مؤخرًا أصبح وجود عمل فني يجمع بين المخرج مروان حامد والكاتب أحمد مراد من أحد ثوابت السينما المصرية الحديثة؛ حيث تشاركا في فيلمين مسبقًا، سواء كانت مبينة على روايات من تأليف أحمد مراد، وهو: (الفيل الأزرق)، أو أفلام ذات نصوص أصلية وهو: (الأصليين)، وقد نجح الثنائى في جذب انتباه عدد كبير من الجمهور، خصوصًا لشهرة أحمد مراد المسبقة بسبب كتاباته وإبداع مروان حامد في الإخراج الذي وضعه بثبات ضمن أفضل المخرجين في مصر على مر تاريخها السينمائي، ولكن هل نحن أمام عمل يستحق أن يضع وسط تلك المجموعة من الأعمال المسبقة لهما أو لفيلموجرافى مروان حامد؟ إجابة هذا السؤال تعتمد على سرد تفاصيل العمل الفنية ومناقشة إيجابيات وسلبيات الفيلم.

الأداء التمثيلي

يتمتع الفيلم بعدد كبير من الأسماء التي لها شعبية تكفي لترويج جودة الفيلم للمشاهدين من مجرد رؤية وجوههم على الأفيش، وهذا لا يتناقض مع جودة الأداء التمثيلى المتوقع نظرًا لأن عددًا كبيرًا منهم يمتلك موهبة تمثيلية كبيرة، فمثلًا وجود الممثل أحمد كمال في دور حسين والد طه بطل الفيلم كان بمثابة مفاجأة؛ حيث إن هذا النوع من المخاطرة بإعطاء شخصية رئيسة لممثل أقل شعبية من ممثليين آخرين بالعمل يوضح كيف أن الاعتماد على القدرات التمثيلية يأتي أولًا في أفلام مروان حامد، وعليه أثبت الفنان أحمد كمال قدرته الكبيرة في تقمص شخصية مليئة بالتعقيدات النفسية بدون أن يخذلنا في إيصالها للشاشة بكل ما تحمله من رمزية.

شيرين رضا بالرغم من قلة مشاهدها في الفيلم نظرًا لتهميش أهمية دور بشرى صيرة على عكس الرواية، إلا أنه في تلك المشاهد المعدودة استطاعت إحداث تأثير وترك علامة على المشاهدين بأدائها الطبيعي البعيد عن اصطناع التمثيل الزائد الذى يلجأ له البعض عند صغر محتوى شخصيتهم.

ماجد الكدوانى يثبت مجددًا أنه أفضل ممثل موجود على الساحة الآن؛ فشخصية المقدم وليد سلطان حينما تقرأ أجزاءها في الرواية لا يمكن أن يأتي في ذهنك أن ذلك الدور من نصيب ماجد الكدواني على الإطلاق ، ولكن ليس فقط إتقان شخصية صعبة هو ما قام به ماجد الكدواني، بل شمل الأمر بأن قام بتقديمها من زاوية بعيدة تمامًا عن كل تخيلات قراء الرواية، وينتقل بكل سلاسة من الكوميديا للعنف بتعبيرات وتجسيد يضيف لرصيده كممثل الكثير مجددًا بدون أن يبدو عليه أي صعوبة في استخراج ذلك الكم من الموهبة من شخص واحد.

عندما استلم آسر ياسين سيناريو الفيلم أظن أنه كان في أحد الأيام التى يكون حظ شخص ما مرتفعًا بشدة، فتعريفي الشخصي للحظ هو تقابل الصدفة مع الاستعداد لتلك الصدفة، وبالتطبيق على حالة آسر ياسين فإن تقابل موهبته مع الكتابة المتقنة لشخصية طه التى قدمها، أنتج ذلك الالتحام تلك الجوهرة التي زينت ذلك العمل الفني طوال الوقت، فطوال مشاهده كنت أشعر بروح تحديه لتقديم أفضل ما لديه وقد نجح في ذلك.

محمد ممدوح كما يقال بالمصري (لوز اللوز) في ذلك الفيلم، حيث إن ما رأته عينى من تمثيله طوال مشاهده في تجسيد شخصية السيرفيس والرعب الذي أوصله لي من اللحظة الأولى من ظهوره بمجرد نظرات عينيه شيء لم أره في السينما المصرية من قبل، شخص يعلم جيدًا ما الذى يفعله، وما هي مهنة التمثيل الحقيقية، ويستمتع بها، وتظهر تلك المعرفة والاستمتاع بأداء عمله بشدة تجعلك في نشوة فقط من ذلك الأداء.

ما قدمته منة شلبي في فيلم (الأصليين) جعلني أقتنع أن على الكثير من الفنانات أن يبدأن إعادة النظر في مواهبهن أمام شخصية ثرية في ذلك الفيلم، أما عن شخصية سارة في فيلمنا، فلم يكن أفضل ما يمكن أن تراه من شخص يتمتع بموهبة كبيرة، فالشخصية من الواضح بشدة ضعف بنائها في الكتابة من الأساس، وعليه لم يستطع أن يصل إلى أي تفسير لردود أفعالها أو تعبيراتها، بل كان من الصعب الاندماج مع ما تقدمه، بالرغم من أن مجهودها في التمثيل يتضح في بعض المشاهد، إلا أن كتابة شخصيتها لم يسعفها في الباقي من المشاهد، وأنتج شخصية بدون معالم أو بصمة للمشاهدين.

وعلى الرغم من أن وجود ممثلين غير مصريين بأعمال مصرية شيء طبيعي جدًا؛ إذ يمتد الأمر بأن تكون بطولة تلك الأعمال أولئك الممثلين غير المصريين، ولكن ما سبب أن يكون دور شخصية – ليست محورية ولكن مهمة – كشخصية هاني برجاس النائب المصرى من نصيب ممثل كعادل أكرم، الذي يفتقر للكثير من الموهبة لإخراج شخصية متزنة فنيًا على الأقل، ولم يستطع التخلص من لكنته اللبنانية طوال حواراته التي محت أي نوع من أنواع الاتصال بالفيلم خلال فترة وجوده به، أما إياد نصار وعزت العلايلي فأنا لا أجد سببًا لوجودهم بالفيلم من الأساس؛ فمثلًا إياد نصار لم يصلن ما المفروض أن أتوقعه أو أفهمه من شخصيته، إلا من خلال وصف منة شلبي له طوال الفيلم، سواء بالسلب أو الإيجاب، أما عن التمثيل، فأعتقد أن الكلام فقط ليس كافيًا لتقديم شخصية شريف مراد، أما عن الفنان القدير عزت العلايلي فحتى الكلام طوال حواره لم يكن واضحًا من الأساس.

الكتابة

في البداية وصل للجميع تحذيرات من صناع الفيلم بأن كتابته بها الكثير من الاختلافات عن الرواية، وقد هيأت نفسي لذلك من لحظة بداية الفيلم، وأظن أن تلك الفكرة تضع الكاتب في تحد بأن يقدم أفضل مما قدمه من قبل، ولكن للمرة الثانية يثبت أحمد مراد أنه لا يستطيع السيناريست بداخله التفوق على الروائي، بالرغم من إبداعه في كتابة سيناريو الأصليين، ولكن تلك المرة يظهر الكثير من مواطن الضعف في أجزاء مختلفة من الفيلم، فمثلًا التركيز على بناء شخصية طه ووالده وإيصال ما وراء شخصياتهم قد كلف من بناء الفيلم ككل الكثير، حيث إن اعطاء مساحة كبيرة للمناقشات ذات الطابع الفلسفي جعل الهرولة في سرد الأحداث العامة واضحًا بشدة، وبناء الشخصيات كان المشكلة الأكبر بالنسبة لي، خصوصًا في شخصية سارة التي قامت بها منة شلبى كما ذكرت من قبل، إضافة إلى ذلك تشابه الكثير من تكوين شخصيات الفيلم بشخصيات من أفلام أخرى من كتابة أحمد مراد، ولكن الطريقة التي يتبعها أحمد مراد في صنع الترابط بين خطوط الشخصيات من أكبر ما يميز أعماله، خصوصًا ذلك العمل، وكذلك قدرته على جعل الرمزية في الكلمات أو الأفعال تحكي ما بين السطور تميزه عن الكثيرين.

التصوير السينمائي/السينماتوجرافي

نجح مدير التصوير أحمد المرسي الذي شارك في العديد من أعمال مروان حامد المسبقة مثل الأصليين والفيل الأزرق والعديد من الأعمال الفنية الكبيرة الأخرى مثل مسلسل (أفراح القبة)، (رسائل البحر)، (احكي يا شهرزاد) و(18 يومًا) في أن يكون نجم الفيلم عن طريق اختيار مواقع تصوير خارجية كثيرة في محيط وسط البلد، حيث يعد من أفضل ما قام به القائمون على الفيلم، ليس فقط لسعيهم للتجديد، ولكن أضافت روح مختلفة عن كل ما رأيناه من قبل على الشاشة، وقد ساهمت كثيرًا في منح الفيلم الكثير من مفاتيح إبهار الجمهور بجمال ما يصل إلى عيونهم وإثبات معرفتهم الجيدة بجمهورهم المهتم بمتابعة أعمالهم.

الموسيقى

إذا ذكرت كل تلك الأسماء بالأعلى في عمل فني واحد فهذا يعنى أن موسيقى الفيلم بالتأكيد من نصيب هشام نزيه، ينعم هشام نزيه بعقلية موسيقية عظيمة ظهرت قوة تأثيرها في أعماله المسبقة، مثل مسلسل (الوصايا السبع)، مسلسل العهد وفيلم إبراهيم الأبيض، حيث كان تأثير موسيقاه في تلك الأعمال لا يقل أهمية عن الكاتب أو المخرج، بل أحيانا تجذب الانتباه أكثر من الممثلين، ولكن هل توقف عن ابتكار الموسيقى تلك المرة؟ موسيقى فيلم (تراب الماس) تشبه كثيرًا موسيقى تعاونه في أعمال احمد مراد ومروان حامد المسبقة، فكثيرًا طوال الفيلم كنت أشعر أن تلك الموسيقى تشبه مقطعًا من فيلم الأصليين أو الفيل الأزرق، وذلك جعلني لم أستطع الشعور بتأثيرها معظم الوقت على عكس المعتاد من هشام نزيه، ومع ذلك فاستخدام أغنية (تقع وتقوم) لفرقة الأندرجراوند المصرية (مسار إجباري) أضاف بهجة على كل الحضور بالقاعة، وعلي شخصيًا؛ حيث يؤكد أن طاقم العمل يعلم جيدًا نوعية جمهورهم المهتم بذلك النوع من الفن.

الإخراج

لا يمكن لأحد أن ينكر أبدًا كيف تأثرت السينما المصرية بوجود مخرج مثل مروان حامد بها في السنوات الأخيرة، فمنذ بدايته في فيلم عمارة يعقوبيان وقد أكد للجميع أنه يمتلك عقلية فنية تنتج مشاهد تصل لأن تكون لوحات فنية متكاملة، وبالفعل قد نجح مجددًا في أن يصل الفيلم لعيون المشاهدين عن طريق كادرات تهتم بالتفاصيل الصغيرة قبل الصورة الكبيرة للمشهد، فبعض مشاهد التصوير الخارجي كانت متقنة لدرجة تنافس مشاهد من السينما العالمية، ولكن على مستوى مروان حامد الذي لا يوجد من ينافسه به على الساحة الآن غيره، هل ما قدمه مروان حامد يترك طابعًا جديدًا عن ما قدمه في أعماله المسبقة؟ فبالرغم من الجماليات التي تحيط اختيار الكادرات والألوان وزوايا التصوير، هل يمكن أن نعتبر أن سلسلة تطور مروان حامد في الغخراج بتقديم الجديد مستمرة؟ هذه الأسئلة مرت بعقلي في كل مشهد توقعت فيه كيف سيكون تنفيذ الجانب الإخراجي، ومع أن ذلك الفيلم إخراجيًا أفضل كثيرًا بالنسبة لمنافسيه، ولكن النقطة أنه لم يكن الافضل بالنسبة لما يمكن أن يقدمه مخرجنا.

في النهاية يعد الفيلم تجربة سينمائية جيدة تستحق وقتك جدًا، خصوصًا لو لم تكن ممن قاموا بقراءة الرواية من قبل من وجهة نظري، ولكن تكرار الأسماء جعل من المنتج النهائي شبيهًا لعناصر كثيرة من منتجات سابقة لنفس الأسماء؛ وذلك سبب خذلانًا في بعض النقاط بالفيلم، ولكن ظل محتفظًا بجماله وقوته في الكثير من العناصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

art, سينما, فن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد