟ ماذا سيحدث لنموذجك التفسيري عندها!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إنكم تقولون إن المسيح، أي الابن؛ قد قتل على الصليب، أي أن قشرة البيضة قد انكسرت حسب المثال الذي استخدمته، فماذا حدث لمفهوم الله ساعتها، الذي يفترض فيه الكمال والقوة المطلقة وعدم النقصان؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فموت المسيح، ولو لأيام قليلة، يعني أن جزء من الله قد مات لضعفه، وأن الله لم يعد كاملا، وأنه بات محدودًا وناقصًا، وهذه صفات بشرية تتناقض تمامًا مع صفات الألوهية!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أجابني صديقي بتحد وثقة: ولكن الله يستطيع فعل ما يريد، فهو يستطيع التضحية بجزء منه! قلت له: أجل، بالتأكيد يستطيع الله أن يفعل ما يشاء، لكنه لن يفعل ما من شأنه الطعن في صفاته المعبرة عن ألوهيته. فهو مثلا كامل مطلق الكمال، لذلك لن يقوم بفعل يجعله ناقصًا، وهو عادل مطلق العدل، لذلك لن يقوم بفعل يجعله ظالمًا، وإلا توقف عن أن يكون الله، وبتنا نتحدث عن كائن آخر، قد نجده في الأساطير اليونانية!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وقبل أن يرد صديقي، الذي أعرف أنه لم يكن يجد ما يمكن أن يقوله تابعتُ: ثم قل لي بربك، أي تضحية هذه التي تتحدثون عنها، فمفهوم التضحية يقتضي تقديم شيء غير قابل للاسترجاع، ولكن بما أن الله يمتلك قدرات مطلقة لا حدود لها،

 

 

 

 

 

 

 

فأين هي التضحية في أن يميت “ابنه” كما تزعمون، وهو قادر تمامًا على أن يعيده إلى الحياة بمنتهى البساطة والسهولة في أية لحظة!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثم ما ذنب المسيح كي يموت تكفيرًا عن جرم ارتكبه غيره، أي عدالة هذه وأين هو القانون الذي يمكن أن يقر بذلك، إلا بالطبع في مصر تحت حكم السيسي!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ولماذا احتاج الله لأن يقتل “ابنه” في مسرحية درامية دامية، أو أن يقتل نفسه في واقع الأمر، على اعتبار أن المسيح هو الله أو هو جزء أصيل منه كما تدعون؛ كي يكفر عن خطيئة آدم التي توارثها البشر من بعده حسب زعمكم، ما دام يستطيع بمنتهى البساطة أن يكفر عن البشر خطاياهم بكلمة واحدة!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثم إن الله قد اعتاد أن يكون في منتهى الشدة والحزم مع عباده الخطاة، حيث أنزل فيهم مرارًا وتكرارًا ما لا حصر له من صور العذاب الرهيب جزاء كفرهم وضلالهم وفسادهم، بشهادة كتابكم المقدس في العهد القديم منه. فماذا حدث لإلهكم؟

 

 

 

 

 

 

 

 

هل ندم على شدته وأنَّبه ضميره وأدرك عدم جدوى ونجاعة أسلوب العذاب، فقرر أن يعتذر لعباده الخاطئين بأن يسقط ذلك العذاب على رأس “ابنه الوحيد”، عن طريق قتله بصورة مهينة للتكفير عن خطاياهم!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كان العرق قد بدأ يتصبب من جبين صديقي الذي فاجأته أسئلتي المحرجة، ولم يكن بالطبع يملك أية إجابات يمكن أن تكون مقنعة عنها.

 

 

 

 

 

 

فقال لي بنفاد صبر: دعنا من هذا الحديث الفلسفي يا صديقي، فلن نصل حتمًا إلى نتيجة أو اتفاق. المهم أننا نؤمن بالله، ومن واجبنا أن نتحد في مواجهة تيارات الإلحاد!

 

 

 

 

 

 

 

فأجبته وأنا مشفق عليه: ينبغي أن تعلم يا صديقي المسكين أنك لا تقل بؤسًا عن أتباع تلك التيارات العدمية، وأنك ستنتهي على الأرجح، إن لم تتدارك نفسك وتشغل دماغك؛ في ذات الغرف التي سينتهون إليها في الجحيم المقيم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فأن تشوه مفهوم الله وأن تهشم وحدانيته وأن تحقره بإشراك أحد من خلقه الفانين معه، دون أن تفكر في ذلك ودون أن يطرف لك جفن، رافضًا استخدام عقلك، أمر قد لا يقل سوء وفظاعة عن إنكار وجوده من الأساس!

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد