منذ نعومة أظفارنا ونحن في دوامة لا نهائية من زراعة الأفكار والمعتقدات، سواء أكانت دينية أم اجتماعية أم ثقافية، ولكن هل فكرت معي للحظة، ما مدى صحة هذه الأفكار من عدمها وما تأثير زراعتها علينا؟!

أتدري عند سماعي لكلمة زراعة الأفكار يراودني تخيلات عديدة عن أمور بائسة من جميع مراحل حياتي، تجري أمام عيني كفيلم سينمائي يحكي عن فساد عقولنا وتمزق فطرتنا أمام كل هذا الهراء، فأتذكر تمامًا عندما كنت صغيرة ارتبط اللون الزهري والرسومات المشرقة وباربي وفلة بالفتيات، واللون الأزرق وصور المقاتلين والمحاربين للفتيان، وأيضًا حُب هذا النوع من الطعام والشراب لأن والديَّ يحبونه، وعدم حبي لهذا وذاك لأنهم لا يحبونه؛ فهم خافوا عليّ من التجربة، وأنا لم أطلبها كذلك، مرورًا بترديدي مع الأطفال بعض الأغاني الساخرة كـ «يا فاطر رمضان يا خاسر دينك» كنا نسخر من الأطفال الذين لا يصومون رمضان معنا بها، وكانوا يحزنون ويحاولون جاهدين ألا يظهروا لنا أنهم مفطرون حتى لا يتلقون سخريتنا كالجمر الحارق لحُب الدين وفهم معنى الصيام وأهمية رمضان فيشتاقون لصيامه بفطرتهم النقية، ونتسابق جميعنا في الخير والتقرب لله بالفطرة في المقام الأول، ويتحول صيامهم لاتقاء شر كلماتنا.

ثم أتذكر بعد ذلك عندما كبرنا قليلاً وسمعنا عن القضية الفلسطينية التي بفطرتنا سنحترق حزنًا و شوقـًا متى سنذهب لهناك حتى نقتل هؤلاء الكلاب الصهيونية المسعورة التي تنتهش إخواننا الفلسطينيين في صمت من العالم أجمع، لكنها تحولت للجملة الشهيرة «هما اللي باعوا أرضهم»، وأضف على ذلك كل الأفكار والآراء في الأحزاب التي جعلتنا نكره من نكره ونحب من نحب لأنهم علمونا هذا وربطوا في عقولنا لأن فلان تابع للفئة الفلانية فهو كذا وكذا، بغض النظر عن حُسن أخلاق هذا الشخص واتقائه لله في تعاملاته معهم.

ثم أتذكر عن الإرهاب وكيف ربطوه بمظهرنا الإسلامي، وكيف ضيّقوا الخناق على المسلمين والمسلمات في الخارج، وأتذكر حادثة قتل إرهابي لمسلمة وكيف احترق زوجها حزنـًا عليها، ونحن لا نملك شيئًا حتى نواسيه؛ فكنت أصغر من أن أدرك ثقافة الدعاء حينها ولكن قلبي كلما تذكر هذا يتألم وأشعر به يعتصر عليه وعلى ابنهما الصغير، الذي لم ينعم بحنان أمه؛ لأنها مسلمة! وحوادث كثيرة مشابهة لهذه الحادثة حدثت قريبًا، ولكني لم أتألم لها كهذه السابقة، لا أدري لِمَ يبدو أن قلبي مات به جزء ما لم يعد يشعر بشيء.

وأتذكر أيضًا الخزعبلات الاجتماعية التي حوّلت الزواج من مودة وسكن ورحمة واستقرار لبناء أسرة مسلمة منتجة لصراع من النقود والجاه لمن لديه شقة أكبر وأحدث سيارة وممتلكات منزلية لانهائية العدد، إذا فرقناها تزوج جيلاً بأكمله، ليس هذا فقط بل من هو الوسيم  أو صاحبة الوجه اللطيف فهذه المواصفات السطحية حوّلت من الزوج والزوجة لسلعة يتباهون بها في أمام الخلق، ولكي لا ننسى أن الشبكة والمهر والقاعة المختارة للعرس لا بد أن تكون أفضل من فلانة وعلانة وممتلكاتنا في الشقة يجب أن تكون بأعداد تزوج ما لا يقل عن 50 عروسة ربما في حالات أخرى 100 عروسة، ولكن لا بأس بأن نقترض كثيرًا من الأموال من هذا وذاك ونموت من ثقل الدَّين للهروب من المقولة الشهيرة «أنت عايز الناس تاكل وشنا ولا إيه»، الخوف والهروب الذي أراه فيهم يشعرني أن كل الناس عبارة عن مجموعة من آكلي لحوم البشر والتحلية عندهم هي وجوه الناس؛ فلذلك يتلهفون لالتهامها.

وبعد كل هذا أتذكر العديد من الأفكار الحديثة مثل أي شيء سيئ يحدث في الثلاثاء؛ فهذا شيء طبيعي لأنه مصدر الشؤم العالمي، وأيضًا الكثير من المنشورات التي تتحدث عن تزوجي من يفعل هذا ولا يفعل ذاك، وتزوج من التي تفعل ولا تفعل وتسارع كثير من الفتية والفتيات لهذا الكلام كأنها الوصفة السحرية للزواج وبدونها ستكون حياتهم مملة، لا أعرف لِمَ يلقون اللوم على الطرف الآخر وينسون أنفسهم هؤلاء الحمقى!

وأخيرًا أتذكر كل هؤلاء الفاسدين الظلمة في حياتي، بل في كل حقبة زمنية، ما هم إلا نتيجة زراعة أفكار خاطئة غير آدمية ولا إنسانية، فهم الأكثر فشلاً وقهرًا في حياتهم لذلك أصروا على أن يُعامِلوا كما تم التعامل معهم فعثوا في الأرض فسادًا ودمارًا وقتلاً وخرابًا لا يشعرون بأي شيء من الندم و ﻻ الحزن؛ لاعتقادهم أن هذا حقهم وأن هؤلاء ليسوا سوى حشرات عليهم الهلاك للأبد لبناء مستقبل باهر، يراودني وأنت كذلك يا صديقي من حواراتنا السابقة لِمَ هم على هذا النحو؟ لِمَ لا يشعرون بالأسى أو القليل من الحزن والندم على هذا الخراب؟ سأصدمك بهذا لكن تم إعادة برمجة عقولهم على أنهم على الطريق الصحيح الذي يحقق العدالة للبشرية؛ فهو الأفضل الآن وعليهم فعل هذا والاستمرار عليه ليكون الغد أفضل.

أتدري بعد تفكير شديد فأنا مؤمنة تمامًا أننا كل يوم في حرب ممتدة إلى ما لا نهاية في زراعة الأفكار لا تنتهي ولن تنتهي حتى قيام الساعة، ولكن يجب عليك أيضًا أن تدرك تمام الإدراك أنك أنت وحدك المسؤول عن نفسك، وأنت وحدك القادر على زراعة الفكرة في عقلك بعدم صبرك وتكاسلك للبحث عن حقيقة الأمر وإيجاد إجابة لما يلي:

هل ما يقولونه صحيح؟

ماذا بعد ذلك؟

ماذا سيحدث إن اتبعت هذه الفكرة وماذا قد يحدث إن لم أتبعها؟

فأنت وحدك ستتحمل مسؤولية تبني فكر شخص آخر، وأنت وحدك من ستحاسب عليه أمام الله؛ فكن شجاعًا بالقدر الكافي لتفعل كل هذا، وكن صادقـًا مع نفسك تمام الصدق في معرفة لماذا تتبع هذه الفكرة، ولماذا تتبنى هذه الفكرة، هل حقـًا نيتك خير، أم أنك تتبعهم فقط لتكون ذلك الشخص السطحي التافه الفارغ الذي يثير نظر الناس لثواني قليلة!

لأكون صادقة معك، لا أريد هلاك الدنيا والآخرة ولا أريده لك كذلك، لكني لا أدري الخطوات التي بها نعد العدة لنحمي أنفسنا وفطرتنا من الهلاك في هذا العالم الموحش، وننجو بأنفسنا في الآخرة، ولكن كل ما يخطر ببالي الآن أن الله معنا متى أردنا العودة إليه؛ فعلينا ألا نحزن، فكما أخبرنا الله في كتابه العزيز «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ»، لذلك فلنكن محسنين يا صديقي فالحياة أقصر ما تكون لنهلك الباقي منها في اتباع كل فكرة تُلقى في أذهاننا ونتبع هوانا فيها فلنركز جهودنا على اتباع ما هو خير منها لننجو بأنفسنا في الآخرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد