“المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم ويحكم بهواه لا بشريعتهم” عبد الرحمن الكواكبي 

 

ثمة نماذج إنسانية تسرق منك أنفاسك انبهارًا. مهما كان طيفك مهما كانت قناعاتك لن تملك أمام حكاياهم إلا التوحد فيها. تخبئ حكاياهم في دفاترك وتخبر نفسك أنك ستحكي عنهم يوما. سترد ما دانت لهم به روحك وما علق منهم بك. ستحكي علك تلقى أولئك الراحلين يومًا. علّ كلامك ودعاءك يصل إليهم في عليائهم. ستحكي علك تشفى من ملاحقة أطيافهم.

عن أمينة قطب سأحكي

وحين يذكر اسمها تتشابك خيوط حكايتها، هي أمينة المسجونة بالسجن الحربي كمحاولة للضغط على أخيها سيد قطب السجين السياسي وقتها، وهي أمينة التي حين قال لها أخوها أترضين لي أن أخون أبت؟ وهي أمينة الكاتبة ذات اللغة العذبة والإحساس الطاغي، وهي أمينة التي ارتضت أن تربط مصيرها وأيامها القادمة بسجين محكوم عليه بـ 25 عامًا قضى منها 5 وبقيت له 20 لم تعلم هي أو هو هل سيقضيها كاملة أم سيوافيه الأجل أو الفرج. وهي أمينة الزوجة المحبة التي التأم شملها بعد سنين عذاب، وهي أمينة الأرملة لشهيد مقتول غدرًا داخل السجن، وهي الخنساء حين ترثي زوجها وهي الجميلة في كل الحالات.

ودفنا الشوق في أعماقنا

حين سجن الداعية كمال السنانيري الذي اختار لنفسه حياة يرتضيها رغم أنه لو ارتضى الدعة لوجدها حكم عليه بالمؤبد وضغطت المخابرات على أهله وزوجته حتى طلقت منه. لم يعلم حينها أنه سيرزق زوجة تقول عنه ودفنّا الشوق في أعماقنا ومضينا في رضاء واحتساب. لم يعلم حتمًا أنه هو الذي ما عرفته أمه في جلسة محاكمته من أثر التعذيب سيلقى من تتحمل كل عذابات غيابه حتى رحيله الأخير الذي فجعت به. بعد 5 سنوات من سجنه انتقل على إثر أزمة صحية إلى مستشفى السجن حيث التقى بسيد قطب وعرف أمينة ليتقدم لخطبتها. ومهما حاولنا الفهم سيعجزنا أن نفهم أن تربط فتاة نفسها برجل قد لا تراه أبدًا. أرى من الجور الدائم أن نجرد من نحكي عنهم من بشريتهم لنحيلهم إلى أساطير.

 

 

أمينة قطب ستستشف من كل كتاباتها عبق أنوثتها. لابد أنها ارتعبت أن يرحل عنها قطار العمر وهي تنتظر قادمًا لا يأتي، لا بد وأنها خشيت أن يظل يفصل بينها وبين قضبان وحديد. لابد أن مرت بكل التضارب البشري ولكنها في النهاية اختارت. تقول أمينة عن قرارها أنه كان قمة التحدي للحاكم الفرد الطاغية. أراد الحاكم أن يسلبه عمرًا فعوضته أمينة في سنوات قلائل عن عمره بأكمله. أراد أن يسلبه حريته فكان حرًّا بحبه. أراد أن يكسر ظهره بحبسه فقوت ظهره وشدت من أزره. كانت أمينة الوطن حين تنكر للسنانيري وطنه وكانت السكن حين شرد من أجل دعوته. كانت تذهب لزيارته من القاهرة إلى قنا وفي إحدى الزيارات حكت له أخته عما لاقوه من عناء الطريق.

 

فكتب لها برسالة يقول فيها “لقد طال الأمد وأنا مشفق عليكم من هذا العناء وكما قلت في بداية ارتباطنا قد أخرج غدًا وقد أمضي العشرين سنة الباقية وقد يوافيني الأجل وأنا هنا فلك الآن مطلق الحرية في تحديد ما ترينه مناسبًا لمستقبلك ولا أريد أن أرتضي لنفسي أن أكون عقبة في طريق مستقبلك”، لتنتهي الزيارة دون أن يتلقى منها الجواب ولتكن هذه أول مرة تكتب له فيها الشعر وتقول له دعني أشاركك الطريق. أي امرأة تلك التي تختار طريقًا كهذا أي روح امتلكتها أمينة وأي نضال ناضلته؟ من مثلها يخشى المستبد ومن حبها يصنع الأمل والفجر والثورة. وهي المثقفة الناضجة الأديبة والشاعرة، هي التي لم يفلح المجتمع أن يصبغها بصبغته، هي التي جاهرت بحبها حتى تصاغر أمام حبها السجن والسجان. وبعد 17 عامًا يخرج السنانيري وتكون أمينة قد جاوزت الخمسين. ليقر عينه بها وتقر به عينها. ولكن لأن الاستبداد لا يزول ولأن مثل نضالهما لا يمكن أن يخبو يعتقل كمال مرة أخرى ويصفى داخل محبسه. لترثيه في ديوان بعنوان رسائل إلى شهيد لعل أروع ما جاء فيه قصيدة هل ترانا نلتقي:

هل ترانا نلتقي أم أنها كانت اللقيا على أرض السراب
ثم ولت وتلاشى ظلها واستحالت ذكريات للعذاب

هكذا يسأل قلبي كلما طالت الأيام من بعد الغياب
فإذا طيفك يرنو باسما وكأني في استماع للجواب
أولم نمضي على الدرب معا كي يعود الخير للأرض اليباب
فمضينا في طريق شائك نتخلى فيه عن كل الرغاب
ودفنا الشوق في أعماقنا ومضينا في رضاء واحتساب
قد تواعدنا على السير معًا ثم عاجلت مجيبًا للذهاب
حين ناداني رب منعم لحياة في جنان ورحاب
ولقاء في نعيم دائم بجنود الله مرحى بالصحاب
قدموا الأرواح والعمر فداء مستجيبين في غير ارتياب
فليعد قلبك من غفلاته فلقاء الخلد في تلك الرحاب
أيها الراحل عذرًا في شكاتي فإلى قلبك أنات عتاب
قد تركت القلب يدمي مثقلا تائها في الليل في عمق الضباب
وإذا أطوي طويلًا حائرًا أقطع الدرب وحيدًا في اكتئاب
وإذا الليل خضم موحش تتلاقى فيه أمواج العذاب
لم يعد يبرق في ليلي سنا قد توارت كل أنوار الشهاب
غير أني سوف أمضي مثلما كنت تلقاني في وجه الصعاب
سوف يمضي الرأس مرفوعًا فلا أرتضي ضعفًا بقول أو جواب
سوف تحدوني دماء عابقات قد أنارت كل فج للذهاب

إلى تلك التي لم تخجل أن تحب ولم تخف أن تناضل، إلى تلك المنتصرة رغم كل الفجائع، سلامًا طيبًّا وأمنية لقاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد