لم يكن يخطر ببالي ذات يوم أن توضع تلك السلاسل المعدنية بيدي وتلك العصابة على عيناي.

نعم في مثل هذه الأيام قبل عامين تم اعتقالي على يد أكبر تنظيم إرهابي هاجم العالم بوحشية فاقت وحشية الحروب العالمية وتعدت كل المعايير الربانية والإنسانية. نعم، إنه تنظيم داعش الإرهابي الذي سيطر على الموصل بداية يونيو (حزيران) 2014.

تلك اللحظات التي تم أخذي بها في سيارة مظللة وأنا أسمع كلامهم يقولون «اليوم خوش صيد» هنا ينتزع القائل معنى الإنسانية من قلبك، تمشي بك السيارة لتتوقف دقائق ويقال لك سنجلب وثائق تدينك كي نسرع عملية إعدامك، بعدها نكمل المسير حتى وصلنا إلى مكان ما. إلى هنا لم أعلم تهمتي ما هي ولم أعلم لم تم اعتقالي..نزلت إلى المكان الذي سأحاكم أو سأسجن فيه أو سأقتل فيه لا أعلم،هنا علِمت تهمتي المبهمة وهي «يريد أن يطفئ نور الله».

نعم نور الله! فقلت له أي نور هذا الذي سأطفئه؟ فاجابني قائلا: عندما نضع الرصاصة في رأسك ستعلم. بعدها أدخلني الزنزانة، لتجد ما يقارب الأكثر من 150 شخصا في مكان صغير، هنا تبدأ بقراءة عيون تلك المظلومين فكل واحد منهم له قصة ورواية ربما اقل أو أكثر مني. أذكر أنني جلست بالقرب من أخوين قالوا لي نحن سنقتل قريبا فعلا بعدها بساعات فُتح باب الزنزانة وتم أخذهما لنعلم بعدها أنه قد تم إعدامهما.

تتسارع الأحداث لكي يتم فتح الباب وينادى باسمك لتلبس عصابة العين وتنتظر دورك للمثول أمام ما يسمى (القاضي الشرعي)، طبعا لا شرع ولا قانون يحكمه ذلك المريض نفسيا فوحشيته قد فاقت كل الشرائع والقوانين، بدأ يحقق ويسأل وعند كل إجابة ستضرب مرات ومرات في محاولة للضغط حتى يتم الاعتراف عن أشياء لم أفعلها، لم ينفع معي كثرة التعذيب فصمتي كان أكبر من جلادهم.

لتبدأ بعدها الحرب النفسية والتي ستسمع كلمات تكرر كثيرا، ستقتل، سنحفر لك حفرة ونضعك فيها، لن نقتلك قبل أن نسلخ جلدك عن عظمك، فتارة يضع سكينا على رقبتك وتارة أخرى يضع مسدسا على رأسك، أذكر في احدى الأيام عندما عدت من التعذيب ورفعت عصابة العين ودخلت الزنزانة لأجد السجناء يهرعون إلي وإذا بملابسي وجسدي عليه الدماء. بعدها تم إضافة تهمة إلى تهمتي وهي بأن فكري هو فكرُ كفرٍ والحاد وزندقه، استنادا إلى ما كنت أكتبه سابقا.

تمضي الأيام ويتكرر المشهد يوميا من الزنزانة إلى التحقيق والتعذيب حتى يتم في إحدى الليالي نقلي إلى زنزانة انفرادية ويقال لي صدر بك حكم سننفذه غدا (أي سنقتلك). هنا تبدأ جلستك مع نفسك وتفكر لدقائق معدودة بأنه قد حان وقت الموت صدمت لدقائق فقط بعدها قمت وفكرت بأبي أخواتي أخي أحبائي، كيف سيعلمون بخبر وفاتي أو كيف سيتلقون هذا الخبر أو كيف سيحصلون على جثتي لأن في كثير من الأحيان لا يتم تسليم الضحية لأهلها.

هنا تذكرت قول سعيد بن جبير رضي الله عنه عندما قدِم الحجاج على إعدامه فما كان من ابن جبير إلا أن ضحكَ، فقال له الحجاج ما يضحكك، قال سعيد ، عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك، فعلا قلت عندما سيقتلونني سأقول تلك الكلمات لأثبت لهم بأن إرهابهم لا يخيفني.

تبدأ بالتحضر لاستقبال الموت فأول ما فعلته قمت بتلاوة بعض السور بعدها نوم قليل لكي يرتاح الجسد حتى استيقظت على صوت باب الغرفة فجرا فقلت له أريد أن أستحم، أذكر كان رده في منتهى السخرية عندما قال (اها تريد أن تموت نظيفًا؟) فقلت بكل هدوء. نعم.

إلى هذه اللحظة أذكر تلك القطرات الباردة في الفجر وكأنها ماءٌ ساخن على جسدي، إلا أنني علمت بعدها بأن مثل هذه المحاولات يقومون بها مع السجين مرات عدة لكي يموت نفسيا قبل أن يموت روحيا وجسديا، كثير من الناس كانوا يقولون بأن ضحاياهم عند الإعدام مخدرون لأنهم لا يتحركون ولا يبدون أي مقاومة، هناك علمت حقيقة ذلك عندما حدثت معي فهم يُدخِلون السجين في موت مؤجل فيموت نفسيا بل ويتمنى الموت بأقرب وقت للخلاص، حتى عندما يتم إعدامه قد يعود فهو يخرج للإعدام مرات ومرات حتى في آخر المطاف يتم التنفيذ به.

إلى الآن وأنا أتذكر يوما من الأيام عندما كنت في الزنزانة قلت إذا خرجت من هنا سأكتب مقالة عما رأيت حتى شاء الله لي الخروج وها أنا الآن أكتبها بملخص ما كتبته العام الماضي من أربع أجزاء لا يسعني نشره.

هذا كان ثمن (الكلمة) لذا فالحرية شيء ثمين لا يعلهما إلا من كان بين يديه ثم سُلِبت منه، فكلامي آنفا ليس مجرد سرد لأحداث مررت بها بقدر ما فيها من أمل لمصارعة الظلم ونبذ التطرف بشتى أنواعه والتطلع نحو غدٍ أجمل.

اليوم الواحد في الزنزانة يعادل سنة والساعة بشهر والدقيقة بيوم كامل، ربما كنت محظوظا مقارنته بمن دخل معتقلهم وقتل وربما لا. لم أكن أعلم أن بعض المشاريع الخيرية والتطوعية التي كنت أتبناها وأفعلها كانت لتطفئ نور الله! لم أكن أعلم أن تلاوتي لآيات في مسجدي كانت لتطفئ نور الله!

أيُّ نور هذا؟ فقد أطفأتم أنوار السماوات والأرض، ماذا ستقولون لله يوم القيامة؟ سأوقفكم وسأقتص منكم هناك وسيقتص منكم أبناء مدينتي المنكوبة. هنا أختم تلك الكلمات وأنا على ساحل البحر بعد هجرتي من مدينتي وبلدي وأشعر بتلك الحرية التي تمتد كامتداد البحر مقارنة مع جدران أربع كانت تضمني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

معتقل
عرض التعليقات
تحميل المزيد