قديما كانت كلمة “ديكتاتورية” تطلق على الأسرة أو الطبقة الحاكمة أو الأرستقراطية، فكانت تسمى “ديكتاتورية الأسرة المالكة” أو “ديكتاتورية الطبقة الحاكمة” وكانت تواجه كل ديكتاتورية بالفكر، حيث تأتي فكرة يجتمع العامة حولها تكون ضد الديكتاتورية، حتى تسقط هذه الديكتاتورية. تطورت بعد ذلك الديكتاتورية وأنجبت واحدة من أعتى وأغرب الديكتاتوريات في تاريخ البشرية، وهي “ديكتاتورية رجال الدين”، وقد تجلت في أزهى عصورها في العصور الوسطى تحت حكم الكنيسة في أوربا. وكعادة أية ديكتاتورية أخذت وقتها، ثم أزيحت أو توارت؛ حيث إن أيا من الديكتاتوريات لم يمت، بل انحصر فقط في منطقة محددة.

ومع مرور الزمن، وحيث إن عادة البشرية هي صنع ديكتاتوريات يرث بعضها بعضا، أنجب هذا الموروث البشري أحدث أبنائه، والذي أراه الآن، وقد وصل إلى مرحلة الشباب، وقوة العنفوان، وقد أسميته “ديكتاتورية الفكرة”.

 

إذن ما هي ديكتاتورية الفكرة؟ وكيف تختلف هذه الديكتاتورية عن سابقاتها؟

في كل الديكتاتوريات السابقة كان من يتحكم بها أشخاص بعينهم، وذووهم وأقرباؤهم، وطبقة من الناس، كانت ترى في نفسها أنهم أعلى من غيرهم، حتى إن بعضهم كان يظن أن دمه أزرق اللون، وليس كباقي البشر ولا حتى سائر المخلوقات، ووصل بعضهم إلى الظن أنه “إله” يجب على البقية أن يعبدوه.

وكانت هذه الديكتاتوريات تمر بحالة النشأة، ثم البلوغ، ثم الموت سريعاً، ليحل محلها أخرى، ترث نفس المعتقد تقريبا، مع بعض التعديلات الهامشية، والتي لا تكون كافية لتغيير الأمور. كل ما كان يتغير هو الشخص أو الفئة التي تستعبد البقية، بالاستعانة بطبقة العوام، ثم ما يلبث الديكتاتوريين الجدد في الدوس على رقاب العامة مرة أخرى، وإرجاعهم لحالة العبودية التي كانو عليها من قبل. كانت هذه الديكتاتورية، رغم أنها تكتسب في وقت من الأوقات قوة رهيبة، لكنها كانت ضعيفة، حيث يكفي لإزاحتها إزاحة الشخص الذي يتحكم بها، إما بالقتل بفعل ثورة، أو غير ذلك، أو في بعض الأحيان بموته، بدون تدخل بشري، لا بثورة ولا بغيرها.

ثم أتت ديكتاتورية رجال الدين، والتي استفادت من سابقاتها، بحيث إن الأمور نُسبت إلى الله، لا لبشر عادي، وكان هذا هو الجوهر، فأصبحت فكرة أن تقوم ثورة غير واردة، حيث إن في الظاهر يكون من بيده الأمر هو الله، الخالق فلا يقبل العقل فكرة أن تقوم ثورة على الله الخالق الذي وهب الحياة. ولكن مع تطور العلم، وبالتالي تطور العقل، أدرك الناس ـ بعد فترة ليست بالقصيرة ـ أن الله لم يكن ليوكل بشرا عنه لإدارة شئون باقي المخلوقات، وأنه سبحانه هو الوحيد القادر على أن يقول للشيء كن فيكون. ساعد على هذا الإدراك تطور العلم، وبما أن هذه الديكتاتوريات كانت تتمسك بنصوص جامدة تدعي أنها منسوبة إلى الله، وقد أتى العلم ليثبت عكسها، وعدم صحتها، ومع الإدراك المتزايد من قبل العامة تهاوت هذه الديكتاتورية كما تهاوى غيرها، وأصبحت الحاجة مُلحة لنشوء ديكتاتورية من نوع جديد تناسب عصر العلم وتختلف عن سابقاتها. في هذه الفترة نشأت أفكار جديدة، أهمها “الراسمالية” و”الاشتراكية” وكانتا لهما دور بارز في نشوء ديكتاتورية جديدة هي “ديكتاتورية الفكرة”، والتي سنحاول تناول أهم جوانبها وفلسفاتها في المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد