هوى النفس البشرية والسلطة

إن الحكم الديكتاتوري في جوهره ينبع من شجرة واحدة ألا وهي شجرة الطغيان. هذه الشجرة ليس لها دين ولا رائحة ولا انتماء ولا عرق ولا مذهب ولا مؤسسة ولا جغرافيا، بل تنبت بمجرد وصول أي إنسان لمنصب قيادي رفيع يُكْسبُهُ سلطات شبه مطلقة لم يكن يمتكلها من قبل في المقام الأول.

تبدأ القصة من أنه في البداية يعلن ويُسوّق هذا الإنسان لبيانات حسن نية ووعود كبرى (مثل التغيير والنهضة للوطن والتطور وحقوق الإنسان والإنتاجية والعدالة… إلخ) للمسقبل الذي يريده لوطنه ومواطنيه أو للمؤسسة التي يعمل من خلالها، وبمجرد أن يحصل علي المنصب القيادي مع تلكم السلطة التي لم يعهدها من قبل، فيقوم بالانقلاب على نفسه بالتملُّص من بيانات حسن النية والوعود التي رمَي بها في وُجوه من حوله. وذلك لأنَّ الإنسان في ذاته بمجرد أن يرى أنه قريب من حصوله على سلطة المنصب وصلاحيات وموارد المؤسسة، يقوم باستخدامها لتعزيز قوته ونفوذه وبسط هيبته على من حوله.

ولهذا حذَّرَ الله في القرآن الكريم من أنَّ الإنسان بمجرد أَنْ يتمكَّنْ من شيء مثل سلطة وصلاحيات منصب أو علاقة مع أهل النفوذ، فإنه يقوم مباشرة بالتمَلُّص من كل العهود والقيم التي أطلقها من قبل وتَشَدَّقَ بها، فيتجاوز الحدود باستعمال ما حصل عليه من أجل مصلحته الذاتية. وهذا مصداقًا لقوله تعالى «كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ. أَنْ رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ» العلق (6-7). وهذه هي الطبيعة الأولي التي يتم من خلالها تكوين (طاغية = ديكتاتور) أي حصول الإنسان علي السلطة ودخول هوى النفس كمُوجّه لها ليحقق مصالح شخصية بما يعني الالتقاء بين السلطة المكتسبة وهوى النفس وما تميل له من مشارب.

فهنا لا يُستثنَى أحدٌ من الإصابة بداء الطغيان إلَّا من طَهَّرَهُ الله منه، فكل نفس بشرية لها نوعان متساويان من الميل: ميل نحو التَّقوى وميل نحو الفجور، وهذا ما تؤكده الاّية «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا» الشمش (7-8). هذا الميل نحو التَّقوى أو الفجور تحدده طبيعة هَوَي الإنسان. فهناك الهوَى الذي يقود الي أعمال التقوى وآخر يقود إلى الفجور مصداقًا لقوله «فإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» القصص (50). وبما أن النفس البشرية بها هذا الهوى والبيئة المحيطة بهذه النفس بيئة جذابة (الحياة الدينا مليئة بالزينة والثروات)، فإنه بمجرَّدْ حصوله على سلطة قيادية أو معرفة فإنه يكون أقرب إلى إرتكاب أعمال الفجور من التقوى باستعماله لتلكم السلطة لمصالحه الشخصية ومصالح من يلتقي معه فيها.

أَضفْ إلى ذلك أن هذه النَّفْسْ إذا رأت أنَّهَا إذا عملت عملًا صالحًا أو قالت قول الحق في مكان عام علنًا أمام الناس أو تشدقت بالقيم في الجلسات، إذا رأت هذه النفس أن هذا سيُكسبها في المستقبل منصبًا قياديًا ونفوذًا (سياسي، فكري، علمي، عسكري، مؤسساتي، إجتماعي… إلخ) أو يُكسبها نجوميةً وشهرةً وشعبيةً اجتماعية بين الناس، فإن هذه النفس سَتَسْعَى لتقول قَوْلَ الحقْ وتفعل الصَّالحات للحصول علي تلْكُمُ السُّلْطَة والنُّجُومية، ويكون هنا هَوَى النَفس الداخلي مُوَجّهًَا لكيفية استعمال السلطة والنجومية ليحقق بها مصالحه الشخصية ومصالح حاشيته.

فمثلاً نجد الكثيرين من الحُكَّامْ العرب قد أعطوا وُعُودًا وعُهُودًا لشعوبهم في فترة حملة الانتخابات، فَصَوَّتَتْ لهم الشعوب ففازوا في الانتخابات فأصبحوا رؤساء (في دول الخليج يوجد بيعة)، لكن بمجرد أن يجلس على كرسي العرش والرياسة والحكم والإمارة، يَنقلبْ ويَخونْ كل الوُّعود والعُّهود التي سَوَّقَهَا للمواطنين في التلفزيون والإعلام أثناء فترة الانتخابات أو أثناء أخذ البيعة، ويستعمل سلطة وصلاحيات وقوة المنصب القيادي من أجل تكريس قدسيته عند الناس واستدامية حكمه في المستقبل سنين عددًا. وهذا لأن النفس البشرية تحمل الجانبان (التقوى والفجور)، وبمجرد أن يرى الإنسان أنه سيحصل على السلطة أو المعرفة حتى يكون ميل نفسه نحو عمل الفجور والفساد والظلم، لأن هوى النفس والسلطة المكتسبة من المنصب إذا التقت مع بعضها يتحول الإنسان إلى كتلة طغيان. فهنا تكون السلطة التي حصل عليها مُوجهةً ومُقادةً بهوى النفس البشرية السلبي فيُهلك بها نفسه بعد أن يُهلك بها طبعاً شعبه ومن حوله من الحاشية.

ولهذا يقول الإمام الشافعي في شعره “إذَا حَارَ أَمْرُكَ في مَعْنَيَيْن وَلَمْ تَدْرِ حَيْثُ الخَطَاُ والصَّوابُ، فخَالِفْ هَوَاكَ فَإنَّ الهوَى يَقُودُ النُفُوسَ إلَى مَا يُعَابُ”. وما زال بعض الناس يربون الأطفال بثقافة العيب بالقول (هذا عيب لا تفعل كذا لاتفه الأسباب) ولكنَّهم من الناحية الأخري يَغْتَابُوا ويُنَمّمُوا بعضهم بعضاَ في الجلسات الأسرية والإجتماعية، ممَّا جَعَلَ ثقافة العَّيْبْ مُهَابَة أكثر عند الأجيال الشابة من ثقافة النهي عن الديكتاتورية والغيبة والنميمة، ولكن هل هناك عيب أكبر وأشنع من أن تكون ديكتاتور وطاغية عصرك سواء كانت ديكتاتورية أسرية أو سياسية أو إجتماعية أو ثقافية.

من هنا نَؤَكدْ أن صناعة طاغية (ديكتاتور) في المجتمعات الإنسانية في أي مجال من مجالات الحياة تبدأ من حصوله علي سلطة ما ثم يدخل هوى النفس ليوجه هذه السلطة التي اكتسبها بصورة تنتهك حقوق وحريات الآخرين وتوظيف الممتلكات والموارد العامة لتحقيق مصالح وأهداف الطاغية وحاشيته. فهل الحل يكون في تحديد الأهداف ثم وضع قوانين لنفسك كخطوط حمراء لا تتجاوزها قبل حصولك على سلطة أي منصب قيادي في أي مؤسسة؟ اسأل نفسك؟

فما هي إذن الديكتاتورية (الطغيان)؟

الديكتاتورية (التي سُميت هكذا في الأدبيات السياسية والاستراتيجية) هي نفسها الطغيان (في مصدر التشريع الإسلامي = القرآن الكريم) وتعني «إساءة استخدام السلطة بمجرد الحصول على منصب قيادي ثم دخول هوى النفس كمُوجّه لها ليحقق مصالح شخصية ومصالح الحاشية اللصيقة سواء كانت حاشية حزب سياسي أو حاشية مذهب ديني أوحاشية حركة طائفية أوحاشية قبيلة (متبعين رأس القبيلة) أوحاشية عسكرية أوحاشية في شركات ومؤسسات الخدمة وتسويق المنتجات، وهذا يؤدي إلى تجاوز الحدود الحمراء مما يَحرم الناس من الحقوق العامة المكفولة دينيًا وقانونيًا وإنسانيًا (مثل حق التعليم والسكن والتوظيف والعلاج) وانتهاك حرياتهم (حرية الاعتقاد والعبادة، حرية المشاركة السياسية، حرية التعبير والتفكير … إلخ) والعدوان عليهم جسديًا وفكريًا ومعنويًا بأدوات الإكراه مثل الأجهزة الأمنية الغاشمة وأمثالها التي تتبع للأنظمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد