مما لا شك فيه أن الأسرة هي خط الدفاع الأول عن المجتمع وعن استمراره بشكل كبير، لذا أود في مقالي هذا أن أخاطب أفراد الأسرة جميعًا حيث أنهم شركاء في المسئولية ويتوقف نجاح الأسرة أو لا قدر الله فشلها على مدى تعاونهم وتحملهم لمسئولياتهم وشعورهم بعِظم هذه المسئوليات الكبيرة الملقاه على عاتقهم، فكم من الأسر تنجح وسط هذا الانحدار الاخلاقي والتدني في الذوق العام، وذلك بفضل الله، ثم بفضل ترابطهم واحتوائهم لبعضهم البعض.

الأم

أبدأ حديثي إليكي أيتها الأم العظيمة لأنكِ صاحبة الدور الأكبر في نجاح الأسرة، فأنتِ ميزان الثبات لهذه الأسرة فكوني صديقة لابنتك وكوني صاحبة ولدك، كوني كاتمة أسرارهم، أنتِ وحدك تستطيعين حل معظم مشاكل أبنائك بالحوار وبالحب، أنتِ الوحيدة التي لا يشك أبنائك في حبك لهم، أغمريهم بالحب واجعلي نصحك مغمور بالحنان، حاولي التعرف على مفاتيح شخصية أبنائك، اندمجي في عالمهم، تعلّمي لغتهم وتعاملي معهم بها، كوني الصديقة العاقلة، والأخت الكبرى، تخيري أساليب النصح وحاولي التنويع فيها حتى لا يملّوا، اخلطي النصائح بالمزاح، قدمي النصائح أثناء الرحلات الترفيهية، تجنبي مقارنتهم بأبناء الأخرين خاصة الاقارب والأصدقاء، حاولى دائمًا زرع الثقة بهم، علميّ ولدك منذ طفولته أنه رجل، وتعاملي معه بهذه الطريقه ستجدينه رجلًا رغم صغر عمره، اغرسي فيه قول الحق والشجاعه حتى وإن ناله عقاب، فهو أكرم له، ربيِ زهرتك أنها ملكه لا يستحقها إلا عظيم، احكي لها عن مكانة فاطمه، اذكري لها عطاء خديجة، قُصّى لها عن حياء بنات البئر مع سيدنا موسى، إن دورك يزيد كل يوم وتعظُم قيمته مع هذا الانحدار الشديد في المجتمع، ورغم ثِقل مهمتك إلا أنه لا يستطيع القيام بها غيرك، ومن كالأم!

الأب

أيها الأب الغالي يعلم الجميع معاناتك خارج البيت، ويقدر الكل الضغط الذي تتعرض له في العمل، كما نشفق عليك من كثرة التفكير في النواحي المادية المهمة لاستقرار الأسرة، لكن يا والدي العزيز نحن نحتاج وجودك إلى جانبنا بعض الوقت، إن أهمية الحضن لصغارك عند عودتك من العمل تعادل أهمية توفير الحياة المادية الكريمة لهم بل أكثر، ليس هذا تقليلًا من مجهودك، بل هذه هي الحقيقة، إن القبلة التي تضعها على جبين ابنتك تجعلك فارس أحلامها وتُشعرها بالأمان، بأن لها سندًا تحتمى به، إن احتضانك لصغيرك ومسحك على شعره يجعله يشعر بامتلاك الدنيا كلها – لا تنسى والدي الكريم كم من الأبناء محرومين منها – رجاءً أيها الوالد العزيز أن تخصص وقتًا لعائلتك تستمع إليهم وإلى مشاكلهم وتشاركهم المزاح والترفيه، اجعل الكثير من الأشياء تشتركون بها، فهذا يزيد الترابط والتفاهم، كن صاحب ولدك، تكلم معه في كل شئ وشارك معه تفاصيل حياته، تكلم معه عن الكرة وعن صفقات اللاعبين، تكلم معه عن البنات في الجامعة وعن العادة السرية، إذا أردت حمايته من أصحاب السوء فكن له صاحب، انفتح على ولدك وعلى حياته كصاحب وصديق وليس كوالد وناصح، لا تلمه مباشرة مهما كان الخطأ، بل تناقش معه واذكر مميزات وعيوب هذا الفعل حتى تصل إلى نتيجة يذكر هو بنفسه عيوب هذا التصرف، اجعل من نفسك الصديق الذي يلجأ إليه لأنه يسمع منه ولا يلومه، فلا تجعله يهرب منك هربًا من اللوم أو خوفًا من العقاب، ولتعلم أن الأفضل أن يُخطئ، ويأتي إليك فتوجهه بدلًا عن أن يُخطئ ويذهب إلى صديق ولا ندري ما العاقبة.

أبي الحبيب اجعل من نفسك نهر الحب الذي تبحث عنه ابنتك، كُن المدلِل لها، لا تنسى هديتها وإياك أن يمر يوم مولدها بدون احتفال، وأقلها وردة معطرة وأنت عائد من العمل، أو كلمة رقيقة تستيقظ لتجدها بجوارها من أبيها الغالي.

الأخ

أيها الرجل الشهم، أيها الشاب الغيور، كن رقيقًا مع أمك، ساعدها وتفقدها، اشغل نفسك بأحوالها ولا تأخذك حياة الشباب في البعد عن عائلتك، والدك يرى فيك السند والعضد، فلا تخذله بتصرفات الصبيان، لقد رآك رجلًا منذ نعومة أظافرك، وتخيلك سندًا له في هِرمه، فكن نعم الابن، وانتبه لأيامك معهم فهي تمضي بسرعه ولا تعود، لا أريد أن أحدثك عن إحساس الغياب واحساس الاشتياق لتقبيل يد والديك ولا تستطيع، ناهيك عن إحساس الفقد لا قدر الله، أختك هي أمك وأختك وصديقتك ونور عينك، إذا كنت غيورًا وشهمًا (وأنت كذلك) فكن معها وعش تفاصيل حياتها، إذا أردتها أن لا تصاحب فكن أنت صاحبها، إذا قتلتك غيرتك عليها فتذكر أن من تصاحبها لها أخ، حاول أن تكون الأخ الذي إذا غاب افتقدك كل البيت، وإياك أن تكون الأخ الذي يتمنى الجميع غيابك، لا تكن ناصحًا وفقط، بل اطرح البدائل، وكن الهادئ الرقيق الحاني على أهل بيتك، فالرجولة ليست بالقسوة.

الأخت

أيتها الأخت الكريمة أنتِ تاج لهذه الأسرة، وأنت الأميرة المدلّله، فكوني على قدر الثقه التي أعطوكِ إياها، تذكري دائمًا أنك ريحانة هذه الأسرة، فكوني سر سعادتهم دومًا، ساعدي أمك في كل أعمالها، اهتمي بشئون إخوتك، تذكري دائمًا أن لك أبًا ينتظر يوم زفافك ليراكِ عروسًا، لا تنسي حلم أمك بأن تعطيكي للأمير أيتها السندريلا، أما أخوكي فهو يغار عليكي من الهواء الذي تتنفسيه، فلا تخوني كل هذا بسراب الحب، الحب إحساس فطري لا ننكره، ولكن كأي شيء في حياتنا له ضوابط وحدود، فاحفظي نفسك يا غاليه، أنت تستحقين ذلك الأمير القادم، الأمير الذي يراكي أغلى شيء في حياته، فيتقدم لأبيك بالتنازل كل ما يملك حتى روحه وقلبه يعطيها لك.

أختي الغاليه: لا ترضي بأقل من هذا، لا تضيعي هذا بكلمات الغزل التي تملأ الاغاني والاشعار، لا تخسري هذا الأمير بكلمات واهيه لا تعدو كونها مخدرات لا فائدة منها، تذكري أن هذا الرجل القادم يبحث عن أم لأبنائه فاجعلي من نفسك أمًُا قدوة، انظري لمستقبلك وحياتك مع زوج يحترمك ويصونك ويغار عليكي وأبناء يفاخرون بأمهم رمز الطهارة في نظرهم، كوني عزيزة لأجلك قبل أي شيء، لا تهيني نفسك بعلاقات فاسدة تندمين عليها لاحقًا، حتى وإن لم يعلم بها أحد، فحساب النفس أحيانًا يكون أشد من حساب الناس، وأولًا وأخيرًا احفظي نفسك لأن لك رب سيحاسبك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد