لقد كانت حادثة إسقاط تركيا للطائرة الروسية “سوخوي 24” في 24 نوفمبر الماضي، لاختراقها المجال الجوي التركي، كافية لإحداث توتر كبير في العلاقات بين البلدين، وهو ما كان له تداعياته السياسية والاقتصادية على تلك العلاقات البينية، والجيوعسكرية والجيوسياسية فيما يتعلق بالأزمة السورية.

كانت كل التوقعات بعد هذه الحادثة تذهب لصعوبة بل استحالة وقوع حرب إقليمية تكون مدخلًا لحرب عالمية بين تركيا وحلفائها وروسيا وحلفائها، وأن مجال الرد الروسي سيقتصر على علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع تركيا، والملف السوري المتأزم.

وهنا لن أركز على التداعيات الاقتصادية لسببين؛ الأول لأن كل دولة تستطيع معالجة هذا الملف بعلاقات اقتصادية مع دول أخرى، فتركيا تستطيع أن تلجأ للسعودية في ملف النفط، ولقطر أو الجزائر في ملف الغاز. الثاني لأن هذا الملف وما يتعلق به من عقوبات اقتصادية روسية على تركيا، سيكون مردوده السلبي ليس على تركيا فقط، بل أيضًا حتى على روسيا، خاصة مع ما يتعرض له الاقتصاد الروسي من أزمة كبيرة وتراجع؛ نتيجة العقوبات الاقتصادية الغربية عليها جراء الأزمة الأوكرانية، وانخفاض سعر النفط العالمي، هذا بالإضافة للتكاليف الاقتصادية التي تتحملها روسيا نتيجة تدخلها العسكري المباشر في سوريا.

يمكن القول أن التداعيات السلبية على تركيا تتعلق أكثر بالملف السوري، وهنا أركز على:

أولًا: قيام روسيا بنشر منظومة صواريخ (إس 400) الدفاعية، والتي تغطي كامل الأجواء السورية، بما يمنع تركيا من شن أي هجمات جوية داخل سوريا، وهو ما يعني أيضًا إنهاء وإحباط أي كلام عن إنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري، وهو مطلب تركي بالأساس.

ثانيًا: لروسيا قاعدة عسكرية بحرية في طرطوس، وعندما تدخلت عسكريًّا في سوريا أنشأت قاعدة جوية في حميميم في اللاذقية، وبعد إسقاط طائرتها أنشأت قاعدة جوية أخرى في منطقة الشعيرات بريف حمص الجنوبي، وهو ما أعطى فرصة أقوى لروسيا في تأمين موطئ قدم لها في المياه الدافئة على ساحل البحر المتوسط، وهو هدف سعت دائما على مر جميع حقبها التاريخية لتحقيقه.

ثالثًا: زادت روسيا من قصفها للتركمان في شمال سوريا، وللمعارضة السورية التي تدعمها أنقرة بما كبدها خسائر كبيرة، وهو ما يضعف موقف المعارضة من ناحية، ويهز صورة تركيا؛ لأنها تنظر للتركمان السوريين كما الأتراك الموجودين بداخل تركيا، باعتبارها المسؤولة عن حمايتهم.

رابعًا: بالنظر لما ذكرناه من استحالة إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا تكون بديلًا للاجئين السوريين عن تركيا وأوروبا وملاذًا لهم بعيدًا عن قصف بشار، ولما ذكرناه أيضًا عن تكثيف روسيا لقصفها للمعارضة السورية وبالأخص قصفها للتركمان السوريين، فإن المحصلة النهائية لتلك الخطوتين هي زيادة موجات اللاجئين لتركيا، وما تحدثه من آثار سلبية اقتصادية على الداخل التركي، خاصة مع احتضان تركيا لأكثر من مليوني لاجئ سوري حتى الآن.

خامسًا: بعد إرسال تركيا لقوات تابعة لها لبعشيقه قرب الموصل، قالت تركيا إن هدفها حماية الجنود الأتراك المكلفين بتدريب قوات البشمركة التي تقاتل داعش، وقد اعتبرت العراق هذه الخطوة انتهاكًا لسيادتها، ومن ثم طالبت تركيا بإخراج هذه القوات فورًا، وقد ذكر أردوغان أنه كان هناك اتفاق بينه وبين حيدر العبادي في العام الماضي على إرسال تلك القوات، بما يعني أن هناك تناقضًا في الموقف العراقي، وإن صح هذا الاتفاق فالتفسير المنطقي له هو الضغط الروسي على العراق؛ لرفض وجود القوات التركية على أراضيها، في محاولة منها لعزل تركيا عن محيطها الإقليمي، كرد على إسقاط الطائرة، خاصة وأن هناك تحالفًا استخباراتيًا بين روسيا وسوريا والعراق وإيران في 29 نوفمبر الماضي.

كل هذه التداعيات السلبية على الداخل التركي اقتصاديًا، والخارج فيما يخص الملف السوري، تيجة حادثة الطائرة، يدفعنا أن نطرح سؤالًا عن دوافع تركيا للقيام بهذه الخطوة، خاصة وأنها كانت تدرك جيدًا أن هذه الخطوة سيكون لها مردودها السلبي خاصة على الأزمة السورية.

فبالإضافة لاختراق المجال الجوي التركي كدافع مباشر لإسقاطها الطائرة الروسية، فإن كلمة السر هنا هي الاتحاد الأوروبي، التي من وجهة نظري المستفيد الأكبر من هذه الحادثة، ففي حين يرى البعض أن حلف الناتو كان أحد الدوافع التي دفعت تركيا للإقدام على هكذا خطوة، بمعنى أنها تدرك أن روسيا ستكون محكومة في ردود أفعالها؛ لأن تركيا عضو في حلف الناتو، فإني لا أستبعد أن يكون الناتو أو الاتحاد الأوروربي هو من دفع تركيا للقيام بهذه الخطوة، في مقابل إعطاء وعود وضمانات لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

في حال كان الناتو أو الاتحاد الأوروربي هو من دفع تركيا للقيام بهذه الخطوة، أو داعمة لها بعد طلب من تركيا، فإن هناك أوجه استفادة للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو من الحادثة:

أولًا: في ظل سعي بوتين إعادة سطوة ونفوذ السوفييت خارجيًا، و فرض نفسه كزعيم داخليًّا؛ لإثبات أن روسيا ما زالت ليست قوة إقليمية فقط بل دولية أيضًا، فإن روسيا رأت في الثورة الأوكرانية، التي أسقطت حليفها (فيكتور يانوكوفيتش) مؤامرة غربية أوروبية، تهدف لتطويقها والعبث في عمق أمنها القومي، وهو ما دفع روسيا للسيطرة على جزيرة القرم، ودعم المتمردين في شرق أوكرانيا، ومنذ تلك الأزمة وأوروبا تحاول كبح جماح هذا التطلع البوتيني، وتحاول كسر هيبته داخليًّا وخارجيًّا إقليميًا ودوليًا، وإسقاط طائرة روسية تحقق الهدف بامتياز.

ثانيًا: منذ فرض دول أوروبا عقوبات اقتصادية على روسيا بسب الأزمة الأوكرانية، فإن تركيا لم تلتزم بفرض هذه العقوبات على روسيا، وظلت هناك علاقات اقتصادية قوية وتبادل تجاري وصل إلى 30 مليار دولار، بما يقلل من فاعلية هذه العقوبات، ويتوقع جراء التصعيد الروسي، تصعيدًا تركيًّا مقابلًّا قد يدفعها لمشاركة دول أوروبا في فرض العقوبات الاقتصادية على روسيا.

ثالثًا: بعد هذه الحادثة ارتمت تركيا في أحضان الناتو، وظهرت حاجة تركيا لدعم الحلف ولو على الأقل سياسيًّا، وأصبحت تركيا في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى للناتو، بما يهدد سياسة تركيا التي اتبعتها مع وصول العدالة والتنمية للحكم، وهي تحقيق قدر من الاستقلالية في سياستها الخارجية عن أمريكا ودول أوروبا، بحيث لا تكون مجرد تابع كما كان ذلك إبان الحرب الباردة، حيث كانت مجرد أداة في يد الغرب لتطويق السوفييت في الشرق الاوسط، فهل تعود تركيا لتلك الحالة مرة أخرى، وتكون مجرد أداة في يد الاتحاد الأوروبي وأمريكا؛ لكسر روسيا وكسر بوتين الذي يحاول أن يفرض نفسه في منطقة الشرق الأوسط؟

لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن تركيا كانت الدولة الأكثر تضررًا من هذه الحادثة، ففي حين استغل بوتين الحادثة التي أوجعته داخليًا وخارجيًا، في تثبيت أقدامه عسكريًا في سوريا بما يضر بالمصالح التركية، فإن الاتحاد الأوروبي من أكثر المستفيدين من هذا الحدث دون أي جهد أو عناء، وبالتالي في الإجابة على ىسؤال المقال، تتوقف على مدى وجود وعود لتركيا من الاتحاد الأوروبي بالانضمام إليه، ثم مدى جديتها ومن ثم تنفيذها، وإلا فإنه من المنطقي أن يكون هناك ندم تركي على هذه الخطوة لأن حسابات الربح والخسارة لا تصب في صالح تركيا تمامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد