إليه حين اختارنا القدر أصدقاء! قد تستطيع مواقع التواصل الاجتماعية أن تعطيني الكثير، لكن كأن تكون المنصة التي أمتطي عليها صهوة حلمٍ طالما سعيت لتحقيقه، هذا ما حصل، ذات يومٍ بينما أنا أقلب بصماتها عكست على ملامحي مرايا تلك الصفحات. شخصية جميلة الروح والمبسم، متحدث صاحب فكرٍ متميز، وقلم جميل، لمعت في عيوني إشراقات كتب كان قد قرأها.

 

دفعني ذلك الانجذاب الروحيّ لصداقته الافتراضية، أسبوع مضى… قُبِلت الصداقة، كالعادة أرسلت له تعريفًا بنفسي وبادلني الأمر، دون زيادة، وكأنه رفع شعار “دقة بدقة”. مضى على إعجابي بملامح صفحته شهرين كاملين دون حديث يذكر، إلى أن قرر هذا الصديق أن يرشقني بمفاجأته، حين قام بتغيير صورته الشخصية، تسللت لأطرافي برودة لم أدرِ مصدرها، شعرت أن كل شيء حولي بدا متجمدًا، كأنني بطل فيلم قرر المشاهد أن يضغط زر التوقيف المؤقت في اللحظة الأخيرة، لحظة من اختلاط المشاعر، فضول وخوف، بصمتٍ تأملته وابتسمت “صديقي مسيحي”.

 

لم أستطع أن أخفي مقدار سعادتي كونه مسيحيًّا، سعادتي التي انعكست على ردة فعلي المباشرة ورأيتني أكتب له من فوري وشعر هو بذلك، قد أخطأت وقتها عندما بدأت حديثي معه عن الدين إذ أحدث نفورًا لديه كاد أن يفقدني إياه، لكن سرعان ما تراجعت وخففت من حدة الأسئلة الموجهة واستطعت بصعوبة أن أدير دفة الحوار لما هو بعيد عن الأديان.

 

طرقتُ أكثر الأبواب حبًّا له، تحدثنا عن الثقافة ورحلات الكتب، تحدثنا عن حسن ورونق ما يخطه قلبه وتعزف روحه من الكلمات، أنهيتُ المحادثة بيننا بتحدٍّ واضح أنني وخلال ستة أشهر فقط من هذه اللحظة سأكون صديقًا مقربًا له، نعم وقد أصبحت.

 

بعيدًا عن تعصبِ الدين، هو لا يختلف عني بل يكاد يشبهني يجمعنا الوطن، حب القراءة والكتابة، نعم نُحب السمك ولا يأكل كلٌّ منا “المقلوبة” و”المفتول” نتفق ونختلف نتبادل الرؤى، قد يحتدم النقاش لكن تبقى ركيزة الصداقة أقوى.

 

ذات يوم اتفقنا على اللقيا لتجاذب أطراف الحديث، والتبادل المعرفي فهو يملك مكتبة واسعة الألوان، والاتجاهات، تحرضني دائمًا على النهل منها دون كلل أو ملل، أشرب القهوة سادة دونه وأطيل النظر إليه ثم ابتسم ليسألني عن الخبر.

 

قلت: في صغري أذكر أن الحديثَ عن المسلمين والكفار كان أكثر ما يشمل المنهاج السعودي، في ذلك الوقت لدرجة أنني بت على قناعة تامة أنه لا يوجد في الدنيا سوى مسلم أو كافر، وذات يومٍ جلست أنا وصديق مصري ليحدثني عن أمر ما، أمرٌ أحدث تحولًا في طبيعة تصنيفي للبشر على أنهم إما مسلمون أو كفار.

 

عن حنا حدثني، عن جمال روحه، وحسن صداقته ومعشره، حديث طويل، جعلني أعرف أن هناك تصنيفات أخرى من حيثُ الدين فهنا المسلم والمسيحي واليهودي ونحن كمجتمع سعودي هذا التصنيف لا يوجد بشكل ملموس كما في مصر.

في تلك الليلة أرقتني تصنيفات أستاذ الدين للناس على أنهم مسلمون أو كفار فقط! وكنت أنتظر الصباح حتى أخبره بما اكتشفت.

 

الصباح، تناولت فطوري على عجل وانتظرت طابور المدرسة، أن ينتهي بفارغ الصبر وما أن دخلنا الفصل بصحبة أستاذ الدين حتى حدثته بالخبر، فما كان منه إلا أنه زمجر موبخًا: كل البشر صنفان، إما مسلم أو كافر وإن لم تنتهِ عما قلت لتكونن في جهنم وبئس المصير.

يشعل سيجارتَه وأطلبُ أنا فنجانًا آخر من القهوة، ثم أكمل له ما تبقى من تلك الذكرى.

كيف أن بعد ذلك بشهرين وصلنا في كتاب التاريخِ عن درس الهجرة النبوية وكيف طلب رسولنا محمد (صلّ الله عليه وسلم) من صحابته في صدر الإسلام بالتوجه إلى الملك النجاشي المسيحي خوفًا من بطش قريش، هذه الحادثة يا صديق كانت علامة على جهل أستاذ الدين، دفعني ذلك يومها للتوجه إليه مباشرة، وقلت:

“سيدي لا أعرف عن أي منهج تتحدث ولا عن أي تاريخ إسلامي تستشهد لكن أعلم جيدًا أنه عند العودة للوطن سأصادق إنسانًا مسيحيًّا”.

 

سأجلس قبالته، كما الآن تمامًا نتبادل النظرات، تعكسُ عيونه العسيلةُ صورتي، صمتنا يشي بالكثير وكأننا نفكر معًا.

إذ كنا نتناول الطعام ذاتهُ، نغني الأغاني ذاتها، نحلمُ بذات الأحلام، وإن كنتُ قد عرفتُ أطفالًا مسيحيين يسمَّون بأسماء إسلاميةٍ، وأمهاتٍ مسيحيات يكفلن أطفالًا مسلمين.

 

يكفي ذلك لأن نكون معًا. الآن يتصاعد دخان سجائره، وترسم أنفاس قهوتي ما اتفقنا عليه صمتًا بأن عالمنا متدفقُ بالحُب، إنسانيته روحٌ واحدة خالدة تعرف طريقها فينا، ونزعتنا للدين فيها مرنة، أكثر مما يعقدها رجال الدين من كلا الجانبين.

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد