في أول حصصي المدرسية لتدريس مادة التربية الدينية الإسلامية للمرحلة الثانوية، كان الدرس عن الإيمان بالله باعتباره أول أركان الإيمان. لم أجد بالكتاب الوزاري سوى مجرد تلقين، فألقيت به جانبًا، وتحدثت عن الإيمان بالخالق بطريقة مبسطة، من واقع مظاهر ذلك دينيًا، وتاريخيًا، وطبيعيًا من حولنا.

أزعم أنني قلت كلامًا لم يسمع عنه طلاب فصلي القادمين من «الكومباوندات»؛ إذ إن أفواههم الفاغرة على مصاريعها كانت تتساءل عن كل جملة أقولها، ليس بغرض التحقق والتثبت، إنما بغرض الإعادة والتعجب من هذا الكلام الذي لا يجدونه في كتب دراسية هي أشبه بمدونات إلكترونية لطالب فاشل. وأقول أفواههم؛ لأن الأسئلة لم تصل إلى عقولهم، إذ إن عقولهم في مثل هذه الأمور تكون خارج نطاق الخدمة.

وبعد الحصة دار بيني وبين تلاميذي حوار لطيف، لم يكن يتناول موضوع الدرس، إنما كان يتناول الإجابة عن سؤال لم أسأله:
– «حضرتك عارف ليه كريم كان بيسأل كتير؟»

وقبل أن أجيبهم أجابوا:
– «أصل كريم ملحد!»

لم أُخفِ تعجبي من الإجابة، فناديته لأتعرف على يقينه في الإلحاد، ليس بدافع الهداية بل لإثبات أنه لا يعرف الفارق بين الإيمان والإلحاد، كما لا يعرف الفارق «بين الألف وكوز الذرة».
بادرته بسؤال ساخر:
– «إنت ملحد عن اقتناع، ولّا يومين وهاترتد عن إلحادك؟»

فأجابني متجهمًا:
– «أنا هاثبت لك يا مستر إن كلامي علمي».

جلس بجواري ليطلعني على ملف يحتفظ به على هاتفه المحمول تحت مسمى «فولدر الإلحاد»، على غرار الفنان أحمد مكي في فيلمه (لا تراجع ولا استسلام)، حينما كان يحفظ رقم الهاتف باسم «سراج مهمة».
لم يكن ذلك الكلام العلمي إلا بعض جمل متتالية، كتبها شخص على مدونة إلكترونية، يتحدث عن ترهات يدّعي أنها علم لدنيّ، وإلهام هبط عليه من الطبيعة الأم.
بعد القراءة توجهت لتلميذي «ابن الطبيعة» وقلت له:
– «أنت عار على الملحدين.. لو كان الإلحاد علمًا فتعلمه أولا ثم ناقشني».

وعلى مدار الحصص ناقشته في أن الإلحاد مجرد ظاهرة يدّعي تأثره بها؛ لأنه لم يجد في «الكومباوند» ما يجعله مؤمنًا، لكنه وجد ما يوهمه بأنه ملحد.
وقد ساعده على ذلك تنامي ظاهرة الإلحاد عربيًا، والذي أراه أمرًا سخيفًا يدعو للتعجب والاستنكار؛ فكيف بأراضٍ كانت مهدًا لكل الرسالات والتعاليم السماوية أن تكون أرضًا خصبة للإلحاد.

وفي تقديري أن وجود الملحدين العرب قد يعود إلى عدم معرفتهم للرأي القوي ليواجهوا به الرأي الضعيف، ومنطقيًا فإن الرأي ذا الحجة الواضحة والبراهين الدامغة لا يقوى المنطق الضعيف أمامه، ولا يجد مفرًا من الإذعان له أو المكابرة بعدم الاقتناع به، رغم إقراره بجودة السبك والحبك، فتلميذي الذي تأثر بكتابات لشخص لا يفقه ما يقوله، ولا يملك ما يمكن أن نعتبره حجة أو حتى رأيًا، إنما كان تأثره بدافع من ضعف منطقه؛ لأنه يجهل المنطق الصحيح.

ذلك المنطق الذي يدعمه تاريخيًا انتشار الديانات بتعاليمها قبل فتوحات رجالها، فالإسلام والمسيحية لم يكن لديهما القوة التي تجعلهما يحكمان البلاد، بل الثابت تاريخيًا أن الأولين من أهل الديانات قاسوا مرارات وصنوفًا من القتل، والتهجير، والتعذيب، والاضطهاد، وبعد مرور السنوات أصبحت المسيحية تحكم البحر المتوسط شمالًا وجنوبًا وشرقًا، ثم جاء الإسلام ليضيف إلى ذلك آسيا وأفريقيا.

أما بعد..
كثير من الملحدين ومدعي التدين هم صور مكّررة من تلميذي، لا يدركون ولا يفقهون، هم يقرأون فقط، أو بمعنى أدقّ: تمر أعينهم على الكلمات، لكنها لا تعدو إلا أن تكون «كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه».
وفي رأيي أن الإلحاد وادّعاء التدين هما ظاهرتان «فيسبوكيتان»، لا تعودان إلى عشوائية الوازع الديني أو ضعفه فقط، بل إلى الأمية التعليمية أيضًا.

لا أدّعي المثالية أو العلم أو التفقه، بل أعرف أننا مسؤولون عن كل هؤلاء، ربما قمت بواجبي تجاه تلميذي، أو هكذا أظن، لكنني على يقين بأن مناقشاتي معه خرجت من رأسه قبل أن تدخلها.

إذن علينا أن نعلم أبناءنا المنطق الصحيح، ونجعلهم يؤمنون بالإله الخالق اعتمادًا على إيمانهم بمظاهر وظواهر وجوده، أو انطلاقًا من أن رفض المنطق هو منتهى الغباء، فالعلم والدين ليس بالضرورة أن يجتمعا أو يتضادّا؛ فكل منهما في مجالاته يؤدي عملًا مختلفًا، لكن ليس منطقيًا أن نرفض كل مظاهر الخالق التي بداخلنا وخارجنا، وندّعي أن الكون بدون هوية، بدون خالق متحكم، وعدم رؤيتنا له لا تجعلنا ننصّب من أنفسنا آلهة، أو نتخذ آلهة مذللة لخدمتنا، وكذلك فإن إيماننا به أو ادعاءنا ذلك لا يعطينا صكوكًا بالرحمة أو العذاب.

اتقوا الله في «فيسبوككم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد