«هل تقبل فلانة زوجةً لك».. «هل تقبلين فلانًا زوجًا لكِ»، تلك العبارات الرنانة ذات التأثير الساحر على القلوب التي يرددها المأذون على مسامع العريس والعروس في بضع لحظات من السعادة تم خطفها سريعًا من الزمن، عن تلك الفرحة التي تعلو وجه العريس وحمرة الخجل التي تكسو وجه العروس، وعن تلك اللمعة في عيون الأهل والأحباب المتباكين من الفرحة، وعن البهجة الموجودة في عيون الحاضرين، وعن أصوات الزغاريد التي تعلو بالمكان، سنتحدث سويًا.

أدعوكم أن نتوقف قليلًا مع أنفسنا عند هذه اللقطات التي تبعث السرور بداخلنا، وعند تلك اللحظة التي يتجمع فيها عادةً جميع المدعوين لأخذ صورة تذكارية مع العروسين قبل نزول الستار معلنين عن نهاية الحفل وعن بداية جديدة لحياة زوجية سعيدة.

لنتمهل بضع لحظات ونتأمل كي نجيب على أهم تساؤل قد يدور في أذهان الكثير منا .. “هل حقا هذه هي بداية الحياة السعيدة التي حلم بها العروسان”، هل سيعود كل منهما يومًا ما لمشاهدة ألبوم صور الزفاف لاستعادة ذكرياتهما معًا، هل سيتوقف كل منهما عند تلك الصور مبتهجًا مبتسمًا، أم أن الحياة سيكون لها رأى آخر بعد مرور عدة سنوات.

عندما تجلس في مجالس الفضفضة الخاصة بالنساء وتستمع لكثير من الفتيات خاصة اللاتي تزوجن حديثًا، ستُصدم بكم هائل من الحكايات والقصص والكواليس المؤلمة التي أختبأت وراء أحلام البنات بالفستان الأبيض هذا الساحر الذي سيطر على عقولهن، وحُلم الزفاف الأسطوري الذي طغى على أحلامهن، لترسم كل فتاة منهن في مخيلتها صورة جميلة لنفسها وهي تضع يدها في يد ذلك العريس الأنيق الذي انتظرته طويلًا، بمباركة من الأهل معلنين أمام الجميع “على حد تصورهم” أنهم قد أنهوا رسالتهم في الحياة تجاه ابنتهم بذلك الزواج المبارك.

ستتعرف حينها على القليل جدًا من المعاناة التي كثيرًا ما تتعرض لها المرأة الشرقية والعربية بصفة خاصة من ضغوط نفسية لا تحتمل، بدايةً من لحظة اختيار الزوج والذى يعتبر حقها الذي أعطاه لها الشرع، هذا الميثاق الغليظ الذي له قدسية اختزلناها نحن في مجتمعنا وفى زماننا هذا في ارتداء “الفستان الأبيض” وفي “رجل” أصبح من وجهة نظر المجتمع الضيقة “ضله” أفضل بكثير للمرأة من “ضل الحيطة” تلك القاعدة التي اتخذها مجتمعنا الشرقي بوصلةً توجهنا  في تعاملاتنا مع أي فتاة شرقية وكأن الزواج هو البداية والنهاية التي لا بديل عنها.

فيعجلون بزواجها لأول طارق على الباب طالبًا يدها، حتى لا يفوتها قطر الزواج، أو خوفًا من أن تصيبها العنوسة كما يعتقدون، أو حتى لا تسبقها ابنة عمتها وخالتها أو جارتها وغيرها من الأفكار والعادات الموروثة التي ظلوا يضغطون بها على الفتاة دون مراعاة للتوافق النفسي والفكري والثقافي والاجتماعي بينهما، فتقع الفتاة تحت هذا الإلحاح وهذا الكم الهائل من الضغوط في فخ الزواج من الشخص غير المناسب لتبدأ رحلتها مع المعاناة.

والنهاية عادةً في مثل هذه الحالات معروفة مسبقًا، ففى الغالب يكون الفشل هو سيد الموقف، لأنها لم تختر ولم تتعلم من الأصل كيف تختار الزوج المناسب الذي يكون محبًا وسندًا ومعينًا لها، وأبًا صالحًا لأبنائها مستقبلًا.

في النهاية استطاعوا أن يبثوا في المرأة أن حياتها تبدأ وتنتهي عند الزواج وفقط، فلم يمهلوها الوقت الكافي لكي تختار الزوج الذي تفتخر به أمام الجميع دون خجل أو تردد، ولم يعطوها بدائل أخرى كي تحيا تحت ظل المجتمع.

ولم يتوقف الاعتداء على حقوق المرأة عند هذا الحد فإن فاقت من غفلتها ومن حلم الزواج السعيد الذي قد تحول إلى كابوس لم تعد تحتمله، واختارت أن تنفذ شرع الله بطلب الطلاق على الرغم من قسوته، لرغبتها في أن تعيش في أجواء مستقرة، وأن توفر لأبنائها جوًا هادئا حتى ينشؤوا في بيئة صالحة بعيدًا عن أي خلل قد يؤثر على حالتهم النفسية، فهنا يقف المجتمع حائلًا بينها وبين ما أحله الله لها، فقط لأنها امرأة سيتحدث عنها الجميع وسيخوض في سيرتها كل من هب ودب ليسلبوا منها حقها مرة ثانية في حرية الاختيار.

 

وعلى الرغم من أن المرأة قد اختارت وبكامل إرادتها أن تتعلم وتنجح لتصبح دكتورة ومعلمة ومهندسة وغيرها من المهن المحترمة، والتي قد أثبتن مع مرور الوقت جدارتهن ومساهمتهن الفعالة في المجتمع وفي كافة مجالات الحياة، إلا أن مجموعة من أصحاب العقول المظلمة جعلتها مادة للسخرية والتهكم فما زال هناك من يرى أن تعليم المرأة ليس من الأوليات وأن عليها الاكتفاء بالزواج وتربية الأبناء، ولا أدري لمَ تطالبونها إذن أن تقوم بواجبها بغرس القيم والأخلاقيات في أبنائها دون أن تتعلم وتتثقف وتفقه أساليب التربية الحديثة!

وتكتمل معاناة المرأة بظاهرة التحرش الجسدي واللفظي بها، والتي قد فاقت كل الحدود وأصبحنا نراها بصورة متكررة في المواصلات العامة، وفي الشارع، وفي العمل، فيضيقون عليها الخناق حتى لا تجد مهربًا سوى الرضوخ لأفكارهم البالية، بعدم الخروج من بيتها حتى وإن التزمت بضوابط الاحتشام، وما يزيد من الأمر سوءًا عندما تجدهم يحملونها المسئولية وحدها حمايةً للرجال من الوقوع في التحرش بها، وكأن الشرع لم يأمرهم كذلك بغض البصر!

 

عزيزتي المرأة إذا قادكِ حظك العاثر يومًا ما إلى الرضوخ لأفكار وعادات مجتمع قد ظلمك مرارًا وتكرارًا دون أدنى شعور منهم بأي ألم تجاهك، ودون اعتذار منهم لما اقترفوه في حقك، فلا تجعلي نفسك فريسة مرةً أخرى لتلك العادات التي لا أصل لها شرعًا والتي اعتادوا أن يبثوها في عقلك منذ الصغر، فقد آن الآوان أن تعلمي ابنتك حين تكبر كيف تختار زوجًا صالحًا يراعي الله فيها مثقفًا حالمًا يهون عليها ما قد تواجه من آلام، وأن يكون لها وطنًا تلجأ إليه حين ترغب في أن تنال قسطًا من الراحة، مع احترام عقلها واحترام اختياراتها ورغباتها في الحياة، واحرصي دومًا على أن تغرسي فيها القيم النبيلة ومفاهيم الحياة التي تجعل منها أمًا صالحة في المستقبل كي تربي جيلًا يكسر تلك الأفكار المشوهة التي فرضوها عليكِ، واجعلي منها طاقة نور تشع في المجتمع بأفكار راقية تتماشى مع شرع الله أولًا.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المرأة, امرأة
عرض التعليقات
تحميل المزيد