عملت الولايات المتحدة منذ منتصف الثمانينيات على حسم حربها الباردة مع الاتحاد السوفيتي في آسيا الوسطى، فكثفت جهودها داخل أفغانستان حتى إنها أمدت المجاهدين هناك بالعديد من الأسلحة المتطورة أهمها صواريخ «ستينغر». كان المجاهدون قد أذاقوا السوفيت الويلات باعتبارهم محتلين دخلوا البلاد لمساندة حكومة عميلة. ومن ثم لم يكن للمساعدات الأمريكية التي تأتي عبر باكستان أو للبشر الذين هبوا من كل حدب وصوب؛ وسمح لهم بالعبور لمساعدة إخوانهم أثر في تغيير حسابات المجاهدين الأفغان، ولكنه بكل تأكيد ساعد في حسم المعارك بوتيرة أسرع؛ الأمر الذي أجبر السوفيت على التفاوض مع الأمريكان لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. في 14 أبريل (نيسان) 1988 وقعت اتفاقيات جنيف لتسوية الوضع في أفغانستان، والتي انسحب على إثرها الاتحاد السوفيتي بعد 10 سنوات طوال قضاها تاركًا خلفه حكومة نجيب الله الموالية له، حيث لم تسقط إلا بحلول العام 1992، عقب تفكك الاتحاد السوفيتي. فبسطت الولايات المتحدة بعدها نفوذها منفردة داخل البلاد ووضعت نفسها في مواجهة الشعب الأفغانى.

رفضت فصائل المجاهدين اتفاقيات جنيف أو أى تسوية أممية أخرى تفرض عليهم من الخارج. ولم يتفقوا على شيء إلا تقاسم السلطة من خلال المحاصصة دون وجود خطة واضحة المعالم لاستكمال التحرير عقب خروج السوفيت والتخلص من عملائهم. الأمر الذي أدخلهم في أتون حرب أهلية وصلت رحاها إلى كابول وأشعلت صراعًا قبليًّا مستميتًا على السلطة غذته الولايات المتحدة وجارتهم إيران. في خضم هذه الفوضى تمكن المجاهدون من طالبان – الذين ينتمون لأكبر عرقية في البلاد- من السيطرة على معظم أفغانستان بعد أن رفضوا الاقتتال الدائر وعملوا على توحيد البلاد تحت راية واحدة. راية الإسلام التي توحد وليست راية العرق التي تفرق.

بدت أمريكا حتى هذه اللحظة منتصرة داخل أفغانستان وإن لم تكن قد احتلت الأرض بعد. فالبلد مدمرة، والجميع يتقاتلون وتخيلت أن طالبان التي أضحت تحكم أفغانستان سوف تمتثل لرغباتها، وتحفظ المصالح الأمريكية فقط لتنال اعتراف القوة العظمى في العالم ومن ثم الاعتراف الدولي. انقلب السحر على الساحر وفاجأت طالبان أمريكا، حيث حرصت على استقلال قرارها النابع من إيديولوجية راسخة وهبت نفسها لنصرتها داخل أفغانستان. وعلى ذلك دأبت أمريكا على إثارة القلاقل وافتعال المشاكل بحجة أن طالبان لا تتفاعل بالشكل المطلوب مع منظمات الإغاثة وممثلي المجتمع الدولي، وأنها ترتكب مخالفات «جسيمة» فيما يخص حقوق الإنسان. فساعدت المناطق المتمردة على حكم طالبان فيما عرف بالتحالف الشمالي بقيادة أحمد شاه مسعود؛ الأسد الذى قاتل السوفيت ثم تحالف مع الغرب وقتله تنظيم القاعدة في 2001 قبيل أحداث سبتمبر بساعات.

وجدت الولايات المتحدة ضالتها في أحداث سبتمبر لتشن حربها الضروس على أفغانستان. حيث كانت قد أعدت عدتها لهذه الحرب على أية حال؛ رغبة منها في التخلص من تنظيم القاعدة، ومن ثم حركة طالبان التي تستضيف قياداته وتوفر له ملاذًا آمنًا مكنه من شن هجمات قوية ومتتالية طالت أهدافًا ومصالح أمريكية ضخمة؛ كتفجير سفارتي أمريكا في كينيا وتنزانيا 1998. وعلى الرغم من كون أمريكا قد ردت عمليًّا وسريعًا على الهجومين بعد حدوثهما بأيام من خلال استهداف مناطق في أفغانستان وكذلك استهداف مصنع الشفاء للأدوية في السودان، فإنها كانت قد اتخذت قرارها فعليًّا بالغزو.

دخلت أمريكا أفغانستان فى أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وبحلول ديسمبر من العام نفسه تمكنت وحلفاؤها من إطاحة طالبان من سدة الحكم، وادعى الرئيس الأمريكي وقتها أنهم بذلك قد تمكنوا من القضاء على «نظام» طالبان!

رجعت طالبان سيرتها الأولى، ولكن أمريكا ما عادت ولا رجعت. استقرت الجيوش الأمريكية وجيوش الناتو في أفغانستان وفرضت حكومة موالية تتناسب و«القيم الديمقراطية» الغربية!

مرت السنون. العام تلو الآخر وأمريكا غارقة فى المستنقع الأفغاني والحرب لا تنتهى وطالبان لا تلين، بل انشق عنهم من هم أكثر منهم تشددًا وبأسًا.

فقدت أمريكا في هذه الحرب أعدادًا كبيرة من جنودها وجنود حلفائها في الناتو والتحالف الدولي، كما أنفقت ما يقارب التريليونى دولار للقضاء على «الإرهاب» وتثبيت مشروعها الثقافي من خلال المتعاونين معها. فوجدت نفسها بعد 18 عامًا وقد خسرت أكثر بكثير مما توقعت. فكان لا بد لها من وقفة لتقييم هذه الحرب وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

بدأت إدارة ترامب أواخر 2018 التفكير بجدية في وضع خارطة طريق تصل في النهاية إلى تسوية ترضي جميع الأطراف وتحقق «سلامًا» مستدامًا في أفغانستان. نتيجة لتلك الجهود الحثيثة تم استئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وطالبان منتصف 2019 في الدوحة. وتعود بداية هذه المحادثات إلى العام 2013 عندما استضافت قطر مكتبًا للحركة بهدف الوصول إلى حل«سياسي سلمي» للوضع في أفغانستان!

في الـ29 من فبراير (شباط) 2020 وقعت الولايات المتحدة وطالبان اتفاق إحلال السلام في أفغانستان. وقد وقع الاتفاق زلماي خليل زاد، المبعوث الخاص للأمم المتحدة وعن طالبان وقع الملا عبد الغني برادر، وكان وزير الخارجية الأمريكي شاهدًا على الاتفاق؛ الذي ينص على عدة بنود أهمها الانسحاب الأمريكي التدريجي من أفغانستان مقابل تقديم طالبان ضمانات أمنية محددة. وقد بدأت على أثر ذلك محادثات السلام الأفغانية بين طالبان وحكومة أفغانستان برعاية أمريكية في الدوحة 11 سبتمبر (أيلول) 2020. لم تسفر المحادثات الأفغانية-الأفغانية عن أي نتائج ملموسة وتركت الأمور لتحسم على الأرض. منيت القوات الأفغانية بخسائر فادحة بعد الانسحاب الأمريكي وتخلي أمريكا عن حلفائها الذين خدموا أهدافها لعشرين سنة. بدت القوات الأفغانية كالهشيم تذروه الرياح وطالبان تسيطر على الولايات الولاية تلو الأخرى دون مقاومة تذكر في أغلب الأحيان، حتى سيطرت طالبان على كابول وتسلمت القصر الرئاسي في 15 أغسطس (آب) 2021.

في غضون أسبوعين من هذا التاريخ تمكنت أمريكا بمساعدة حلفائها من سحب وإجلاء المتعاونين معها وكذلك دبلوماسييها وجنودها، حتى خرج آخر جندي أمريكي بنهاية أغسطس وأصبحت أفغانستان رسميًّا تحت حكم طالبان.

تباينت ردود الأفعال حول الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، والتوقيت والطريقة التي اكتمل بها هذا الانسحاب. فقد أدانت الدول الكبرى في أوروبا «الطريقة التي أنهت بها الولايات المتحدة مهمتها في أفغانستان»، وتهميش دور الاتحاد الأوروبى في اتخاذ القرار فيما يخص ذلك الشأن، الأمر الذي فتح باب الخلاف واسعًا بين الولايات المتحدة وأوروبا في العديد من القضايا أهمها استقلالية أوروبا في المناحي العسكرية والأمنية، ومدى قدرتها على الدفاع عن مصالحها وأمنها القومي بمعزل عن أمريكا. وقد جاء انهيار صفقة الغواصات الفرنسية مع استراليا ليؤكد ذلك الخلاف ويزيد من حدة التوتر بين أمريكا وأوروبا.

أما روسيا فترى الانسحاب الأمريكي قد جاء متسرعًا؛ ومن ثم أكدت رغبتها في التنسيق المستمر مع أمريكا فيما يخص أفغانستان لإحلال السلام هناك! وقد أعرب بايدن عن رغبته فى إنشاء قواعد عسكرية أمريكية خاصة في منطقة آسيا الوسطى لكن بوتين عارض بشدة ذلك الأمر، وعرض عليه في المقابل استخدام القواعد الروسية في المنطقة شريطة التنسيق المستمر بينهما.

من خلال ذلك الجدل الدائر بين أوروبا وأمريكا من ناحية وأمريكا وروسيا من ناحية أخرى؛ نجد أن أوروبا وإن اعتبرت أمريكا مهزومة داخل أفغانستان مرة، فإنها تعتبر نفسها قد هزمت داخلها مرتين؛ مرة بعودة طالبان واضطرارها للتعامل والتنسيق معها، ومرة بتجاهل أمريكا لها وتقليص دورها.

أما روسيا فلعلها لا تجد أمريكا مهزومة بقدر ما تجدها مأزومة، وأن عليها أن تستغل الظرف الراهن لإستعادة مكانتها في تلك المنطقة دون أن تغرز أقدامها مباشرة في الداخل الأفغاني بشكل يضعف من موقفها في مواجهة واشنطن. الولايات المتحدة لا تخفي مرارًا وتكرارًا رغبتها في التفرغ للتهديدات الروسية والصينية كما الإيرانية. فالموقف الصيني والإيراني لا يختلف كثيرًا عن ذلك الروسي.

ولا يمكن أن نقيم بموضوعية الدور الأمريكى داخل أفغانستان حتى انسحابها دون أن نعرف كيف تنظر أمريكا إلى الأمر. فالبيت الأبيض والبنتاجون لا ينظرا إلى ما حدث في أفغانستان باعتباره هزيمة. أمريكا ربما تكون قد خسرت كثيرًا في أفغانستان لكنها لم تهزم وفق التصريحات الرسمية. فبايدن يرى أن الحرب في أفغانستان قد حققت أهدافها بالرغم من الخسائر الكبيرة. وأن أمريكا لم تكن ذاهبة لتبني دولة وإنما هي مهمة الحكومة الأفغانية، وقد فشلت في ذلك. أمريكا تريد أن تروج للأمر وكأن الحكومة المتعاونة معها والقوات الأفغانية هما اللذان قد فشلا في مهمتهما، بينما هي نجحت نجاحًا كبيرًا في النهاية بالتخلص من خطر القاعدة وتحييد عدو بحجم طالبان حاربها لعشرين سنة. وأنها بذلك أوقفت نزيف الخسائر الاقتصادية والبشرية واستبدلت جنودها المنشغلين بمحاربة «الإرهاب» في أفغانستان بآخرين من طالبان ترى أمريكا أن لهم مصالح مشتركة معها في ذلك الشأن! وبذلك تكون قد فرغت نفسها لمواجهة أخطار مماثلة في أماكن أخرى إلى جانب مواجهة التغول الروسي الصيني الإيراني بنفس منتعش وذهن صافٍ.

هكذا ترى أمريكا وتريد الوضع الجديد في أفغانستان. لكن ذلك وحده ليس كافيًا لنحدد هل انتصرت أمريكا أم هزمت داخلها. فهناك العديد من العوامل والأبعاد الأخرى داخليًّا وخارجيًّا والتي يجب أن نضعها نحن كعرب ومسلمين في الحسبان لتقييم الأمر. فنظرتنا نحن كما هي نظرة وأفعال طالبان والأفغان هي الأهم. وهذا ما قد يتناوله المقال القادم بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد