“فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ”
سورة آل عمران-آية 159

 

استوقفني مقال “كوري أوكلي” بعنوان: “شارلي إيبدو ونفاق الأقلام” الذي نَشره مؤخّرًا على موقع Red Flag الإخباري. المقال جاء على خلفية حادث مهاجمة مقر مجلة “شارلي إيبدو” الفرنسية وقتل 12 شخصًا معظمهم من صحفيي ورسامي الكاريكاتير بالمجلة؛ ردًّا على نَشرهم رسومًا مسيئة للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم).

 

المقال يَسخر من رسم كاريكاتوري يُجسّد شخصين عربيين مقنّعين إرهابيين – هل هناك أي نوع آخر من العرب غير الإرهابيين؟- تنهال عليهم سيل من القنابل والمقذوفات في شَكل أقلام جاف ورصاص وريّش كبيرة للكتابة، ليعكس ذلك الرسم الكاريكاتوري مفهوم ردّ الغرب المتنوّر المتعلم والبطل المغوار على البربرية متسلّحًا بالأفكار وحرية التعبير!

“أوكلي” في مقاله الفريد الذكي يَسخر من ذلك الرسم الكاريكاتوري وتلك الصورة النمطية الزائفة عن الغرب، مؤكّدًا في سياق حجته على أن الغرب لم يكن متسلّحًا بالأقلام الجافة والرصاص وأيضًا بالأفكار عندما اجتاحوا العراق وغزة وأفغانستان مخلّفين وراءهم مئات الآلاف من القتلى والمشرّدين، وجميعهم لديهم عائلات وقصص وحيوات كانوا يعيشونها، لتكون المحصلّة “مئات الملايين الذين فقدوا أصدقاءهم وعائلاتهم وبيوتهم وشاهدوا بلدانهم ممزّقة”.

 

ويَرى “أوكلي” أن تاريخ علاقة الغرب بالعالم الإسلامي هو تاريخ حافل من الاحتلال والاستعمار والخضوع والحروب، وجميعها تطلّ صارخة في وجه المفهوم “العتيق” و”الطريف” الذي ينادي بأن “القيم الغربية تَتضمّن التخلّي عن العنف والإرهاب بوصفهما أدوات سياسية”!

 

ويختتم “أوكلي” مقاله بأن الأيام المقبلة ستحمل مشهدًا منقولاً من أحد مسارح العبث؛ حيث يتلو الغرب شعرًا عن حرية التعبير “في الوقت الذي يسارع فيه الزعماء العرب في شجب وإدانة إرهابًا لا يمت بصلة لهم، كما سيتم إدانتهم هم أيضًا لأنهم لا يفعلون تلك الإدانة والشجب والتنديد بالدرجة الكافية. وسيطالب اليمينيون بعدم قتل الصحفيين الذين يعبّرون عن آرائهم مع المطالبة بتقبّل الغَربيين أبيضي البشرة – وليس المسلمين- بوصفهم الضحايا الحقيقيين لتلك الدراما السياسية السابقة، في الوقت الذي سيفعل المسلمون الذين يعيشون في الغرب – إذا ما جرأوا على السير في الشوارع بحرية- هذا الأمر خوفًا من الهجوم المضاد الحتمي عليهم، وسيكون الخوف من الأقلام هو آخر ما يشغلهم”.

وبعد مشاركة مقالة “أوكلي” على صفحتي على فيسبوك، مذيّلة بمقطع من المقال، فاجأني صديقي الأوروبي بهجوم شديد عليّ وعلى أفكار المقال الذي قمت بمشاركته على صفحتي الاجتماعية.

 

قال صديقي والغضب يطلّ من كلماته اللاذعة:

– من خلال رؤيتي بأن “الغربيين أبيضي البشرة” هم الذين اخترقت أجسادهم الرصاص، فباستطاعتي القول إنهم هم الضحايا الحقيقيون؛ فلا أحد مطالب بالقول إنهم ضحايا، لأنهم هم كذلك دون شك؛ فهم في أكفانهم الآن، ونحن نتحدّث.

 

أطلق صاحبي الأوروبي شرارة الحديث “الشائك” في نَفسي، فقلت له في هدوء:

– لا أحد يقول عَكس ذلك. فهؤلاء “الغربيون ذو البشرة البيضاء” ضحايا التعصّب والجهل والتطرّف؛ فقتل الأنفس للتعبير عن الآراء ليس محرمًا فقط في الإسلام “الحقيقي” الذي لا يعرفه الكثيرون، ولكن في المسيحية واليهودية كذلك. ولكن، وفي الوقت نفسه، لا تَعني حرية التعبير نَشر الكراهية والسخرية من معتنقات الكثيرين حول العالم. عمومًا، الحرية تَعني أن يكون المرء مسؤولاً عن كل فعل، وعلى كل نَفَس؛ عما تفعله أو لم تفعله.

ردّ صاحبي ساخرًا:

– نعم، تريد أن تقول إن محرري ورسّامي شارلي إيبدو الذين لاقوا حتفهم هذا اليوم، كانوا مسؤولين جزئيًا عن موتهم. عظيم جدًا.

قلت له، وأنا أحاول أن أكتم صيحة غضب أوشكت على الخروج في كلمات على هيئة سُباب:

– لم يَقل أحد ذلك. لا يجوز القتل ردًّا على التعبير عن الآراء. ولكن، ما عنيته أن هناك معايير صحفية أخلاقية تحثّ الصحفيين والمحرّرين على التقيّد بها، ولكن رسّامي هذه المجلة لم يكونوا مهنيّين بالشكل الكافي للتقيّد بتلك المعايير.

انفجر صاحبي الأوروبي وهو يُسطّر كلمات تبوح بعنف ظاهر:

– لا أتّفق معك في استخدام قتل أشخاص لصياغة حوار جَدلي؛ فمناقشة الحدود والمعايير الأخلاقية لحرية التعبير شيء، ومناقشة الدوافع التي قد تدفع بالبعض لقتلهم من عدمه شيء آخر. ودمج النقاشان بوصفهما وجهان لعملة واحدة لا يفعل شيء سوى تبرير وإجازة القتل كوسيلة لفتح حوار جَدلي.

قلت لصاحبي وأنا استجمع حصافة الإغريق وصبر أيوب في آن واحد:

– لا يمكنني سوى أن أصدّق على كلامك؛ النقاشان ليسا وجهين لعملة واحدة. ولكن، مثلما يسوق المقال السابق في مضمونه، فإن المسلمين في الغرب لا يجب أن تُلقى باللائمة عليهم لهذا الفعل القبيح. وأكرّر القتل لم يَكن أبدًا الردّ المناسب على الرسوم المسيئة بل كان على المسلمين أن يتحلّوا بقدر أكبر من الحصافة والذكاء عبر استخدام الأداة نفسها (حرية التعبير) للدفاع عن النبي الكريم.
قال صديقي الأوروبي وهو يعلم هذه المرة أن الإشكال سيكون عسيرًا:

– نعم، ولكن المسلمين سيسيرون في شوارع الغرب خائفين من الإسلاميين الراديكاليين، وليس من المتعصّبين الغربيين الذين يبحثون عن الثأر لأن ذلك بمثابة الفزّاعة المختلقة؛ فهؤلاء المسلمون الإرهابيون يقتلون المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، مثلما فعلوا مع حادثة شارلي إيبدو.

استخدمت الحُجة نفسها في ردّي على ذلك الصديق:

– نعم هؤلاء “المتأسلمون” الذين يستخدمون الدين ذريعة للوصول لمآربهم الدنيوية لا يفرّقون بين المسلمين وغيرهم، ولكن، لا يَعني هذا غض الطرف عن الأعمال الثأرية التي ينفّذها بعض المتعصّبين الغربيين الذين يظنّون بأن المسلمين جميعًا ينبغي أن يدفعوا ثمن حادثة شارلي إيبدو وغيرها. خذّ روبرت مردوخ مثالاً؛ وكيف قام هذا اليميني المتطرّف بانتقاد الإسلام في تغريدة له حديثًا. ما يَشغلني الحقيقة هو الجهلة من الجانبين الذين يلجأون إلى العنف لفرض وجهة نظرهم.

انتقل صديقي إلى الحدّة في دفاعه عن منطقه:

– مردوخ لم يقتل أحدًا ولم يَقم بأيّة أفعال انتقامية عدا التغريد للتعبير عن آرائه، كما لم يحرّض على العنف ضد المسلمين. هو بكل بساطة، لا يلائم مفهوم الشخص الذي قد يخافه المسلمون إذا ما ساروا بشوارع الغرب.

تنفّست الصعداء، وأنا أرى صديقي يقع في الشِرك الذي نصبه لنفسه:

– نعم مردوخ لم يقتل أحدًا، ولكن قد يأخذ بعض الجهلاء كلامه أمرًا مسلّمًا به، ويقومون هم نايبة عنه، بتلك الهجمات الانتقامية التي قد يَسفر قتلى عنها.

لم ييأس صديقي بعد، وقال:

– أراك تتحدّث عن القنابل والرصاصات الصوتية التي تُلقى على المساجد الخالية وحَرق محال الكباب المغلقة والتي لا يسفر عنها أية مصابيين أو قتلى. كلها أفعال يقوم بها بعض العنصريين الأغبياء السكارى. لا تهديد أو قتل. وفي نهاية اليوم، يجب على المسلمين في أوروبا والغرب الخوف أكثر من الانتحاريين المسلمين المدجّجين بالقنابل والبنادق أكثر من هؤلاء السكارى المدجّجين بالقنابل الصوتية.

قلت لصديقي:

– ليست كل الحوادث التي ذكرتها يُستخدم فيها القنابل والرصاصات الصوتية على يدّ سكارى غربيين. أتذكر حادثة أوكلاهوما وتفجير المبنى الفيدرالي عام 1995 والتي قُتل فيها 169 شخصًا ووصل عدد المصابين إلى 675 مصاب؟ أتذكر هجوم النرويج في عام 2011 الذي استهدف مقارًا حكومية في أوسلو ومخيّمًا لشباب حزب العمل الحاكم في جزيرة أوتايا وكان منفّذ الهجوم مناهضًا للإسلام ونجم عن ذلك العمل الإرهابي مقتل 11 شخًصا تقريبًا وعشرات المصابين؟ وحتى مع الأمثلة التي ذكرتها، مَن يَضمن ألا يلجأ هؤلاء السكارى إلى التصعيد بالعنف في المستقبل. يجب علينا أن نُدين كافة أشكال العنف ومحاسبة مرتكبيه أشدّ الحساب.

طفح الكيل بصديقي وهو يقول:

– نَحن نُدين بالفعل كافة أشكال العنف.

الغرب أدانوها بالفعل؛ لقد قمنا بالمسيرات الاحتجاجية في باريس تضامنًا مع المسلمين. وحتى مع أحداث سيدني الأخيرة، فإن أول ما فعلنا تدشين حملة “سأكون معك” تضامنًا مع المسلمين حتى قبل مقتل اثنين رهائن في كافية بسيدني.

كم عدد المظاهرات المؤيّدة التي نظّمها المسلمين بعد حادثة شارلي إيبدو أو حادثة سيدني؟ الحقيقة، هناك احتفالات في شوارع العديد من البلدان المسلمة مؤيّدة لأعمال القتل!

أين شعار “نحن آسفون” على أغلفة مجلات المسلمين؟

أين حملة “سأكون معك” في المجتمعات الإسلامية؟ لا، كل ما جنيناه، عبارات على شاكلة “لا تلومونا” و”رسامي الكاريكاتير كان لا يجب عليهم أن يهينوا الرسول، دعونا نقيم حوارًا جدليًا حول نزاهة قوانين حرية التعبير يا عنصريين”.

لا تدّعي أن المخاطر والإرهاب يأتي من غير المسلمين في حين أن كافة الأدلة تشير إلى عكس ذلك. نحن في الغرب لسنا انتقاميين أو قبليين للدرجة التي يحاول إعلام بلدانكم تصويرنا عليه. ولو كنا كذلك، لكان الثأر بالقتل بدأ في اليوم نفسه الذي حدثت فيه مجزرة شارلي إيبدو.

بعد لحظة صمت وتعاطف حقيقيين، قلت لصديقي:

– صدقني يا صديقي، العديد من المطبوعات العربية تضامنت مع حادثة شارلي إيبدو تحديدًا، فنحن نعاني مثلكم، في مصر تحديدًا، من الإرهاب في سيناء، ناهيك عن أن نقابة الصحفيين المصرية قامت بوقفة ومسيرة تضامنًا مع ما حدث في فرنسا. لا أعرف تحديدًا من أين جئت بفكرة أننا ندعّم تلك الحادثة الإرهابية؟!

وبعد العديد من المساجلات والاتهامات بيني وبين صديقي الأوروبي، خَلصت إلى ذلك الاستنتاج الذي بلورته كلمات الشاعر الإنجليزي “روديارد كيبلينج” في القرن التاسع عشر:

“الشرق شرق، والغرب غرب، لا يلتقيان”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد