مع المزيد من الضوضاء، نتألم في صمت، نتألم لأننا لا نسمع أصواتنا الداخلية، نتألم لأننا لا ننصت بحب وروية، نتألم لأننا نتسابق مع الزمن والظروف والفرص بدعوى أنها قليلة.

مع المزيد من الضوضاء، نكتم أنفاسنا ونصارع الألم والخوف من الفشل، هو خوف من الخوف، وكأنه خوف مرضي. ونرجو دائمًا النجاح بإلحاح، غير أن ما نقدمه ونفعله لا يرقى إلى مستوى هذا النجاح. وما دمنا نهتم بالنجاح وبالفشل، فإن السؤال الخفي: ما المطلوب النجاح أم غياب الفشل؟

لا شك أن النفس البشرية ترفض وتستنكر النعوت الجاهزة، ترفض وجود عيب لصيق بشخصها، لا تقبل نعت الفاشل كونه مرضًا مزمنًا قد يصيبها فتخاف منه، ومحاولة منا الوعي بالذات في علاقتها بالآخر، ومن شدة الخوف كثيرًا ما نتكلم مع أنفسنا دون غيرنا من الناس بنوع من الكتمان والتحفظ:

هل أنا فاشل؟ وفي ذلك بحث ضمني عن نجاحي وبشغف، لا ندري لماذا لم يطرح السؤال: هل أنا ناجح؟

ويبقى دائمًا الجزء الفارغ  من الكأس حاضرًا في تفكيرنا وثقافتنا. وفي الحقيقة ليس هناك من هو ناجح بالمطلق، ولا من هو فاشل بالمطلق، بل هناك عقبات وعراقيل تواجهنا في حياتنا، وبالعمل والكد نتغلب عليها. لكن ما السر وراء العبقرية؟ هل هي معطاة أم مبناة؟ هل العبقرية هبة إلهية؟ أم أن المسألة تتعلق بصفات الشخص، وبالتنشئة الاجتماعية التي تفتح المجال لبناء الذات؟

هي أسئلة طرحتها الدول العظمى، دول تبحث كيف تدعم الفاشل ليصبح ناجحًا، دول تبحث في التنمية الذاتية بعدما حققت تطورًا كبيرًا في العلوم الحقة من رياضيات وفيزياء والعلوم الطبيعية. لكن ما زال الإنسان في العلوم الإنسانية لم يواكب هذا التطور، لا بد إذن من فتح المجال لبناء الذات من قدرات ومهارات، والبحث في مفاتيح النجاح من صبر والتزام وانضباط ومعرفة وتخطيط وفعل وتوقع ودوافع…

تتبعت سيرة أينشتاين وفرو يد وإديسون… واللائحة طويلة، هناك شخصيات غيرت الفكر الإنساني بأفكارها، ولم تستطع أن تغير من ظروفها، وقد كان الفشل واردًا دائمًا، ولكن بنوع من القبول والإصرار على المواصلة: هناك من أحرقت كتبهم، ومن أحرقت مختبراتهم ومع ذلك كانت هناك استمرارية.

لقد انشغل الكثير بسر عبقرية أينشتاين، ولقد سئل الرجل فقال: «كنت أبقى مع الأشياء لوقت طويل». وقال أيضًا: «الخيال أهم من المعرفة» ويضيف ليتمم وصفة النجاح مبرزًا أهمية السؤال: «كنت أطرح أسئلة الأطفال الصغار». لقد انطلق من الصبر إلى تجاوز الواقع وعالم المستحيلات، ثم الدخول في عالم الممكنات بخياله كقدرة يمتلكها الإنسان دون غيره، فيعيش في عالم من الاستيهامات كبداية تحفيزية للانطلاق في اتجاه الواقع.

لقد أجريت الكثير من التجارب على أينشتاين في حياته، ولم يفهم سر عبقريته، الشيء الذي يفسر سرقة دماغه قبل دفنه مباشرة بعد وفاته. والحقيقة أنها كانت أعظم سرقة في التاريخ، وقسم إلى قطع من أجل خدمة الإنسان وفك اللغز -وإن كان ذلك وصية منه في حياته كما يقال- ليتوصلوا في النهاية إلى أنه يتوفر على خلايا غروية أكثر من الخلايا العصبية، وهي خلايا تتقوى بفعل التدريب، لا مفر إذن من الإصرار على النجاح والتحدي.

وأعود لأحاور النفس البشرية: هل نحن نتيجة لظروفنا أم أن الظروف نتيجة لأفعالنا وتركيبتنا النفسية؟

ما الذي يجعل من المعاق بطلًا؟ هل هي قدرته الجسدية أم أن الأمر يتعلق بذلك الجزء المظلم في تكويننا؟

ولكن لم الانشغال وأنا أعرف وصفة سحرية رائعة وفي غاية السهولة للنجاح؟ أعرف شخصًا لم يفشل في حياته، معرفة جيدة وكلنا يعرفه جيدًا، شخص لم يعرف لا النجاح ولا الفشل، لقد أقصى نفسه من اللعبة واعتبرها غير مجدية، ومع أننا يكفينا دائمًا كما نقول شرف المحاولة. إن المسألة مسألة قرارات، والوصفة السحرية لتفادي الفشل هو ألا تفعل شيئًا. إن الشخص الوحيد الذي لم يفشل لم يعمل قط.

 قرر إذن:

هل يحق أن أعيش بدون هدف أخطط من أجله وأتوقع وأفعل ما يمكن فعله بنوع من التجاوز؟ فهل سيكون للحياة معنى دون الدخول في معركة النجاح والفشل؟ هل أقبل على نفسي أن أكون دائمًا متفرجًا مكتفيًا بهذا الدور؟ تذكر أن المتفرج يمل ويشعر بطول الوقت الذي قد يخنقه، والاجتهاد الوحيد الذي يعرفه هو تضييع الوقت، حياته كلها وقت ثالث. علي أن أقرر.

لقد قرأت الكثير عن سلسلة من العباقرة، وعن السر في عبقريتهم فوجدت للمعاناة معاني كثيرة وبصيغ أكثر، ومع ذلك أصبحت لبنات أساسية وضعها هؤلاء ليصعدوا من خلالها إلى القمة دون كلل أو ملل.

غير أن البعض الآخر يقدم مبررات واعية في حقيقتها تعبر عن الجانب المظلم في شخصيته، حينما يبرر الفشل باجتهاد من العقل  كآلية شعورية للدفاع، تخفي في الحقيقة حالة نفسية مركبة تحتاج بالتأكيد  إلى القدرة على التواصل مع الذات بشكل فعّال. وتبقى تلك المبررات سنفونية جميلة تتلذذ الذات بسماعها بنوع من الاجتهاد.

من واضح إذن أن النجاح مثل جبل من جليد: ما يظهر هو بريق النجاح المبهر الجذاب، لكن الجزء الباطن الخفي عن الأعين هو العمل والكد والكفاح وقوة اتخاذ القرارات.

عموما مثلما نرى النجاح بشكله المكتمل نرى اللوحات الفنية الجميلة في صيغتها المكتملة، ولا نقف عند المراحل التي مرت منها لتنتج هذا الجمال، لذلك لا نرى في الأعمال الفنية كدًّا وتعبًا.

يظهر النجاح  في صورته المكتملة والجميلة والمبهرة، والحقيقة أنه يخفي الكثير من الإخفاقات والإحباطات مع الكثير من الإصرار والاستمرارية، وطلب الاختلاف يلح على التحدي ولا يقبل بالمقارنة، لا بد إذن من بناء الذات باستمرار، والتزام وانضباط وقدرة على التحكم فيها.

لقد استوقفتني لقطة رائعة ومعبرة في حياة الفنان العالمي بيكاسو، عندما كان في السوق استوقفته امرأة، وأبدت إعجابها بلوحاته، فطلبت منه أن يرسمها، أعطته الورقة والقلم، فرسمها ثم أبدت إعجابها من جديد باللوحة، فهمت بالانصراف. ناداها بيكاسو: عذرًا سيدتي لم تدفعي ثمن اللوحة». فطلب منها ثمنًا مبهرًا. قالت معقبة على الموقف: «رسمت لوحة في ثلاث دقائق وتطلب هذا المبلغ». رد عليها موضحًا: «عذرًا سيدتي لقد استغرقت ثلاثين سنة لرسم لوحة في ثلاث دقائق».

كان عليها أن تدفع ثمن ثلاثين سنة من العمل لم تراها ولكنها حاضرة في العمل، والحاصل أنها رأت فقط ثلاث دقائق كنتيجة حتمية لها ما يفسرها.

وخلاصة القول ليس النجاح وليد الساعة؛ بل سنوات من العمل والصبر على الألم مع الإحساس بالمتعة، ليكون زاخرًا بالعطاء؛ بل وبسخاء وحب. وعند الخطأ علينا أن نقوي مهارة الاتصال مع الذات باحترام وتقدير، وبتصالح مع الماضي ومع الذات دون لوم وسخط على الظروف والزمن.

دعنا نكون مثل الفاصلة إذا رأينا موقفًا يحزننا نضعها ونكمل طريقنا، ونرفض أن نكون مثل النقطة تنتهي آمالنا عند موقف صادفنا لا بد من المرونة، على اعتبار أننا كائنات التغيير والتغير، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

ويستمر الحوار مع الذات الإنسانية بشكل أبدي ولا شك أن هذا  ما يميز الإنسان ، بالحوار نستطيع أن ننعم بكثير من الاستقرار النفسي، وبمراجعة الذات والوقوف عندها بكثير من التأمل والإصغاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حوار
عرض التعليقات
تحميل المزيد