إن أول نقد للسلطة من قبل الشعب هو بمثابة استنهاض لـ«نعم» الإيجابية، على «لا» السلبية، من «لا» السكون والخرس الجماعي، إلى «نعم» الحركة «القوة الفاعلة» لدى الشعب على حساب السلطة التي «تفعل به» أو «ينفعل بها».

ومن هذا المنطلق لابد من إبقاء الجمهور غير قادر على فهم التقنيات والأساليب المستعملة من أجل السيطرة عليه واستعباده.

وعلى مدى السنوات الخمسين الماضية ، نتج عن التقدم السريع في العلوم اتساع للفجوة بين معارف العامة وتلك التي تملكها وتستخدمها النخب الحاكمة، لقد تمكن «النظام» من معرفة الأفراد أكثر من معرفتهم لذواتهم. وهذا يعني أنه في معظم الحالات، يسيطر «النظام» على الأشخاص ويتحكّم فيهم أكثر من سيطرتهم على أنفسهم.

إذن كيف تمارس السلطة قبضتها على «الشعب»؟

العبـودية المختارة: كيف يتبرمج الشعب على الطاعة؟

العلاقات السياسية الحقة هي تلك التي لا تنبني على الطاعة والوفاء والولاء للحاكم، بل تشترط الوعي والحرية وهو ما ينعدم حقيقة في أنظمتنا السياسية.

يذهب إتين دي لابويسي ـ مؤسس علم السياسة الحديث – إلى أن الطغاة ثلاثة أصناف، البعض منهم يمتلك الحكم عن طريق انتخاب الشعب، والبعض الآخر بقوة السلاح، والبعض الثالث بالوراثة المحصورة في سلالتهم وفي هذا القول صورة لما نحن عليه داخل كهوفنا.

ويتساءل لابوسي إن كان ثمة دوافع نفسية ما تدفع الناس إلى القبول بالعبودية والطاعة.

ويقول لابوسي: «هذا العدو الذي يسودكم إلى هذا المدى، ليس له إلا عينان ويدان وجسد واحد، وهو لا يملك شيئًا فوق ما يملكه أقلكم على كثرة مدنكم، إلا ما أسبغتموه عليه من القدرة على تدميركم».

ثم يذكر في مدى سذاجة إعطاء السلطة المطلقة للحاكم من قبل الشعب:

«أن يحتملوا أحيانًا طاغية واحدًا، لا يملك من السلطان إلا ما أعطوه، ولا القدرة على الأذى، إلا بقدر احتمالهم الأذى منه، ولا كان يستطيع إنزال الشرِّ بهم لولا إيثارهم الصبر عليه بدل مواجهته».

ويرجع «لابويسي» إلى البحث في الطبيعة التي أظهرت في نظره اختلافات وتمايزات بين البشر من حيث قدرتهم وكفاءتهم العقلية، ومن ثمّ فهو يقسم الشعوب إلى شعوب متحررة وأخرى مستعبدة ترضى بالطغيان وتستسلم له وتتكيف معه.

تجربة الانصياع والطاعة لميلغرام

كان الهدف من التجربة قياس مدى استعداد المشاركين فيها لإطاعة سلطة تأمر بتنفيذ ما يتناقض مع ضمائرهم. أعد التجربة عالم النفس الأمريكي ستانلي ميلغرام، وفيها تم جمع المشاركين من خلال إعلان نشر في إحدى الجرائد لطلب أفراد للمشاركة في دراسة تجريها إحدى الجامعات، كان المشاركون عبارة عن مجموعة من الرجال ما بين 20 ـ 50 عامًا ينتمون إلى مختلف المستويات الاجتماعية والثقافية.

طريقة إجراء الاختبار

في الاختبار 3 شخصيات، المشارك، وممثل متطوع (لا يعرف المشارك بأن الأخير ممثل)، والمشرف الذي يمثل (السلطة).

  • المشارك يقوم بدور المعلم، والممثل يقوم بدور المتعلم.
  • يسأل المعلم مجموعة أسئلة، إذا أخطأ المتعلم (الممثل) في الإجابة على أي منها، يتعرض لصعقة كهربية بقوة 45 فولت، وكلما أخطأ في الإجابة كلما زادت قوة الصعقة (في الحقيقة لن يتعرض الممثل لأي صواعق وَكل ما سيفعله هو التظاهر بالألم).
  • يتم تعريض المشارك (المعلم) لصعقة كهربائية بشدة 45 فولت كنموذج للصدمة التي سيوجهها للمتعلم (الممثل) عندما يخطئ .
  • أثناء الاستعداد للتجربة يصرح (الممثل) بأنه يعاني من مشاكل قلبية، لكنها ليست خطيرة.
  • بعد عدة زيادات في شدة الصعقة يبدأ الممثل (المتعلم) بالضرب على الجدار الفاصل بينه وَبين المشارك عدة مرات وَيشتكي من الوضع الصحي لقلبه.
    إذا أبدى المشارك (المعلم) رغبته في التوقف، كان (المشرف) يوجه إليه سلسلة متتابعة من التنبيهات، وفق التسلسل التالي:
    الرجاء الاستمرار.
    الاختبار يتطلب منك أن تستمر، استمر رجاء.
    من الضروري أن تستمر.
    ليس لديك خيار، يجب عليك الاستمرار.
  • إذا أصر المشارك على رغبته في التوقف، يتم وقف الاختبار، وإلا فإن قيامه بتوجيه الصعقة ذات الشدة 450 فولت يعتبر جرس النهاية للاختبار، ومع تنفيذ المشارك لها يتم التوقف.

لقد حاولت الدراسة أن تجيب عن السؤال: «ما كمية التعذيب التي يكون الناس العاديون على استعداد لإنزالها بشخص آخر بريء تمامًا حين تأمرهم سلطة ما بتنفيذ هذه العملية؟!».

وقد جاءت النتائج صارخة ومخالفة لكل التوقعات. وكشفت أن الناس يستجيبون للسلطة بسهولة وانجراف حتى لو كانت مجرد سلطة علمية مهما كان العمل ظالمًا وشنيعًا، وكما يقول روبرت شيالديني في كتابه (التأثير): «لم يكن هناك أحدٌ مهيأ لتوقُّع أنماط السلوك التي أسفرت عنها التجربة بالفعل!»، إن الناس ينقادون للسلطة بتلقائية قوية تجعلهم لا يُحسون بهذا الانقياد فهم ينجرفون مع تيارها بسهولة وانسيابية ودون أي تردد أو تمنُّع، وبذلك تختفي قدرتهم على المراجعة وتغيب إمكانات التساؤل فيبقون مطمئنين لسلامة ما يؤدونه من عمل ولا يخطر على بالهم عرض الفعل على محكمة الضمير، فالإجراء في نظرهم مدروس من العارفين ومقرر ممن هم أعلم وأحكم وأعدل.

لقد أدهشت هذه النتائج كل من كان له ارتباط بالبحث، وكما يرى مليجرام: إنها تتعلق بإحساس عميق بالواجب نحو السلطة متأصِّل فينا جميعًا، فنحن مدرَّبون منذ الولادة على أن الطاعة للسلطة صواب وأن عدم الطاعة خطأ، إن استجابتنا هي رد فعل وليست ثمرة التفكير والتروي لذلك فهي تأتي بشكل انسيابي وبتلقائية.

إن الناس في الغالب يرون أنه لا مجال لمناقشة ما تصدره السلطة من تعليمات وَينظرون إليها بالكثير من المهابة والإجلال الذي يصل أحيانًا حد القداسة، لذلك يتسابقون على التنفيذ لأنهم لا يتوقعون الخطأ ممن يملك إصدار الأوامر، وكلما قويت سلطته زادت الثقة بصواب آرائه وأفعاله، ويكون الناس غير معتادين على التساؤل والمراجعة. فإذا أضيف لكل هذا أن تكون الأوامر صادرة من سلطة دينية أو باطشة مخيفة لا تخضع لقانون ولا تخاف المحاسبة فإن الإذعان لفعل ما تأمر به أو ترغب فيه وتريده يكون أسرع مما نتخيل، بل يتطوَّع الأتباع بفنون من الإذلال والأذى للمغضوب عليهم لا تخطر على بال صاحب السلطة نفسه إمعانًا في إرضائه.

وقد تناول فيلم  Experimenter 2015حياة عالم النفس الأمريكي ستانلي ميلجرام (بيتر سكرسجارد)، ومجموعة التجارب العلمية التي تتعلق بالإخضاع والإذعان.

تصورات اجتماعية عن دور الوسيلة الإعلامية في صناعة «اللاوعي الجماهيري»

يورغن هابرماس: الإعلام وصناعة الرأي العام من كتاب حراس السلطة تأليف: دافيد إدواردز.

يشتهر الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هابرماس بأنه هو من نحت مفهوم «المجال العام»، ويمثل المجال العام حلبة النقاش العام التي تدور فيها المساجلات، وتتشكل فيها الآراء والمواقف حول القضايا التي تجسد اهتمامات الناس وهمومهم.

في نظر هابرماس، بعد انتشار وسائل الإعلام الجماهيرية  أوشك النقاش الديمقراطي على الاختناق، وأصبح الإعلام يقوم بدور صناعة الرأي العام عن طريق الاستمالة والتلاعب والسيطرة المفروضة عليه، فغدا النقاش العقلاني المفتوح مهيمنًا عليه ورهينًا بالمصالح التجارية والاقتصادية بالدرجة الأولى.

 

القاعدة الخامسة: يؤكد «هاريس» مؤلف كتاب أنا بخير أنت بخير، أن 62% من الناس هم ضحايا لسلطة أخرى يستمدون منها قراراتهم، فقد فرضت الدراسة علينا احترام السلطة عندما كنا أطفالاً صغارًا، وهي السلطة المتمثلة في الأب، ورجل الأمن، وسائق الحافلة، ومدير المدرسة، والخطيب، والأشخاص البعيدين عنا الذين يظهرون في وسائل الإعلام، حتى إن ردة فعل كثير من الناس عند ظهور هذه الشخصيات السلطوية هي ردة فعل آلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد