مر الـ29 من أغسطس الماضي، حلت الذكرى الخسمون لارتقاء المفكر والأديب سيد قطب الذي أعدم عام 1966 من جراء معارضته لنظام عبد الناصر بعد اتهامه بتدبير محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، تلك المحاولة التي أكد مقربون من عبد الناصر أنها كانت ملفقة ومختلقة للتنكيل بالإخوان تحت غطاء سياسي وتأييد شعبي، وكتبوا ذلك في مذكراتهم.

وكغيري من أبناء جيلي أبناء الثمانينيات، تربينا على سماع كلمة «التكفير» ولم نرها في واقعنا، فقد طالعنا كتابات وشاهدنا أعمالًا فنية تعرض حتى يومنا هذا تلصق تهمة «التكفير» بخصومهم من تيارات الحركة الإسلامية وعلى رأسها الإخوان التي اتهمت بأنها الرحم الذي خرجت منه التيارات التكفيرية، وبالأخص منهم سيد قطب الذي لصقت به تهمة التكفير للمجتمع وتجهيله بالكلية – أي وصفه بالجاهلية -، وتواصلت تلك الاتهامات حتى يومنا هذا بأن جميع تيارات الحركة الاسلامية تواصل تكفير المعارضين والمخالفين لها حتى تجد مبررًا لقتلهم وتصفيتهم.

والحق أنني عندما التحقت بالجامعة كانت نصيحة أستاذ مادة الكتابة الصحفية لنا بأن نقرأ كثيرًا لسيد قطب لنستفيد من الملكة الأدبية التي كانت لديه – محذرًا إيانا من التأثر بفكره -.

وعندما طالعت بعضًا من كتابات قطب وجدت أن كل ما ذكره واتهم به بشأن تجهيل المجتمع إنما هو من قبل «الجاهلية» التي ذكرها النبي – صلى الله عليه وسلم – للصحابي الجليل أبي ذر الغفاري لما عير أخاه بلالًا بأن أمه سوداء فقال له النبي: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، وهو ما فسره أهل الحديث بأن قصد النبي بأن في أبي ذر صفة من صفات الجاهلية والتي كان عليها قبل دخوله الإسلام، ولكن ليس معناها أنه ما زال في الجاهلية الوثنية، وهذا ما قصده سيد قطب.

وعندما تقرأ في شرح الأصول العشرين التي هي أساس فكر جماعة الإخوان، تجد أن أكثر من شارح لها يذكر الفرق بين دار الإسلام –الدار التي يقطنها مسلمون وتحكم بشريعة الإسلام – ودار الكفر وهي التي لا يقطنها مسلمون ولا تحكمها شريعة الإسلام، ويعرّف مجتمعاتنا العربية التي يقطن غالبيتها المسلمون ولا تحكم بالشريعة بأنها دار «دعوة» يقطنها المسلمون ولكنهم يجهلون المعنى الشامل للإسلام ويحتاجون لمن ينشر الوعي بشمولية الدين وحقيقته بأنه دين للبشرية وليس للفقراء من المسلمين فقط، وأن مكان تطبيقه ليس المسجد الذي هو للشعائر لا للأحكام وأن محل تطبيقه هو سائر احتياجات البشرية.

وتابعوا أن هذه الجاهلية لم تخترها الشعوب بشكل متعمد منهم ولكنها غرست فيهم بفعل الاحتلال الذي نشر ثقافته عقودًا في مجتمعاتنا وما أعقبه من أنظمة تلاقت أطماعها مع رغبات الدول الغربية، التي عرفت أن عدوها هو المسلم العامل بدينه والمتمسك بأصوله وثوابته، فأحدثت تلك الغربة بين المسلم ودينه حتى صدق فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم «بدأ الإسلام غريبًا – أي مستغربًا من الناس – وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء».

تلك هي حصيلة ما فهمته من مطالعتي بعض مؤلفات سيد قطب وغيره من شراح الأصول العشرين التي صنفها ورتبها حسن البنا نقلًا عن معلمه رشيد رضا، نقلًا عن محمد عبده بتصرف بالزيادة عن أصول الإسلام الأربعة للأخير.

واليوم ونحن في مرحلة لا نحسد عليها من تاريخ أمتنا، تمر بنا والدماء كل يوم تراق – بدون تفكير – أو تكفير، لم نعد بحاجة للتكفير مبررًا للقتل، فالمنطقة قد شحنت بأفكار تجيز قتل المعارضين، بسبب تحكم الغوغائية في القرارات والمسئوليات لكونهم أصحاب القوة الحاكمة التي تدير المشهد وتتحكم في توجيه المجتمع.

فبعد أن شهدت المنطقة ربيعًا ثوريًا يطالب بالتغيير، انتظرت الأنظمة التي طالبت الثورات برحيلها اللحظة المناسبة حتى انقضت عليها مرة أخرى بعدما أشبعت مواطني المنطقة بالحديث عن المؤامرات وحروب الجيل الرابع وخطط أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية لتفتيت المنطقة من خلال تلك الثورات، وبعدما بثت دعاياتها عن أن الثورات لا تعدو كونها مؤامرات، بقيت المرحلة الثانية من الدعاية بأنه يجب إعدام من قاموا بتلك المؤامرات.

بدون تكفير أو تفكير أصبحت الدماء تراق ليل نهار على جميع الأصعدة، وتواجه بصمتٍ من المجتمع الذي أصيب بحالة من الملل تجاه ما يسمعه بشكل يومي عن القتل والتصفية في مجتمعاتنا، ومؤخرًا انتشرت بين أوساط شبابية عبر مواقع التواصل الاجتماعي تلك المقولة: «شبابنا أصبح القتل ينتظره في كل مكان؛ خرج يحرس الحدود فقتل، خرج يشاهد مباراة فقتل، خرج يطالب بحقه فقتل، خرج يبحث عن عمل فقتل، خرج يطلب العلم فقتل»، وانتشرت في سوريا أنها «بلد فيها شهيد يشيعه شهيد ويدفنه شهيد ويعزيه شهيد».

ملخص ما أردت قوله أن جدلية التفكير من استحلال القتل في بلادنا حطت رحالها بعد أن كشفت أنظمة الحكم الاستبدادية عن وجهها الحقيقي، ومارست القتل وشرعت له للحفاظ على عروشها من الانهيار، ومع أخذها في الاعتبار وجود مظلة قانونية وشرعية للقتل، إلا أن هذا ما بات واضحًا لدى الكثيرين ومسوخًا لدى البعض وهو أن الحكم له «أحكامه» والحفاظ عليه بإراقة الدماء أمر وإن كان غير مقبول من عموم الناس إلا أنهم لا يفكرون يومًا للخروج لرفضه.

وشواهد ما أقول وأزعم هو ما شهدته بلادنا منذ أن خرج الشعب ينتزع حريته فإذا هو يقابل بآلة الحرب والقتل ويقتل دون أن يتم تكفيره، وما زالت آلة القتل تحصد كل يوم في بلادنا دون أن يحتاج قاتلوه إلى مبرر التكفير.

للحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد