متابعة لتطور الأحداث...

وصل الحراك الشعبي في الجزائر أسبوعه التاسع، وككل أسبوع يخرج المتظاهرون إلى الشارع للتعبير عن أفكارهم وقول كلمتهم بكلّ أطيافهم واختلافاتهم في هذا البلد الكبير مساحة والغني جدًا بالثروات كغِناه الثقافي تمامًا، لكن مع كل هذا التنوع والاختلاف هل سقط الحراك الشعبي بمرور الأيام في أخطاء؟ وهل سيتجاوزها إن كانت فعلًا أخطاء؟

ما هي المطالب؟

عندما أعلن الرئيس الجزائري السابق عن نيّته في الترشح لعهدة خامسة عبر منابر سياسية مُمثلة في أحزاب الموالاة، خرج المتظاهرون في الجمعة الأولى فعبّروا عن رفض الفكرة جملة وتفصيلًا، رفضًا قاطعًا تسارعت معه الأحداث بمرور الأيام وسط غضب الشارع المتزايد، أحداث الجمعة الأولى جاءت تحصيل حاصل بعد سنوات من الصمت والعزوف الذي مارسه الجزائري باستقالته من الواجهة السياسية، كما كان للاستفزازات المتعاقبة من طرف شخصيات في أحزاب الموالاة تلك دور في خروج المتظاهرين للشارع فقد أبانت خطاباتهم عن عنترية تجعلهم الآمر الناهي الوحيد ومن له كل الحق في صناعة القرار، هذه الشخصيات اختفت سريعًا في جحورها أو ركبت الحراك لاحقًا بعد خروج الرئيس وإعلان عدم ترشحه للعهدة الخامسة، لم يتوقف الأمر هنا بل تعداه إلى إبلاغه الشعب في رسالة عدم نيته الترشح للعهدة الخامسة من أوله وطرح تساؤلات كثيرة حول من قام بكل تلك المسرحية ومن يخيط السيناريوهات يومًا بعد آخر وأسبوعًا بعد أسبوع.

بعد أيام لم يكتف الرئيس السابق بعدم الترشح بل استقال من رئاسة الجمهوريَة وعدّه الأغلبية مكسبًا للجماهير التي خرجت رافضة، وبعد استقالته وصل الحراك مرحلة التشتّت.. رئيس انتقالي مرفوض وحكومة على رأسها شخصية مرفوضة ومجلس دستوري مهمّته السهر على حماية الدستور على رأسه شخصية مرفوضة كذلك وخطاب الشارع يقول: يتنحاو قاع! أي (جميعًا وليس بوتفليقة وحده) هذه العبارة التي قالها الشاب الجزائري سفيان في تدخله على المباشر صارت مطلبًا جماهيريًا انتشر سريعًا عبر الوطن يردّده الصغير والكبير، في هتافات الشارع وتصريحات المتظاهرين.. من هم قاع؟

ضبابية المشهد يومًا بعد آخر

الحراك الشعبي الجزائري الذي ظلّ سلميًا فقدَ بعض قوته بالتضييق الذي فرضته قوات الأمن في الأسابيع الأخيرة على المتظاهرين القادمين إلى العاصمة عبر الحواجز بالمداخل الرئيسية المؤدية إليها كلما اقتربت الجمعة، وما أدراك الجمعة والعاصمة معًا بالنسبة لهذا الحراك.

الحراك الشعبي الذي قال في البداية «لا للعهدة الخامسة» أصبح يردّد لاءات أخرى كلّ مرة متعلقة بباءات: بن صالح، بدوي وبلعيز المستقيل قبل الجمعة التاسعة، قوة الحراك الشعبي الذي انطلق ككتلة واحدة تناقصت، تفرّق المتظاهرون بسبب الشعارات الكثيرة غير المدروسة وشعارات أخرى ساخرَة ساهمت في تمييع الحراك إلى حد ما، لم يعد النقاش حول تحديد أهداف معينة يسعى الجميع لتحقيقها في الواقع وسط العشوائية في الطرح والشعبوية في التنفيذ، النقاشات حول الرايات التي تحمل في المسيرات واليافطات المعلّقة والشعارات التي يرددها المتظاهرون أصبحت كلّها جدالات سلبية وصراعات، أما المواطن البسيط فيحمل فكرة «يتنحاو قاع» أو يرددها دون أن يعلم من هم قاع، ومن هم رموز هذا النظام الذي يطالب الحراك برؤوسهم والتحقيق معهم وتطهيرهم.

هذه الضبابية قد تكون لاحقًا ويلًا على الحراك في حد ذاته لأن الرفض المطلق لن يأتي بنتيجة، فالعمل السليم يكون بـ(خذ وطالب) وما دام الحراك الشعبي غير مؤطّر ولا منظّم، لا يُوجه إلى ما يخدم الجميع ويسير في طريق واحد، سيظل يطالب دون أن يأخذ شيئًا.

وكما قال أحدهم: غدًا يُنتخب رئيس جديد  في انتخابات عامة ويخرج ضده إلى الشارع جهة مما يملك وزنًا وعددًا.. هل نعود إلى الصفر!

هل كان رفض المبادرات.. من أجل الرفض؟

بمرور الأيام وتوالي جمعات الحراك ظهرت بعض المبادرات في الساحة الوطنية أغلبها شبابية، لكن اللاءات التي تم ترديدها في وجه رموز النظام بلغت المبادرات أيضًا، وكلما تم ترشيح شخصية أو ظهرت مبادرة جاءت مجموعة وأبدت رفضها للفكرة أو زرعت الشك في نفوس من يريد الانضمام لهذه المبادرة.

قد يقول أحدهم إن الأمر طبيعي فالشعب ابتعد لسنوات طويلة عن العمل السياسي، أضف إلى هذا كلّه تم تصحير الساحة السياسية بإعلام مارس عمله بمهارة في تحطيم كل الوجوه السياسية الموجودة، وكسر الثقة بين المواطن والسياسيين جميعًا.

لم يعد المواطن يثق في أي حزب أو حركة أو منظمة يواجه أغلب المبادرات التي يراها بعين الشك والريبة تقوده إلى رفض مطلق وتام.

يقول عباس شريفة: لا يمكن أن نؤمن أنّ هناك من يمتلك خطّة مسبقة تتحكم بخيوط الحرب من بدايتها إلى نهايتها، ولكن هناك من يحسن التعامل مع كلّ حدث آنيّ بالتحليل والسبر ورسم الموقف المناسب واتخاذ القرار اللحظيّ الذي يحسن الاختيار في الواقع المتغيّر مع سيرورة الأحداث التي تتولّد من التدافع السُننيّ والتأثير السببيّ.

إلى أين يسير الحراك؟

عندما يفقد المواطن الثقة في الوجوه السياسية والأحزاب إلا من هُم منخرطون طبعًا تكون النخبة هي مرجعه لصناعة الوعي والقرار، رغم أن المثقفين في الجزائر والإعلاميين والكتاب وغيرهم من الشخصيات العامة التي تملك شعبية هي الأخرى لم يسلم بعضها من التهم الجاهزة أو حملات السخرية.

الحراك الرافض للنظام يريد تغييره ويرفض أيّ تأطير أصبح يسير وفق أحداث الأسبوع دون أن يعترف أنه صار بمرور الأيام مكشوفًا ولا يخفي في مرات عديدة أنه أصبح مسيّرًا من طرف الإعلام الأقوى نفوذًا وانتشارًا.

حلقات الرفض ستظلّ متواصلة والصوت يتناقص (حراك الجمعة التاسعة بالعاصمة كان عدد المتظاهرين أقلّ بشكل رهيب مقارنة بالجمعات الماضية) والجهود تضيع هباء في ظل الضبابية والتخوين الذي تشهده الساحة مع الصراعات الأيديولوجية والمشاكل المستوردة المعلبة.

فعندما يطفو إلى السطح قضايا ليست الأهم وتكون في الواجهة على الحراك الشعبي تجاوز ذلك، أمّا عندما يصل الأمر بالجميع في الكتلة الواحد إلى التناطح والصراع ضد ما يسمى العصابة فعلينا أن نعلم مدى هشاشة الكتلة.

هل هو الغرور.. الذي يقود إلى الفراغ

أخبرت صديقي ذات يوم عندما سألني عن الوضع أنني لا أعلم، ردّ بدهشة: وكيف ذلك! أنت تكتب عن الوضع والأحداث ومتابع جيّد.. في ذلك قلت له: لكن الأغلبية تتحدث وتحلل وتناقش الوضع.

خضنا في موضوع نرفض الاعتراف به كذلك أن أغلب الحشود تتفاخر بالسلمية والحضارية وفي الوقت ذاته ترفض التأطير والتمثيل وحتى الإصغاء للصوت الآخر، حتى صوت من هو أقرب إليه في الفئة ذاتها قد ترفضه وكل واحد يجعل فكرته أقوى من مبدأ المعرفة التامة بكلّ الأحداث والمتابعة اليومية لنشرات الأخبار وشريط العاجل وتحليلات الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي التي انفجر منها الحراك.

أما من ناضل سنوات طويلة ضد النظام صار تصنيفه في خانة الركمجة بديهيًا، وإن قال كلمة في حق الحراك قيل عنه «كاشيريست».

لعل خير دليل على هذه الفوضى الخلاقة التي نسير وسطها الجامعة الجزائرية حين تم تقديم العطلة من طرف الوزير المقال تم تمديدها أيضًا من طرف طلبة الجامعات بالغلق والإضراب والمقاطعة بدل اختيار يوم في الأسبوع يكون الحشد فيه قويًا والتنظيم محكمًا يخدم الحراك.

هذا الحراك سيكون أقوى من الجامعة، الجامعة وحدها من يمكن لها إنقاذ الحراك بالعمل الطلابي الشبابي السليم عبر ورشات وجلسات وقت الفراغ وفق كلّ كلية وحدها، ولم تكن وقفة الطلبة التي تزامنت مع يوم العلم إلا شاهدًا على هذا، اتفق الطلبة على صوت واحد وشعارات واضحة قويّة.

أما أن يظل الحراك شعبويًا يسير كلّ أسبوع في واد ويكرّر لاءاتٍ متفرقة رفض المتعنّت فبنسبة كبيرة لن يحقق الحراك أهدافه إذا لم يتم الالتفاف عليه واختراقه وقلب الطاولة على حراك جاء وأشعل الأمل في قلوب الملايين بوطن يحفظ كرامة المواطن وحقوقه، بدولة تحفظ الأمن وتحقق العدالة بتطبيق القانون الصارم الذي يجعل المسؤول موظفًا عند الشعب وليس سيدًا عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد