في كل عام، في ذكرى حرب أكتوبر 1973 نقرأ مقالات متفرقة على بعض المواقع، أو حتى منشورات على فيسبوك تشكك في انتصار مصر في تلك الحرب، وتدّعي انتصار إسرائيل في المقابل، وقد كثُرت هذا العام!

لن أطيل في هذا المقال لعرض وجهة نظري المتواضعة، فلست محللة سياسية أو عسكرية على كل حال، لكن ما تعلمته من القراءة في الحروب الصليبية وأعلمه يقينًا أن الانتصارات في الحروب أو الحملات العسكرية لا تستلزم استرداد جميع ما كان قد وقع سابقًا في يد الخصم، وهي طريقة التقييم التي يستخدمها من يروجون لادّعاءات إسرائيل بانتصارها في حرب أكتوبر، وإن كان الإسرائيليون أنفسهم يُدللون على نصرهم المزيف باستخدام آليات أخرى كحدوث الثغرة.

ولو كانت طريقة من يقيسون النصر باسترداد كل ما سُلب صحيحة لما اعتُبرت معركة حطين نصرًا للمسلمين، وقد كانت مقدمة عودة القدس وكثير من مدن الشام إلى أيديهم، لأنه وفقًا لهؤلاء فقد ظل للصليبيين تواجدهم في الشام بعدها ولم يُقض عليهم.

حسب علمي فإن انتصار طرف وهزيمة آخر يتحددان في ضوء تحقيق الأهداف لكل منهما.

بالنسبة للطرف الإسرائيلي، لا يوجد عاقل يمكنه إنكار أن حرب أكتوبر مثّلت صدمة للمجتمع الإسرائيلي ككل وليس فقط للجيش الإسرائيلي، وأنه لم يكن من أهدافهم إطلاقًا الدخول في تلك المعركة مع أي من الأطراف العربية على الجبهتين المصرية والسورية، كما لم يستهدفوا فقدان سيطرتهم على الضفة الشرقية لقناة السويس وتحويل السيطرة على القناة بالكامل إلى الجانب المصري. حرب أكتوبر 1973 لم تكن خيارًا إسرائيليًا ولم تفد منها إسرائيل شيئًا، بل فقدت الكثير على المستويين المادي والمعنوي.

وبالنظر إلى حال الجانب المصري في ضوء المتوفر من وثائق، يمكن القطع أن السادات دخل الحرب بوصفه رجلَ سياسة وليس رجل حرب، أي أنه استخدم الحرب وسيلةً ضاغطة لتحقيق مأربه والذي لم يكن أكثر من التفاوض الكامل لاستعادة الأرض وليس تسويات جزئية على مناطق بعينها كما كان الأمريكان يحاولون فرض الأمر عليه. يدل على هذا الخطاب الذي بعث به إلى كيسنجر صباح يوم 7 أكتوبر 1973 قبل انقضاء يوم كامل على بدء المعركة، وهو وثيقة حقيقية ذكرها كيسنجر في مذكراته، وكذا المشير الجمسي في مذكراته، والأستاذ هيكل وغيرهم. ولم يعلم بهذا الخطاب وقتها سوى مستشار السادات للأمن القومي، والذي ذكر أمر هذا الخطاب هو الآخر في مذكراته، فلا وزير الدفاع وقادة الجيش عرفوا به، ولا حتى وزير الخارجية!

في الخطاب أكد السادات أن هدفه هو تحقيق السلام، وتحدث عن استعداده للمشاركة في مؤتمر سلام، كما أكد أنه لا يسعى إلى تعميق الاشتباكات وتوسيع المواجهة؛ بالتالي فالسادات دخل الحرب للضغط من أجل إجراء مفاوضات ولإعطائه قوة أثناء التفاوض، لأنه لم يكن مقتنعًا أنه قادر على استعادة الأرض التي احتُلت بطريق الحرب. مع ذلك فقد كان من أهدافه أيضًا أن يصل إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، ويصل إلى عمق معين يكفيه للسيطرة التامة على القناة، وقد فعل.

بناءً عليه، فقد حقق السادات أهدافه تمامًا من الحرب، رغم أن تلك الأهداف قد تطلبت منه خطوات أخرى إضافية غير الحرب لتتحقق. هذه حقيقة، سواء اتفقنا معه حول صحة ما فعل أو اختلفنا، وهناك الكثير مما يمكن أن نختلف فيه معه، ولعل أبسطه إخفاؤه حقيقة ما ينوي عن رفقائه في الحرب، المصريين منهم قبل السوريين، والذين كان هدفهم مخالفًا له تمامًا، وكانوا يطمعون في استعادة كل الأراضي العربية التي تم احتلالها بقوة السلاح.

لذلك، ولأجل اختلاف الهدف ربما يرى البعض من الوجهة العسكرية أن ما حدث في أكتوبر 1973 كان انتصارًا صغيرًا أو أنه انتصار أُجهض وأُوقف تقدمه فكانت نتائج الحرب بين بين؛ وذلك بناءً على ما كانوا يطمحون إليه، وهذا رأي مع أني أرى عدم وجاهته لأنه يقيس النصر بأشبار الأراضي إلا أنه قد يُسمع له ويُناقش صاحبه، لكن أن يرى أحد أن إسرائيل قد انتصرت لأن مصر استعادت القناة فقط وشريطًا صغيرًا من الضفة الشرقية للقناة، فهنا ينتحر المنطق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد