كتب الأستاذ صلاح عيسى فى كتابه حكايات من دفتر الوطن:

«… إن عذاب مصر الحقيقي قد بدأ منذ حصر العقل المصري فى إطار المسلمات النهائية التى لا تقبل المناقشة، وكان هدف الطغاة باستمرار أن يفقد هذا العقل قدرته على التفكير والحركة، لذلك ركزوا كل جهودهم على تحطيم حيوته وتبديد قدرته على الابتكار. وكان أخطر ما فعلوه أن حولوا هذا العقل إلى عقل يعرف جيدًا علامات «التنصيص» ويجهل علامات الاستفهام والتعجب. عقل يفقد تدريجيًا الحاسة النقدية التي تمكنه من تحطيم المحرمات التي تحول بينه وبين الثورة على واقعه وانتزاع مقدراته من أيدي الطغاة…».

يحارب الطغاة العقل ويكرهون الابتكار. يحرقون الكتب ويكسرون الأقلام ويغلقون المكتبات. فلا يجيد الطغاة إلا بناء السجون الواحد تلو الآخر حتى يصبح الوطن نفسه سجنًا كبيرًا. سيكون هناك سجناء رأي وسجناء كلمة وسجناء مقالة وسجناء رواية وسجناء مسطرة وسجناء مترو وسجناء تي شيرت وسجناء جنازة وسجناء مباراة كرة! تتبدل طموحات الشعوب وتتغير الأماني من حلم العيش الكريم والحرية والكرامة والعدل إلى مجرد أحلام سائدة للنجاة والبقاء على قيد الحياة. أن تحصل على قوت يومك هذا هو الفوز الكبير حتى تتبلور فكرة الهروب فى الرؤوس. أمّا الهروب الحدودي إلى بلاد أخرى أو الهروب إلى قصص الخيال لخلق حكايات مرتبطة باللاوعي المجتمعي والانتصار على الواقع المرير وتحقيق العدل والمساواة وردم الهوة بين الباشوات الجدد من أصحاب الوشاحات والنسور والنجوم والسيوف والنياشين والمواطن البسيط الذي لا يحمل أي درجة أو رُتبة سوى صفة المواطنة التي تقتله كل نهار.

تموت الحضارات والفنون ولا يبقى سوى التغني بالذكريات والبكاء على عظمة الماضي لأن الحاضر مؤلم والمستقبل مجهول. سوف تختفي الآداب ولا يوجد إبداع جديد. سوف ينهزم التطور والتقدم والاختراع، لأن الحاكم وضع قالبًا معينًا وحدودًا جائرة لا يمكن تعديها، وبالتالي يصبح أي إنتاج صورة طبق الأصل من الآخر. ربما اختلفت العناوين ولكنه نفس القبح المسموح به. نفس العناوين تتصدر صحفًا مختلفة، نفس البرامج التلفزيونية وإن اختلف الميعاد ومقدم البرنامج، نفس الأحكام القضائية، ربما تتوحد الملابس لأن درجة الفقر ستكون واحدة. حتى سبب الوفاة سيكون واحدًا، القتل أو القهر. سوف تجد شيخًا حبيسًا لأنه لم يحلل الظلم ويشجعه مثل الأغلبية من رفاقه، سيخرج علينا دعاة كالمسخ يلهون الناس بالجنس مع الموتى والبهائم وملابس المرأة وتفاصيل جسدها. ستنحصر المواهب اللازمة للترقي والوصول إلى الدرجات العلى إلى موهبة واحدة شاملة كل المواهب من التملق والنفاق ولحس عتبات المسؤولين. سيعلو شأن إنصاف الموهوبين الذين يجيدون مهارة التلوّن والتغيّر على حسب ما تتطلبه المرحلة ومن يجلس على مقعد الحكم.

دائمًا يقوم الطغاة بخلق عدو وهمي لإلهاء الشعوب واستفزاز الحس الوطني لديهم. ستخرج علينا مصطلحات جديدة بعد أن أهلك الطغاة الأوائل المصطلحات البالية مثل تحديات ومؤامرات وعبور وهيبة الدولة إلخ إلخ. سترتبط درجة حبك للوطن ارتباطًا وثيقًا بمدى فقرك وحاجتك. سيُعاد تعريف الوطنية إلى مدى تحملك الإهانة والمهانة وإيمانك بالأكاذيب والمشاريع الوهمية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. الاعتراض يعني العمالة. تقصي الحقائق يدل على خيانتك. إبداء الرأي هو نقص في التربية وإهانة لرموز الدولة. لا بد أن تتقبل الخطاب الحكومي كما هو، وكأنه وحي سماوي لا يقبل التأويل. ستجد دولًا كاملة تزول وتهلك ولا تترك من التراث إلا مبان رمادية قبيحة تحرسها أسوار عالية من الحديد الصدئ. كل ما سيبقى للتاريخ من بلادنا روائح دم وجماجم موتى وكرسي من الذهب يجلس عليه ديكتاتور ظالم تقتله الوحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, كتب, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد