عن العلاقة الطردية بين الشعارات وديكتاتورية السلطلة

اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي موجة من صور (الكوميكس) الساخرة، حيال العربات التي غزت شوارع المدن المصرية، باثّة الأغاني الوطنية بقصد رفع الروح المعنوية للمصريين في مواجهة فيروس كورونا العالمي، بينما واجه مشفى للحجر الصحي بالقليوبية العديد من مكبرات الصوت تشدو  بالأغنيات الوطنية للمصابين بفيروس كورونا من أجل الغرض ذاته، وفق ما صرحت به رئيسة المدينة، مضيفة: «كان له أثر إيجابي كبير».

تحيا مصر

منذ عدة سنوات، وتحديدًا بعد أحداث الثلاثين من يونيو (حزيران) لعام 2013 والتي أطاحت الرئيس المصري المنتخب، بدأت الشوارع والميادين العامة والمرافق الحيوية للدولة تكتسي واجهة جديدة، وبدأ يظهر في كل ركن في مصر الشعار الوطني المختار «تحيا مصر»، على كل جدار، وكل لافتة، وحول كل ميدان، وأعلى كل طريق، وأسفل كل جسر، وعلى جداران كل مدرسة، وعلى بوابة كل مرفق عام أو مصلحة حكومية، وعلى جنبات كل وسيلة نقل عام، وكل مشروع طالته يد الدولة أطل فوقه الشعار، الذي يحتوي على دعم معلن للنظام الحاكم الحالي من خلال تبني الرئيس المصري له في حملته الانتخابية – هكذا سميت – أو تأكيده عليه في معظم خطبه وكلماته المذاعة تلفزيونيًّا، وبالأمس لفتتني لقطة من أحد المطارات الدولية المصرية حيث كان الشعار قابعًا فوق العديد من اللافتات.

حضرني أمام هذا المشهد اللافت صورة العراق، تحديدًا عراق صدام حسين ما قبل الغزو الأمريكي في عام 2003، حيث كانت وبامتداد فترة حكمه تكسو الشوارع صورته، وترفل اللافتات باسمه، وبمختلف عبارات التأييد والتمجيد، في كل ميدان وكل شارع وبين جدار وجدار كانت تبرز صورته، التي كانت الصورة الأبرز التي تبقى بذاكرتك حيثما مررت بالعراق، بينما كانت الجملة الأبرز: «الموت للخونة».

لا يعرف معظمنا عن بلد مثل كوريا الشمالية الكثير، باستثناء صور الديكتاتور الصغير وأبيه، وتجارب الصواريخ، فلا شيء يدخل أو يخرج من البلد المنعزل سوى ما يمليه الرئيس، لكنك ورغم كل هذا التعتيم تستطيع ببساطة تحديد الميادين العامة في كوريا الشمالية عن سواها، لا لسبب؛ سوى صورة كيم يونج أون أو تماثيل أبيه، ففي حين يغني الجميع باسم القائد ويبرهن المواطنون على ولائهم من خلال امتثال للأوامر العسكرية المشددة في شتى مناحي الحياة والمعيشة، لا يخلو ميدان مهم من شارة انتماء للقائد الهمام.

ببساطة، يرجع هذا التشابه المهم بين مظاهر الديكتاتوريات في مختلف البلدان والثقافات لسبب رئيسي، وهو تطابق الديكتاتوريات مهما كانت نوعيتها أو مرجعيتها، في كثير من الأمور البنيوية في مشهد مذهل، فبالإضافة إلى حاجة الديكتاتورية إلى ديكتاتور وصوت أوحد وعنوان بارز يمكن عرضه بالبنط العريض، تشترك جميعها في حاجتها الدائمة إلى عدو، ولو كان رمزيًّا؛ للوصول إلى هدفها الدائم في التجييش والحشد ورفع حالة الطوارئ، وكذلك خلق عقيدة قتالية للجماهير للتعبئة تحت رايتها، ولذا يستحيل أن تجد ديكتاتورية على وجه الأرض دون عدو حقيقي، أو مختلق، أو حتى رمزي.

فهم الإخوان المسلمون في مصر، ومن ثم الإرهاب الملحق بهم، وكذلك كانوا في أيام الراحل جمال عبد الناصر، الذي شهد زمنه حشدًا من الأعداء، فإسرائيل، والإخوان، والرجعية، والإمبريالية، وأعداء الاشتراكية، والملكيون، كانوا أعداء دائمين على مائدة السلطة لحشد أكبر قدر من التعبئة، وتجييش الرأي العام وتوجيهه، بينما في كوريا تجد أمريكا وأعداء الشيوعية وكوريا الجنوبية، وفي العراق كانت إيران ومن ثم أمريكا، وأعداء الشيوعية والثورة في الاتحاد السوفيتي، ومثلهم في الصين الشيوعية، أما في البرازيل العسكرية كان الإرهاب واليساريون والمخربون أهم أنواع الأعداء، بينما في فنزويلا كانت العولمة والليبرالية والإمبريالية الأمريكية ضيفًا متجددًا على قائمة الأعداء، وفي ألمانيا كان أعداء العرق الآري وغيرهم من أهم الحضور في شعارات هتلر وخطبه النارية، وهكذا بطول القائمة وعرضها.

أوان الديكتاتورية:

وفي ملمح آخر مهم يؤكد النظرية السابقة، هي أنه وللمفارقة تكون أكثر الظروف المواتية واللحظات المناسبة لقيام ديكتاتورية، هي فترة ما بعد الثورات أو القلاقل الكبرى والتغيرات المفاجئة في المجتمعات، والتي ربما كان طلبها الأكبر أو محركها هو القليل من الحرية، ورفض مبدأ الظلم والاستعباد، وهذا لا يكون أبدًا دون مبرر.

وإنما بسبب توفر الظروف المثالية لقيام ديكتاتورية بقليل من الجهد المنظم، ففي ظل توفر المناخ المضطرب وغير المستقر، ووجود العدو المتمثل في المتربص الخارجي، أو بقايا النظام المخلوع، وفي ظل انتشار الخوف والقلق المجتمعي، ورغبة الجماهير العاطفية بالاستقرار، وقصر نفسهم للتغير، وانعدام تحمل تبعاته وتدرجاته، يكون الديكتاتور هو أقرب المرشحين المحتملين لملء هذا الفراغ، من خلال الأسباب المذكورة آنفًا، بالإضافة إلى الوحشية والسرعة غير الطبيعية التي يظهرها الديكتاتور، والتي تناسب المزاج الثوري وغير المستقر، والتي يراها الرأي العام بخيالاته الحالمة على أنها مقومات نجاح بدل إدراكها على حقيقتها.

والتي غالبًا ما تكون نواقيس خطر، فالذي يعد بالقضاء على الخصوم بسرعة وتطهير الوطن منهم بأي وسيلة، وتحقيق الرغبات المتطرفة، وبناء المجتمع العملاق بسرعة البرق، مع لمسة الشعارات الشمولية البراقة، دون تفهم لحتمية الاختلاف، ولزوم التدرج، وأهمية الحوار والتفاهم، وأبجديات التعاطي مع الواقع السياسي المتشابك لتحقيق تطلعات الجماهير، هو في الحقيقة ديكتاتور أكثر بكثير من رجل يحمل أحلام الحرية والانفتاح.

هو الرجل الذي من الممكن أن يحقق كل ما وعد به لكن بديكتاتورية أكبر؛ يمكن أن يصبح فيها أي شيء ذا قيمة سوى الإنسان، ومن هنا يبدأ دمارها، ذلك أن هذا الجزم القاطع والإيمان بالتغيير الجذري السريع، والأحلام المجنونة الشاهقة، والرغبة في القضاء النهائي على الخصوم، والإقصاء التام، هي في الحقيقة أعراض مزاج ديكتاتوري وطابع متطرف داخل أي شخص.

والأمثلة على ما سبق أكثر من أن توجز، ففي فرنسا أول ثورات التاريخ الحديث، وقعت البلد الثائر ضد الظلم والديكتاتورية الملكية في شراك نابليون وديكتاتورية أفكاره وأحلامه، التي نجا من ميراثها بعد معاناة وصراع طويل حتى بعد وفاته، وفي روسيا ضرب الحكم بعد الثورة البلشفية التي كانت بالأساس ضد استبداد القيصر ورجاله وديكتاتورية الإقطاعين، أفظع الأمثلة على الديكتاتورية الثورية، والتي دفع ثمنها الملايين من أرواحهم وما زالت حتى يومنا هذا تعاني آثاره.

وفي ألمانيا التي خرجت محطمة من تحت أنقاض الحرب العالمية الأولى، وقع الجماهير في شراك أوهام ووعود هتلر الذي كان النموذج الأسوأ لحجم المعاناة التي يمكن أن يتسبب بها ديكتاتور لا لوطنه فحسب، بل للعالم أجمع، وفي مصر وكذلك الجزائر، اللتين انحدرتا بمنتهى الانسيابية في براثن الديكتاتوريات العسكرية بعد نضال طويل مرير ضد الظلم والاستعمار وديكتاتورية المحتل، كانت أحلام عبد الناصر في مصر، وبومدين في الجزائر ونهجهم الديكتاتوري أهم العوامل التي أدخلت القطرين في متاهات وأزمات لا نهاية لها.

ولا تتوقف أهمية التجييش والحشد الشعبي بالنسبة للديكتاتور من خلال خلق شعار جامع تنضوي تحته كل المرحلة، ويصبح منبع كل فعل ومرد كل رأي على ما سبق فقط، بل تعدو أهميته أيضًا إلى التخفف من الأخطاء، والتخلي عن تحمل مسؤوليتها وتبعاتها من خلال تحميلها للعدو المتربص.

والذي يحق لك بعد أن تصمه بكل التهم أن تعلق عليه كل الأخطاء، وتفتش عن بصماته في كل الجرائم والكوارث، وتعد هذه العملية بالغة الأهمية بالنسبة للديكتاتورية؛ ففي حين يضع عن كاهلها وزر أخطائها وضرورة دفع باهظ ثمنها، يطلق يدها في المقابل في عقاب أعدائها كيف كانوا، بمباركة الرأي العام وإرادته، وهذا ما يسمى تحديدًا بالتجييش، تريد أدلة على هذا؟ لا بأس. خذ كل الأمثلة السابقة وطبق عليها ما سبق، واكتشف النتيجة بنفسك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تحيا, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد