منذ أن خلق الله الأرض، ووضع القواعد التي يتحتم على الإنسان اتباعها؛ إذ باتباع تلك القواعد يتحقق عمران هذا الكون، وتتحقق للإنسان سعادته الكاملة، كان من أهم تلك القواعد إقرار العدل، وتطبيق العدالة، وتجنب الظلم والطغيان، وهو العزيز الجبار الذي حرم الظلم على نفسه، فأمر الإنسان باجتنابه، إلا أن الانسان كان ظلومًا جهولًا.

يتبدل وجه الأرض بين الحين والآخر، وتتغير الخريطة كما يحلو للمؤرخين أن يصفوا تسقط ممالك كانت في أوج قوتها، وتعلو ممالك أخرى خرجت من العدم أو من بعد ضعف، وتظل بعض الأمور والقواعد من الثوابت، التي لا تسقط، ولا تتغير، ومنها وجه الاستبداد والطغيان، الذي يظل وجهًا مشتركًا بين حقب التاريخ المتنوعة.

المؤرخون والفلاسفة بدورهم برعوا في وصف الطغاة والمستبدين، وفي شرح الاستبداد والطغيان: فأرسطو كان أعظم من وضعوا تعريفًا للاستبداد وللطغيان؛ إذ عرف الاستبداد بأنه خضوع المواطنين للحاكم برغبتهم، رغبة منهم في العبودية تحت نير حكم هذا الحاكم.
كما برع ـ أيضًا ـ في تعريف الطغيان؛ إذ عرفه باغتصاب للسلطة، دون احترام للقانون، أو العرف، وإقامة تلك السلطة على القهر، مستخدمًا في ذلك سفك الدماء، وقتل البشر، بمنتهى السهولة.

وهو بحق حقيقة مانعيشه اليوم من اهدار لدولة القانون وترسيخا للقهر بشتي الطرق والقتل بطريق التصفية الجسدية خارج اطار القانون وفي اكثر من حادثة .

بيد أن التاريخ امتلأ بالكثير من صور هذا المستبد، أو الطاغية المستبد، إن جاز لنا تسميته، إذ إن الصفتين متلازمتان معًا، لا ينفصلان أبدًا.

لكن إن تصفحت صفحات التاريخ، فلابد أن تتوقف كثيرًا عند أحد أهم الطغاة والمستبدين، ألا وهو فرعون الذي ذكره القرآن الكريم، وقصته مع نبي الله موسى عليه السلام، والتي وردت بمنتهى العظمة في سرد ووصف أحداثها في سورة القصص.

قال تعالى «إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم، ويستحي نساءهم، إنه كان من المفسدين».

فرعون علا، أي تجبر وطغى، وبغى، والآية تذكر لنا مظهرًا هامًا من مظاهر هذا الطغيان والتجبر، وهو جعله أهلها شيعًا، أي أنه قسم رعيته فرقًا وأقسامًا. وقد استضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، دون احترام لأية قواعد للقانون، أو أي أعراف.
القصة القرآنية يعرفها الجميع؛ إذ إنها منذ الصغر تُحكى لنا، وبسرد ما ورد في القرآن، حتى إن أغلبنا يعرفها، ويحفظها عن ظهر قلب، لكن هناك شواهد عدة لا يتوقف عندها الكثيرون، ألا وهي أن فرعون يعد أول من وضع قواعد الاستبداد والطغيان، وأسس لها؛
ففرعون هو من خرج على قومه مخاطبًا إياهم، كما ورد في سورة القصص «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد».
فالوصف القرآني الوارد برع ـ للغاية ـ في وصف شخصية هذا الطاغية؛ إذ تنبعث من فحوى خطابه أفكار القمع، والاستبداد وأحادية الرأي. تلك المقولة التي أسست إلى يومنا هذا، والتي وردت على لسان فرعون، معايير الاستبداد والطغيان؛ إذ إن الحاكم المستبد يوجه شعبه نحو ما يراه فقط، ولا يسمح لأحد بمناقشته، أو حتى إبداء رأيه معتقدًا في ذلك أنه «فيلسوف الفلاسفة»، و«طبيب الأطباء» وأنه يوجه شعبه نحو الاستقرار والتقدم.

لا يفوتنا أيضًا وصف حال قوم هذا الطاغية، إذ يقول رب العزة في كتابه العزيز «فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قومًا فاسقين».
فقد تعامل فرعون مع شعبه من منطلق تجهيلهم، وبدلًا من تصديهم له، ولهذا المنطق الذي يقتل فرص النقاش أو حرية إبداء الاعتراض أو الرأي تركوه وصدقوه في قوله، واتبعوه أيضًا، فاستحقوا وصفهم بأنهم قوم فاسقين.

ثم، ثم تضع لنا هذه القصة مظهرًا، مهما وملازمًا لطاغية هذه القصة، ولكل طاغية في كل عصر؛ إذ إن الطغاة والمستبدين، كما «وصفهم عبد الرحمن الكواكبي» في كتابه طبائع الاستبداد يتخذون قدسية، يشاركون بها الله، أو تعطيه تلك القدسية مقامًا ذا علاقة بالله تعالي «أنا ربكم الأعلى» تلك الآية، والتي تسرد مقولة وردت على لسان فرعون تلخص ذلك، كما أن الطاغية يعتبر أفعاله دائمًا وأبدًا تتفق مع الدين، وبالتالي فهي أفعال مقدسة، لا ينبغي مخالفتها، إذ عندما همس بعض المقربين من فرعون بضرورة قتل موسى، خرج الطاغية؛ ليقنع قومه بضرورة قتله، وكانت حجته في ذلك هي «إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد»، لتكون حجته في قتل الآخر، ومن اختلف معه، منعه من الإفساد.

وهكذا الدنيا، ففرعون ـ الأمس ـ اتهم نبي الله موسى بإخراج الناس من دينهم ونشر الفساد.
وفرعون اليوم يتهم من يختلف معه في رأيه أو توجهه بدعاة الشر، والمخربين، والخونة، والعملاء، «ومن أنتم؟»!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد