في البدْءِ كانت نورما ﭼـين، تجلسُ متمدِّدةً بغُنْجٍ، تقرأ، وعلى وجهها تعابيرُ الدهشة الطفولية، رفعتْ بصرها ونطقت اسمي فتعجّبتُ! دنَوتُ. دقّقّتُ النَّظرَ؛ فإذا بين يديها كتابٌ، كُتِبَ عليه: Ulysses.

استيقظتُ، دَوِّنتُ الحُلُم، ثم كان حدسًا، أوصلني بعد ثلاث سنوات من كتابةِ القّصّة ونشرها في كتاب، أخيرًا إلى هنا بالمقهى بالدور التّاسع في فندق هابي سيتي؛ كي ألتقي قامةً أظنُّ أنه قد نمتْ بيننا صداقةٌ مّن نوعٍ خاص رُغمَ فارقَ السِّن؛ حيثُ «ما كان يجب علينا أن نضحك بكل تأكيد. ما يقوله كُفْرٌ إلى حدٍّ مّا.

 

061715_1221_2.jpg

القِدّيسة مارلين مونروتقرأ يوليسيس

هذا لا يعني أنني مؤمن. ومع ذلك فمرحه يخفف مِن حِدَّةِ إساءته، أليس كذلك؟» هكذا يقول ﭼويس على لسان هينز، وفي رواية يقول العزيز إيكو بعد عقودٍ، وكأنّها استعادةٌ تنبُّؤيّة: «الواجب على من يريد الخير للبشرية أن يجعلها تضحك مِن الحقيقة؛ ثم يجعل الحقيقة تضحك، فيتحرر الإنسان» وهو سِرٌّ لوتعلمون عظيم! علمُ النفس يُعنى كثيرًا بالأعمال الإبداعية، باعتبارها تُعطي صورةً للتطوّر العقلي الجمعي لأمّةٍ ما – أو العقل البشري بصورةٍ عامّة – مما يفيد في تبيانِ أين وصلنا نحن كبشر في عَلاقتنا مع العالَم؛ تحدّث فرويد عن داستوْيفسكي واعتبر رائعته: الجريمة والعقاب، من أهم الكتب في تاريخ البشر، ويشكو كثيرًا من الرفيق فيودور بأنه كلما أراد أن يكتب بحثا في علم النفس، يجد داستويفسكي قد سبقه في تجسيده في رواية.

على الجانب الآخر، كتب رفيقه: كارل يونغ تحليلاً نشره عن يوليسيس ولكن، لم يكن عن إعجابٍ هذه المرّة، الأمر الذي يحيلُ على تعدد الأذواق، واختلاف مستوياتِ التلقّي، حتى بات الأمرُ أن بعث برسالةٍ لجيمس جويس، يقول فيها:

«يوليسيسكَ يا سيّدي قد قدّمتِ العالمَ على أنّه معضلة سيكولوجيّة مُقْلِقة، والتي قد عُنيتُ بها مرارًا بسلطةٍ مفترضة على الأمور النفسية.

يوليسيس تثبت أنها مثل ثمرة جوزٍ صلبة بشكل مفرط. كتابك بالإجمال قد وهبني لا نهايةً لمشكلة كنتُ قد أطلتُ التفكير فيها طيلة ثلاث سنوات حتى نجحت في أن أضع نفسي في مواجهةٍ معها.

لكن، لابد لي أن أخبرك أني أشعر بالامتنان العميق تجاهك – تماما مثل ما هو تجاه تحفتك العظيمة، لأنني تعلمتُ الكثير بسببها- من الممكن أني لستُ متأكدًا لو أني قد استمتعتُ بها؛ لأنها قصدتْ أن تكون محطّمةً للأعصاب للغاية، وللمادة الرّمادية (أحد مكونات الجهاز العصبي). ولا أدري أيضًا إذا ما كان سيعجبك ما قد كتبته عن يوليسيس؛ لأنه يساعدُ في أن أخبر العالم كم هو شعور الملل الذي كنتُ أشعر به.

أظن أنَّ جَدة الشيطان تدري أكثر عن سيكولوجية امرأةٍ مّا لا أعرفه.

بكل تعابير الإجلال الأكثر عمقا، سأظل أكنها تجاهك سيدي

المُخْلِص لك

ك. ج. يونغ »

صورة النّاشر ترتبطُ دومًا بمفهوم: المقاولة والرّبحية، لكن، أمين المهدي في الأصل كاتبٌ قبل أن أن يكون ناشرًا. الكاتب الذي أسس دارًا للنشر نشرتْ أول ترجمة عربية لرواية القرن العشرين: يوليسيس. جلوسُك معه تستمع لصوته الجهوريّ الحَكائيّ، يسردُ لك تقلُّباتِ حياته وحياةِ غيره، مُعطيًا إيّاكَ صورةً لمِصر- بل للعالَم العربي – في أزمنةٍ لم تعشها؛ لاسيّما أنه تنقّل بين عدّة بُلدان واقترب من شخصياتٍ أمثالَ: ياسر عرفات، وذهب بمبادرة شخصية إلى فلسطين ولبنان لدعم المقاومة الفلسطينية، ما لا يعرفه كثيرون أنَّ أوّلَ صورٍ لأحداثِ صبرا وشاتيلا، كان هو حافظ ذاكرة تلك المجزرة.

أمين المهدي له حوالَي أربعون دراسةٍ منشورة في جريدة الحياة اللندنية ما بين عاميّ 1999- 2005، كتب عدّة كُتبٍ سياسيّة تُشرِّحُ الموقف العربي ضد إسرائيل والعالم، تُرجِم أحدُها للعبرية ودُرِّسَ في جامعة برينستون. قام بنشر كتاب فرج فودة الذي لم يستطع أن ينشره بحياته، وذلك عقب اغتياله.
هونفسه تعرّض للاغتيال، وظلَّ مُطَارَدًا لسنوات، وبعد أن هدأ الوضع، قرر نشر عملٍ لا يُقْدِمُ على نشره –بل ترجمته من الأساس – إلا من باع روحه لفينوس- لا لمافيستوفيليس بالطّبع! – أوترهبن في محراب الفنّ، لنقُلْ: الجمال.

وهْو حدثٌ جَلَل؛ بعد محاولاتٍ للقاء لعدَّةِ أسابيع، أخيرًا.. نحنُ هنا،لم يكن مقدّرًا أن يكونَ حِوارًا كي يُنشَر، لكن، وجدتُني مدفوعًا بتسجيل كل شيء، لأن ما يقوله هامٌ تمامًا حتى لو لم تقرأ لا يوليسيس ولا غيرها.

واليوم: السادس عشر من يونيو، هواليوم المُقدّسُ في آيرلندا، ظلّ الحوار مرقونًا محفوظا فترةً من الزمن بعد إجرائه، لكن، آن له الخروج هذا اليوم قَصرًا: 16 يونيو؛ ففيه تجري أحداث يوليسيس، وهو اليوم الذي اختاره جويس خِصّيصًا؛ احتفالا بلقائه زوجته الحبيبة. تحدّثنا حديثًا لا ينتهي عن الأدب والفن والجنون والخلود.

ومِن أجلِ مفهومٍ الخلود؛ انتهت جِلستُنا بأن أهديتُه كتابي المُفَضَّل للسيّد إيكو. ولأنه كما قال ﭼـويس- أيضًا – مع بعض التّحفظ والاختلاف مع الشّطر الأوِّلِ مِن الجُملة: “كلُ الأفكارِ العظيمة قيلت؛ الاختلاف هو في تجاربِ الأشخاص” لذا؛ كان لابدَّ أنْ نّأخذَ الخيط من أوّله لنعرفَ مِنْ أينَ بدأتِ الرّحلة التي كانت أحدَ محطّاتها المؤقتة هي جِلستنا هذِهْ؛ فكان لابدَّ أنْ نّسأل:

• بدايةً؛ حدِّثني كيف بدأت كناشر أو لـِمَ اتّجهت للنَّشر مِن الأساس.

  • أنا في الأصل كنتُ مديرًا لمطابع أخبار اليوم، بمعنى أنّي كنتُ في منصِبٍ لامع، لكن اكتشفتُ أنِّي لا أستطيعُ أن أكون عضوًا في مؤسسة مصرية في ظل نظام مصري نحن نعرف أنه نظام غير ديموقراطي، نظام مركزي؛ لذا استقلتُ وليس لدي أيّ فرصة للحياة، ولا عمل آخر. لم أستطع أن أتنفّس فقررت سنة 1980 أن أسافر، كان لدَيَّ وظيفة في بّاريس، مُنِعتُ مِن السَّفر لأنّنِي كنتُ مُتّهمًا اتّهاماتٍ غيرِ حقيقية؛ قيل عنّي أنّي شيوعي، وأنا أبدًا لم أكُنْ شيوعيًا ولا ميل عندي لأي مركزيّة من أي نوع من الاستبداد ، لكن أُتهمتُ بذلك. وكان مبررًا كي يمنعوني من السّفر، مرّت حياتي بظروف كثيرة جدًا.

أمين المهدي مع ياسر عرفات أثناء دعم المقاومة الفلسطينية.

•رأيتُ صورةً قديمة لكَ مع الرئيس الرّاحل ياسر عرفات وكأنها مائدة مفاوضات، ما القصّة؟

– أثناء الغزو اللبناني عام 1982 سافرتُ ضمن وفدٍ مّصري من خمسة أشخاص، كي نتضامن مع المقاومة الفلسطينيّة واللبنانيّة. بعدما خرجَتِ المقاومة رفضتُ الخروج حقيقةً؛ بسبب بعض الأفكار انتابتني لأنه حدث لي هزّة نفسية، زلزال. دخلتُ مخيّم صبرا أبحث عن سائق اسمه أبو جميل كي يخرجني من بيروت يوم 17، فوجِئتُ بالمجزرة. كنت أوّل عربي يدخل مخيّم صبرا وأوّل صور يراها العالَم لمخيّم صبرا كنتُ أنا الـمُصوِّر.

أبو جميل كان سائقا يبدو أنه حلقة وصل بين المقاومة وبين الكتائب. تعرف في تلك الأجواء السّياسيّة يكون هناك اتصالات في الظِّل. من المفترض أنَّ أبي جميل كان سيُخرجني من بيروت. عرفت أشياء كثيرة، في نفس الوقت حصل لي زلزال. أنا كنتُ من أنصار الحسم العسكري والمقاومة ففوجئتُ بحسابات أُخرى. من ضمنها مثلا عندما قابلت أبو عمّار وقلت له: أنت في 65 كنت تتكلّم عن الجبهة وكنت تتهم الحكومات العربية بالخيانة.

أنتَ الآن لديكَ جبهة مع إسرائيل ومع ذلك ترحل! قال لي أنت شيوعي وأعرف عنك أشياء كثيرة. نصحني بعض الأصدقاء أن أمشي من بيروت “لأن أبو عمّار ممكن يغتالك”. فقررت أني لن أمشي وأبقى وأواجه اللحظة. كنت تقريبا في حالة تغيير وجودي، صدمة. صدمة غير طبيعيّة لدرجة أنّي لمّا عدت إلى مِصر بقيتُ في بيتي حوالي سنة أقرأ من جديد، أعيد قراءة كل شيء من أوّل وجديد.

مع أبي إياد السياسي الفلسطيني البارز

•والنّشر؟

– بدأتُ أرى الواقع أقرب لحافّة الجنون. اكتشفتُ أن عَلاقاتي الشّخصيّة أُصِيبَتْ إصابات غير عاديّة؛ وبالتّالي قررتُ الكِتابة. وكي أكتب وأُشجِّع هذا النّوع من الكتابة الذي يعيد القراءة من أوّل وجديد أو القراءة الأُخرى، يمكن القراءة الأُخرى هي الكلمة الـمِفتاح لحياتي. أسستُ داراً للنشر: الدار العربية للنشر عام1985.

نشرتُ إصداراتٍ كثيرةً جدا، والغريب أنِّي فُوجِئت أنه حتى على مستوى المعرفة هناك صِدام أيضًا مع الأجهزة، وبالتّالي ضغط غير طبيعي، ومطاردات، خاصَّةً إنِّي قررت أن أنشر كل أنواع الأدب الخارجيّة.

مع جورج حاوي


•إصدارات الدّار غير متوّفّرة في السوق تقريبًا إلا يوليسيس حتي توزيعها سيء للغاية!

– لا لا، عندي خمسة كتب ترجمة من الأدب العِبري، ديفيد جروسمان مثلا، وعموس عوز “ميخائيل شيليه” بالعبري يعني: ميخائيل يا حبيبي أصدرتها تحت عنوان “حنّه وميخائيل” ترجمة رفعت فودة؛ على أساس ثنائيّة الحُب مثل مجنون ليلى، ياسين وباهيّة، وأخذتها بعد فترة دار الجمل. نشرت ترجمة ليونس أمرا الشاعر الصوفي. “زواج المتعة” لفرج فوده الذي لم يتمكّن من نشره في حياته نشرته له عقب اغتياله.

كتاب “طه حسين مطلوب حيا وميتا” لعلي شلش. نشرت كتب لأشخاص لأول مرة مثل رفيق حبيب مثلا، وبدر عقل، والدكتور محمد عفيفي رئيس المجلس الأعلى للثقافة حاليًّا، نشرت له كتابًا مشتركًا بعنوان : تاريخ الكنيسة القبطيّة.


نشرت في الأدب المقارن عربي إنجليزي يوناني. نشرت مثلا: أنا وبارونات الصّحافة، مذكّرات الصحفي جميل عارف قام بتقديمه هيكل. إصدارات كثيرة.

•إذًا، كيف تعرّفتَ على دكتور طه محمود طه؟

 

– الدكتور طه أتاني في يوم وهو لا يستطيع نشر رواية عوليس، كان نَشَرَها نشرًا رديئًا جدًا مع د. الشينيطي على جزئين وبعدها أراد أن تكون طبعة جديدة. وكان يدُور على دور النشر، وكانت الناس لا تعرف ما هي عوليس ولا من هو ﭼـيمس ﭼـويس، حتّى أتى به إليَّ الأُستاذ سُليمان جودة وهو في المصري اليوم حاليا. د. طه أتاني وقال أنه يريد نشرها وقال لي “مش عاوز فلوس!” قلت له أن هذا لا ينبغي، لابد من عقد ولك حقوق ماديّة. ونشرت عوليس وأعطاني حقّ النّشر.

 

•وهل يوليسيس في ثمانينيّاتِ القرن الماضي كانت معروفة في الأوساط الثقافيّة وظهورها كان مُترَقَّبا مثلا ذلك الوقت؟

– النخبة الثقافيّة فقط هي من كانت تعرف شيئًا عن ﭼـويس. عوليس هي مِن الكُتُب الـمُقتناة لكن لا تُقرأ. قابلتُ كثيرًا جدًا ممن اشتروا الرّواية، لكن اكتشفتُ أنهم لم يقرأوها، أولا يستطيعون أن يقرأوها لأن ﭼـويس له مفاتيح؛ لكي تقرأ ﭼـويس لابد أن تعرف أنه صنع لغة اسمها لغة ﭼـويس، لغة ﭼـويس ليست إنجليزيّة، لغة ﭼـويس تخص ﭼـويس.

 

الكاتب والناشر أمين المهدي


• أستاذ للأدب الإنجليزي في جامعة عين شمس كتب مقالا مؤخّرا في الحياة اللندنية يشكو فيه من عدم توافر نسخ للرواية، لماذا لمْ تُصدِر طبعات أُخرى؟

 

– لأنه لم تنفذ الطبعة، موجودة عند مدبولي.

 

•أُشِيعَ منذُ أكثرِ من عامين أن وزارة الثقافة المِصريّة تعتزم نشر عوليس ضِمن سلسلة المئة كتاب العالمية، من ضمن ما قيل أن ما كان يُعطِّلُهم هو البحث عن الورثة من أجل حقوق المِلكيَّة الفِكريّة. ما مدى صِحّة ذلك؟

 

– لا أحد يستطيع. يمكن هاتفي ليس معهم.

1538753_908592312534283_6809199237891881392_n

•المُترجِم أستاذ ماهر البطوطي المُقيم بأمريكا، ومُترجِم«صورة الفنان في شبابه» لـﭽـويس، كانت بينه وبين د. طه مُراسلات أطلعني علي بعضها، مِنها خطاب بخطِّ اليد يُخبره فيه أنه فرغ من إعداد قاموس يختص بمُفردات عوليس وشرع في فينيجانز وييك ويبحث عن ناشر، وانقطعتِ الأخبار. أين ظلَّت الرّواية طوال ما يقرُب مِن عشرين عامًا، لماذا تأخَّر ظهورها كلَّ هذا الوقت؟!

 

– تأخر ظهورها لظروفنا الأمنيّة، ظرفي أنا تحديدًا. كنت لا أستطيع أن أنشر أو أعمل أيَّ شيء لأنّي كنتُ مُطارَدًا لعشرِ سنوات، مختفي لا أظهر في أماكن عامّة. كنت في الفيوم فترة، في الإسكندريّة فترة، في الإسماعيليّة، الغردقة فترة الوضع كان زي الزّفت.

لأني تعرضت للاغتيال وطُورِدت وحتى الآن لا أدري لأي سبب، هل لأني ذهبت لبيروت، هل لأني بعد ذلك كتبت كتابًا عن الجزائر اسمه “الجزائر بين العسكريين والأُصوليين” وكان فيه نقد عنيف جدًا وحاد بالمعلومات لتصرافات نظام يوليو أو عبد النّاصر في دولة الجزائر.

 

جذور التطرُّف في الجزائر جذور مِصرية صرفة والكتاب كان عن الموضوع ذلك وانتشر ونفذ وباع خمس طبعات مع تصاعد أحداث الجزائر، ثم عملت “الصراع العربي الإسرائيلي” سنة 98 ولكن كنت بشتغل فيه من 82، وتُرجِم للعبريّة بإشراف شيمون شيبير ومقدمه في 23 صفحة، هو متخصص في الإيـﭽـبتولوﭼـي، وكان أحد المتخصصين في تاريخ الشرق الأوسط ودرّسه بيرنار لويس في برينستون، وبدأت المشاكل الحقيقية بعد ترجمة الكتاب لأنه قراءة أُخرى لتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، طبعًا القاعدة التي اقتنعت بها هي إعادة القراءة أو القراءة الأُخرى (النقديّة).


بدأت المصائب لأن النُظُم العسكريّة ترفض أن تقدّم قراءة أُخرى للتاريخ الرسمي أو المعتمَد، وأنا اعتقنت القراءة الأخرى وأصبحت هدفي. لأني إكتشف إن القراءة الرّسمية هي رسمية في حقيقة الأمر، كل ما حدث في تاريخ العرب والمسلمين كل القراءات التي نعرفها في حياتنا هي قراءة رسمية، القراءة الأُخرى هي من منطق الواقع أولا ثم ما بعد المعرفة.

 

•والوضع حاليا ؟

– لا، أعتقد الوضع الحالي Stable.


•هل صحيح أنَّ سَلمان رُشدي اقتبس من فينيجانز وييك؟

 

– هو أخذ الولادات المختلفة لجبريل شمشا وناميشا في أنهم يسقطون من السماء مثلا، أو حريق متحف الشّمع. الولادات المتعدّدّة عند سَلمان رُشدي أخذها من فينيغانز وييك. كما أن اختلاف الثقافات أو الوجه المزدوج للثقافة من أرض إلى أرض هما أحد نقاط ﭼـويس التي أخذها سلمان رشدي، سلمان رشدي لم يغش، لكن كان مِن الطّبيعي جدًا أي حد يتأثر بـﭼـويس، مسألة عاديّة. في رواية لا أذكر اسمها لروائية اسمها سهام رمضان أخذت جائزة نجيب محفوظ، لها رواية قصيرة بدأتها وأنهتها بنفس الكلمة مثل فيينغانز وييك، وكأنها دائريّة: riverrun فينيغانز وييك أحد تفسيراتها : الآلهة الآيرلانديّة القديمة.

 

•يعني منطق الرّمزيّة كي يترك المستقبلييّن أن يبحثوا من منطلق أنه لبائسٌ مَن يكتب كتابًا ولا يفكّر في كاتبٍ مُستَقبَليّ!؟

 

– هو قال سأشغل البشريّة ثلاثمائة عام. عندما سُئِل ماذا تُحبُّ أن تقرأ بعد كل ما تفعل، قال: أنا أقرأ دفاتر التليفونات والقواميس. عندما نقول أن عوليس هي رواية القرن العشرين؛ فينيجانز وييك هي رواية البشريّة، هو يحاول فيها أن يُوجد تاريخ العالَم العقلي، مكتوبة بـ 64 لغة، يتحدّث عن الإنجيل والتوراة، وترجم 111 آية من القرآن، ترجم حتى مِن الكابالا اليهوديّة! لا يوجد مكان في العالَم ليس مذكورًا منه Symbol. مثلا، موجود ساميراميس، أبوالهول، موجود ضواحي مِن مصر.

 

•الأمر أشبه بفكرة لُغة الاسبرانتو كمحاولة لتوحيد العالَم!

 

– الإسبرانتو لغة أوجدها بروفيسور يغوزلافي في أوخر القرن التاسع عشر، وهذه اللغة اكتملتْ، لكن طبعًا طُغيان اللغة الإنجليزيّة مع الصعود الأمريكي جعل الإنجليزيّة هي اللغة العالميّة. وبالتالي أيّ محاولات أُخرى لم تكن تصلح. صارت لغة الإسبرانتو علامة على وحدة العالَم أكثر منها علامة على لغة عالميّة. مثلا يقولك كائن اسبرانتو يمعنى كائن عالمي، تفرّغت القصّة من مضمونها اللُّغوي وتحوّلت إلى رغبة في توحيد العالَم. وأنا أعتقد أن توحيد العالَم لم يأت فقط عن طريق اللغة الإنجليزيّة، تم عن طريق الإنترنت. هو حاول لأن القرن الـ19 كان قرن الفُرقة والحروب والبشر كانوا منقسمين قوميا ودينيّا، فالرجل كان عنده حلم بتوحيد العالَم بلغة واحدة، طبعا اللغة تحمل عبوّات دينيّة وقوميّة، وثقافات خاصّة.

فكانت الحريّة في عمل لغة خاصّة وليست مُحمَّلة بالتراثات أو الأعراف والخصوصيّات. بحيث يمكن التّصوّر بأن هناك كائن عالمي وكان ذلك طبعًا تفكيرا رومانسيا للغاية؛ لأن العالميّة نضوج الثقافات الخاصّة أو وضع الثقافات الخاصّة والأديان والمذاهب المختلفة تحت ضوء العالميَّة. وهذا ما فعله الإنترنت. يعني رأيي أنَّ مَن وحَّدَ البشريّة خاتم النّبيين فعلا هو الإنترنت (يضحك) لأنه إذا قلنا أن الأديان كان هدفها توحيد البشريّة فالشيء الوحيد الذي نجح في ذلك هو الإنترنت. جويس حاول من خلال فينيغانز وييك إنه يعمل نوع من الإخاء أو الوحدة الإنسانيّة عبر التعدد.

 

•أومبرتو إيكو اعترف أكثر من مرة أن ﭼـويس وبورخيس كانا أكثر من أثّرا عليه، وانتهج منطق اللابداية مثلا في جزيرة اليوم السّابق، ومنطق الرّواية الكونيّة هذا، وكتب رائعته؛ كتابي المُفضّل بندول فوكو.

 

– تأثير ﭼـويس سواءً مباشرا أوغير مُباشر على كل أدب القرن العشرين. مثلا ت. س. إليوت في الأرض الخراب مُرتبط بحبل سُرِّي في الفصل العاشر من عوليس. صامويل بيكيت فترة من الفترات كان بيشتغل تلميذا أوسيكرتيرا عند ﭼـويس، ﭼـويس كان الخارج عن المعرفة التي أسستها الأمبراطوريّة البريطانية وكان المرفوض من الإمبراطوريّة البريطانية، لذا؛ أول شخص طبعه مَن؟ فيرﭼـينا وولف.

هؤلاء كانوا مُتمرِّدي العالَم. عوليس كانت ممنوعة في كل دول العالَم، وأول إجازة كانت من محكمة الجمارك الأمريكيّة، لأن مواطن أمريكي وهو داخل أمريكا كان يضع عوليس داخل غلاف الإنجيل. قاضي المحكمة استغرب جدًا! عندما تصل الرغبة أن يضع رواية بالإنجيل، إذًا، هذه الرّواية غريبة جدًا ويُنظر لها نظرة أخرى وأجازها.


القاضي قال: يجب أن نعترف أن هناك ثقافة نحن نرفضها ونمارسها وثقافة أخري نريدها أنيقة. لابد أن نزيل الحاجز بين ما نحن عليه وما نحب أن نكون عليه.

•هناك موقفان متناقضان: تضخيم لأعمال جويس وأنها لم تأخذ حظّها من القراءة والتقدير، على الجانب الآخر فريق يرى أنه مُبالَغٌ في تقدير أعماله أو فكرة استباقه لزمنه.

 

– سأخبرك بشيء: هناك فيلم اسمه Space Odessa لستانلي كوبرك. هذا الفيلم الكاميرا فيه هي البطل وسبع جمل حواريّة فقط. الفيلم بدأ بقصيد شتراوس “هكذا تكلَّمَ زرادشت”، في حين القردة العُليا كانت في البداية من الفيلم مع قصيد سيمفوني هكذا تكلَّم زرادشت، مع هكذا تكلَّم زرادشت كفلسفة نيتشه، تبدو العجينة غريبة جدًا! ليست للمتفرج الذي يريد إنه “يأزأز لب أوسوداني” هناك سينما تصنع قِيمًا للسينما، هناك فلسفة تصنع قِيَما للفلسفة، كل العبقريات كانت تبدو شاذّة في البداية.

 

•بمعنى أن الناس أعداء ما يجهلون؟

 

– لا من منطق أن العبقريّة فردية، لا توجد عبقريّة جماعيّة، هذه أشياء لابدّ أن نقبلها، وأن التاريخ يتطوّر بالإبداع الفردي، تطوّر العالَم تمَّ عبر تضحيّاتِ عقول ثورية، عقول مجنونة، عقول حمقاء، هكذا يتطوّر العالَم.

 

د. جابر عصفور


•ما قِصَّة د. جابر عصفور معك في نسخة الموسوعة.

 

– جابر عصفور أخذ مني نسخة بإهداء الدكتور طه شخصيّا لي على إنه يريد أن يكتب عن ﭼـويس. لم يكتب وللأسف لم يُعد لي النسخة حتى الآن، رغم أنّي قمتُ بتوسيط أُناس من ضمنهم حلمي النمنم؛ هي نسخة شخصيّة عليها إهداء الدكتور طه، مسألة غريبة جدًا أن يحتفظ بها، وعندما كنت أطلبها منه يقولي “أصل بنتي، أصلها في شقّة ثانية”. أنا لا أفهم كيف لمثقف أن يفعل شيئًا كهذا! وعطّل لنا عملية مراجعة الموسوعة لأنها كانت النسخة الكاملة، والباقي اللي عندنا “قصاقيص” أوقعنا في عذابات.

 

•سؤال أوَّلي يبتعه سؤال :

 

لنتحدَّث عن الترجمة. تصفّحتُ ترجمة كلٍ مِّن حلمي ومراد وإلياس بديوي لأولِ جُزءٍ من “البحث عن الزمن المفقود” لمارسيل بروست الـمُعَنوَنِ “غرام سوان”، وجدتُ اختلافًا ظاهرًا، كذلك الترجمات الكاملة لمذكّرات كازانوفا المنقولة إلى الإنجليزيّة. برأيك، مِن أينَ يأتي الخلاف رغم تمكّن الـمُتَرجِم من ناصية اللغة المنقول عنها وإليها رُغم الإتفاق في الأصل؟

 

– للأسف مثل ما قال نيتشه الترجمة حرب. اللغة منتج اجتماعي في الأساس. من الطّبيعي أن يختلف من مجتمع لمجتمع. الترجمة إبداع من جديد. هل هي إبداع مُزيَّف أم إبداع حقيقي، لا شيء اسمه ترجمة دقيقة، فيه شيء اسمه ترجمة كُفء. كلمة ترجمة دقيقة تحتاج إعادة نظر.

•هل تمَّت مُراجَعةُ الرّواية؟

 

– (يبتسم) لا أحد يقدر أن يُراجع ﭼـويس. فيلمSpace Odessa ناقد فرنسي قال: أنه ليس من حقِّ أحد أنْ يدخل هذا الفيلم كي ينتقده، الناقد يدخل الفيلم كي يتعلَّم.

 

لا أحد يقدر أن يُراجع، غير ممكن.

 



ترجمات الرواية الثلاث

•وهُنا يأتي السّؤال :كمُتَرجِمٍ هاوٍ؛ قارنتُ بعض الأجزاء في الترجمات العربية الثلاث: د. طه، وصلاح نيازي، ولطفي جمعة، بالنَّص الإنجليزي الأصل؛ وجدتُ أن جميهم تقريبًا تصرّفوا، د. طه مثلاً آثر الصّياغة البلاغية على صوت ﭼـويس الكِتابي بعض الشيء، وأ.لطفي جمعة تقريبًا كان يضيف ويشرح والعذر أنها نُشِرتْ بعد موته بدون تنقيح؛ لعلّها مُسوَدَّة. ما تعليقك على التصرّف في النص خصوصًا أنك كتبتَ عن ذلك في تقديمك للكتاب؟

 

– الدكتور طه عايش الطبقات الآيرلنديّة، لم يكن عنده محاذير اجتماعيّة أوتقليديّة، كان يشرب يحب يدخل بارات، يحب يدخل الأجواء الآيرلنديّة ويرى انعكاسات الأدب في قلب الواقع الاجتماعي، هو أخذ الروح الآيرلنديّة. الدكتور طه كان أقرب واحد لروح آيرلندا أولاً، ثم لـﭽـويس ثانيًا. ليه؟ لأن الدكتور طه راح لآيرلندا في الأصل ليأخذ دكتوراه في أدب آلدوس هيكسلي؛ وبالتّالي هو ذهب إلى هذا الأدب المرفوض من الإمبراطوريّة البريطانيّة وغاص في الأدب الآيرلندي ومن هنا أتى اتّصاله بـﭽـويس، ثم ولههُ الوله بﭼـويس. الدكتور طه مجذوب من مجاذيب ﭼـويس.

 

•برأيك هل تحتاج الرواية لإعادة ترجمة؟أو، هل تعتقِد لوكان د. طه موجودًا الآن، هل ستختلِف ترجمتها في 2015؟

 

– كان سيضيف عليها، كان سيُعطيها أبعادًا أكثر. الترجمة كائن مثله مثل الكتاب الأصلي، القصيدة؛ هذا الكائن ينمو بأخذ خبرات القاريء، ويُضاف عليها خبرات المترجِم، خبرات عصر جديد. تأكَّدْ إن عوليس لو في القرن الرابع عشر لن تكون مثل ترجمتها حاليا.

 

•«إنَّ الأمرَ في غاية البساطة؛ لو وجدها أحَدُكُم عسيرةً على الفَهم؛ فليقرأها بصوتٍ مسموع» جرّبت تطبيق تلك الفكرة في ترجمة عوليس ووجدتُ الناتِجَ مُدهِشا، برأيك ألن يقلل ذلك من التصرُفِ في النص لو اتُّبِعَ هذا المنهج؟ عفوًا هو محضُّ تأمل سوريالي شخصي فحسبْ!

 

  • الصوت عند ﭼـويس بيلعب كمدخل رئيس إلى اللغة. أنا أعتقد تجربتي الشخصية هي ما يجعلني أقول ذلك، أن ﭼـويس كان يرى أن اللغة كون يحدّ ذاته وتاريخ، يمكن إعادة تفسيره دائمًا يمكن إعادة تركيبه أحيانًا، وإعادة تفسيره أحيانًا أُخرى.

رسم تخطيط لفينيجانز وييك


•«أردتُ أن أكتب روايةً أُعذِّبُ بها البشر» ألا ترى أن هذا نوعًا مِّن الاستعراض الثقافي؟

 

– لا لا ليس نوعًا من الاستعراض، العبقريّة لها مقاييسها. عندما تقرأ ﭼـويس ستجد أن هناك بُعدًا جديدًا للعالَم. كما تقرأ داروِن مثلا، كما تقرأ سيجموند فرويد كما تقرأ ماركس كما تقرأ آينشتاين. هو رجل ممن فكّكّوا المعرفة في مجال الأدب والفن، داروِن فكك التاريخ البايولوجي، سيجموند فرويد فكك النفس البشريّة. بص، أنا رأيي إن في أوقات الغوغائيّة والرعاعيّة، الثقافات الرّاقية تدافع عن نفسها، وأحيانا تدافع بشكل فجّ، بشكل فيه عدوانيّة. فكّر في الحركات الفنيّة: الدادايزم والكيوبزم والسورياليّة، كل هذه كانت ثورات معرفيّة في حقيقة الأمر. العالم كان يفكك المعرفة القديمة؛ الدليل على هذا دارون كان ثورة، ماركس كان ثورة، إذًا كان طبيعيا أن يكون هناك ثورة في مجال الفن والأدب.

 

•تكتُب في الحوار الـمُتَمَدِّن ولك كتب: الصراع العربي الإسرائيلي، العرب ضد العالَم، هل تجد الكتابات السّياسيّة مازلت مسموعةً ومؤُثِّرةٌ كما السّابق؟

 

بالعكس، أعتقد أن بعض الناس تتخفّى في أفكارها طلبًا للسلامة، أعتقد الإنترنت يُعطي حماية عندما تعبّر عن نفسك أكثر.

 

•في ظِلِّ انتشار الكُتُبِ وسهولةِ النَّشر، ما نظرتك لحركة الثقافة والنَّشر في الوقت الحالي في مِصر؟

 

– النشر في مِصر مشوَّه، الرواية الرسمية الدينيّة تطغي على كل الرّوايات، الحافز أو الإبداع الفردي لهذه القراءة الشّعبية أو التاريخيّة ضعيف جدًا. الاستهلاك العربي للنشر أعلى من مِصر. السودان يمكن أن تُباع فيها كتب أكثر من مصر. العراق، المغاربة يمكن، المصريين لا يقرأون.

 

•اطّلعتُ على كتابٍ اسمه ﭼـيمس ﭼـويس صدر عام 1959م في حوالي 900 صفحة لكاتب يُدعى ريتشارد إيلمِن، يتحدّث عن ﭼـويس وفق نَسَق تاريخي وتحليلي في الوقت نفسه، ألم يكن يكفي مثلا ترجمته بديلا عن الموسوعة؟

 

– لا، الموسوعة صدرت من قبل في أوائل الثمانينيّات، ثم نقّحها وأضاف عليها حوالي 218 صفحة، تقدر تقول أنها موسوعة جديدة. موسوعة ﭼـويس هي التجربة الشّخصيّة للدكتور طه في الترجمة والتجربة الشخصيّة في آيرلندا، والتجربة مع الثقافة الآيرلنديّة.

•أُستاذ أمين، متى تصير الرواية والموسوعة أخيرًا بين أيدينا؟

 

– في خلال شهرين Maximum.

 

•شكرًا جزيلاً لوقتك أيُّها الجميل، وللعمل الذي تقوم به. هل ممكن أن أكون أول مَن يحصُل على نُسخة ورقية من الرّواية والموسوعة قبل تواجدها في سوق الكُتب؟أعتقد أن العزيز ﭼـيمس سيكون سعيدًا بذلك في قبره!

 

– هكلمك أكيد.

 

•شكرًا جزيلًا


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد