«فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ» البقرة:54 [1].

هل أمر الله بني إسرائيل بقتل أنفسهم؟!

هذا هو الرأي السائد في كتب التفسير، ذكره مقاتل[2]، والطبري، قال: (أمرهم بالمراجعة من ذنبهم، والإنابة من ردَّتهم بالتوبة، وأخبرهم أن توبتهم قتلهم أنفسهم، فاستجاب القوم لما أمرهم به)[3]. ثم ذكر آثارا عن ابن عباس وسعيد ومجاهد وغيرهم، وفي كل منها طرف من كيفية القتل وصفته وآلته وعدد القتلى.

وعليه سار أغلب المفسرين: ابن أبي حاتم، والسمرقندي، والبغوي، وابن الجوزي،  والرازي، والقرطبي، والنسفي، والخازن، وابن كثير، والثعالبي، والسيوطي، والشوكاني، والقاسمي، ورشيد رضا، وسيد قطب، والشعراوي، وابن عثيمين، وسيد طنطاوي، والصابوني[4].

والسؤال: علام اعتمدوا، ولم تتضمن الآية تصريحًا بوقوع القتل، ولا ورد حديث صحيح – ولا ضعيف – مرفوع؟ وإنما وردت إسرائيليات مأخوذة عن أهل الكتاب زمن الصحابة، يحدثون عن موسى وبينهم وبينه 17 قرنًا أو يزيد. وهي إسرائيليات لا يمكن ترجيح بعضها لضعفها، ولا الجمع بينها لتناقضها.

ولشهرة هذا التفسير، صار مثلًا سائرًا للمقارنة بين يسر الإسلام وشدة الشرائع السابقة، وكثر استخدامه في كتابات المعاصرين، قال سفيان بن عيينة: التوبةُ نعمة أنعم بها على هذه الأمة دون غيرهها، وكانت توبة بني إسرائيل القتل[5]. قد يكون من السهل نسبة ذلك إلى التوراة، ولكننا بذلك ننسبه إلى الله الذي لم يجعل على الناس في الدين من حرج، ولم يكلفهم شططًا، ولا أرهقهم من أمرهم عسرًا. وننسبه إلى الإسلام الذي بعث به الأنبياء جميعًا، كما ذكر القرآن!

وقد وُجِّه لهذا التفسير انتقادات، تكلَّف المفسرون الرد عليها، منها:

  • سياق الآيات سياق امتنان، فكيف يُمتن بالقتل؟! ورد الرازي بأنه تنبيه على عظم الذنب وما يتخلص به منه، وهو من أعظم النعم، وأنه عدَّد عليهم النعم الدنيوية، وهذا من النعم الدينية، ولم يمكن ذكر التوبة إلا بذكر المعصية، فكان ذكرها من تمام النعمة، فجاز التذكير بها[6].
  • التوبة ندم وهي مغايرة للقتل، والتائب من الردة لا يقتل، وردَّ الخازن بأن توبتهم لا تتم إلا بالقتل، وحي الله لموسى، وقتل التائب من الردة مما تختلف فيه الشرائع، فلعل شرع موسى قتل التائب من الردة، إما عامًا في حق الكل، أو خاصًا في حق عابدي العجل[7].
  • قتل النفس مخالف لحفظها الذي اتفقت عليه الشرائع، ورد ابن عاشور بأنه تشريع لا يكون مثله إلا عن وحي لا عن اجتهاد، فهو يدل على أنه كلَّفهم بقتل أنفسهم حقيقة[8].
  • قال القاضي عبد الجبار: القتل ليس مصلحة للمقتول ولا يأمر الله به. وأجاب أبو حيان بأنه مردود عليه في كتب العقائد، وفيه مصلحة لازدجار غيره[9]. وزاد الألوسي: (ولم يدرِ القاضي بأن لنفوسنا خالقًا – بأمره نستبقيها، وبأمره نفنيها – وأن لها بعد هذه الحياة حياة سرمدية وبهجة أبدية)[10].
  • قوله: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيا [الأعراف:152]. وكيف يصيبهم غضب وذلة في الدنيا وقد قتلوا؟ وأجاب مقاتل بأنه فيمن هرب من القتل[11]!
    وقد حالت شهرة هذا القول وكثرة إسرائيلياته، دون ترجيح غيره واشتهاره، قال الماتريدي: (لولا اجتماع أهل التأْويل على صرفه إلى حقيقته، لم نكن نصرف الأَمر بقتل أنفسهم إلى حقيقة القتل)[12]!

هل من تفسير آخر للآية؟ نعم، ولعلها أولى بالقبول:

الأول: الاستسلام للقتل، ذكره الماتريدي، وأبو حيان الأندلسي، والماوردي، والواحدي، والسمعاني، وسليمان الحصين[13]. قال الماوردي: (استسلموا للقتل، وجعل ذلك بمنزلة القتل)[14] وهذا على سبيل المجاز والتوسع، وعليه لا تحتاج {أَنْفُسَكُمْ} إلى تأويل.

الثاني: تذليل النفس، ذكره الألوسي: (معنى: اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، ذللوا. ولولا أن الروايات على خلافه لقلتُ به تفسيرًا)[15]. والروايات التي منعته من القول به تفسيرًا، إسرائيليات واهية لا قيمة لها. وذكره أيضًا أبو حيان الأندلسي، والبيضاوي، والقرطبي، وأبو السعود، والآلوسي، وقطع به أبو زهرة ولم يذكر غيره: (فابخعوها واجعلوها مطية ذلولًا للعقل والإرادة، واقطعوا شهواتها، والتعبير عن ذلك بقتل النفس؛ لأن النفس الضالة إذا فطمت عن الشهوات كأنها قتلت. وقد أخذت الكثرة من المفسرين بظاهر القتل، ورووا روايات عن بعض الصحابة لم يصح سندها، وبالأولى لم تصح نسبتها إلى الرسول. واستعمال القتل والبخع للنفوس، وإرادة غير الظاهر كثير في كلام العرب، وفي القرآن). وعدَّه رشيد رضا في المجلة وجهًا معقولًا، وإن كان قد جرى في تفسيره على المشهور[16].

الثالث: الإقالة، قال أبو حيان: (قرأ قتادة فيما نقل المهدوي وابن عطية والتبريزي وغيرهم: فأقيلوا أنفسكم، فهو أمر من الإقالة. إن أنفسكم قد تورطت في عذاب الله بهذا الفعل العظيم، فأقيلوها بالتوبة والتزام الطاعة. وأما فاقتالوا أنفسكم، هو افتعل بمعنى استفعل، أي فاستقيلوها)[17]. والقراءات غير المتواترة، تفيد في التفسير كما هو معلوم.

الرابع: تعريض النفس للقتل بالجهاد، قال الماتريدي: (يجوز أن يكون الأمر بقتل أنفسهم أمرًا بمجاهدة الأعداء، وإن كان فيها تلفهم)[18]. ومما ينفي المعنى المشهور بالقتل حقيقة:

  • لم يصرح القرآن بوقوعه، وصرح بقبول التوبة، فقدَّروا محذوفًا، وإذا صح تقدير القتل، صح تقدير غيره من الاستسلام أو غيره.
  • التوبة في القرآن لم تختلف شروطها، منذ آدم إلى محمد عليهما السلام.
  • لا تزر وازرة وزر أخرى، فلا ذنب لمَن لم يعبد العجل ليقتل، كما ذكرت الإسرائيليات.
  • ذكر العفو بعد عبادة العجل مرتين، [البقرة:51،52–والنساء:153]، ولا معنى للعفو مع القتل!
  • وصف الله بني إسرائيل بأنهم أحرص الناس على حياة، ولا يتمنون الموت أبدا، فكيف تطيب أنفسهم بقتل 70 ألفًا بأيديهم.
  • حرم الله عليهم بعض الطيبات بظلمهم، لكن يجب عدم الزيادة على ما أخبرنا به يقينا، مثل قوله: وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهمْ. [الأنعام:146]، والزيادة على ذلك قول بغير علم.
  • عقوبة السامري لم تبلغ القتل، فكيف يكون القتل عقوبة للتائبين؟
  • لم يؤمر الإنسان بقتل نفسه في أي جريمة؛ لأنه تكليف بغير المستطاع، بل قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ. [النساء:66].

وبناء على ما سبق، فما يزال في علم التفسير متسعًا للقول، ولا يحيط بمعاني القرآن عدة تفاسير بالغة ما بلغت، وفي كلٍّ منها لفتات على قدر فتح الله.

وإن تفسير القرآن بالإسرائيليات، ولو لم يظهر فيها للمفسر تجنيًا أو كذبًا، ظنًا أنها من التفسير بالمأثور، خطأ كبير، شوه المعاني القرآنية في كثير من الأحيان، وكثيرًا ما ينقل لاحق المفسرين عن السابق إسرائيليات مردوة من غير تدبر. وهو ما يؤكد حاجة الأمة إلى تفسير يتحرَّر من ربق الإسرائليات، التي جعلت المفسر أسيرًا لها، وغبشت عليه صفاء القرآن ولغته وسياقه. ويجب الاقتصار في ذلك على الصحيح المرفوع، أو ما يدور في إطاره من قول السلف وفق أساليب اللغة.


[1]- النقول بتصرف يسير لضرورة الاختصار.

[2]- تفسير مقاتل بن سليمان (1/106، 107).

[3]- تفسير الطبري (2/72-78).

[4]- انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1/110)، وتفسير السمرقندي (1/53)، وتفسير البغوي (1/118)، وتفسير البغوي (1/118)، وتفسير الزمخشري (1/140)، وزاد المسير لابن الجوزي (1/66)، تفسير الرازي (3/517)، وتفسير القرطبي (1/396)، وتفسير النسفي (1/89)، وتفسير الخازن (1/46)، وتفسير ابن كثير (1/261، 263)، وتفسير الثعالبي (1/238، 239)، والدر المنثور للسيوطي (1/168، 169)، وفتح القدير للشوكاني (1/101)، وتفسير القاسمي (1/306)، وتفسير المنار لرشيد رضا (1/266)، وفي ظلال القرآن لسيد قطب (1/71)، وتفسير المراغي (1/120)، وتفسير الشعراوي (1/343)، وابن عثيمين (1/187)، والتفسير الوسيط لسيد طنطاوي (1/131)، وصفوة التفاسير للصابوني (1/50).

[5]- شرح صحيح البخاري لابن بطال (10/80).

[6]- تفسير الرازي (3/515).

[7]- تفسير الخازن (1/46).

[8]- التحرير والتنوير (1/503).

[9]- البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (1/337).

[10]- تفسير الألوسي (1/261).

[11]- تفسير مقاتل بن سليمان (1/106).

[12]- تفسير الماتريدي (1/462).

[13]- انظر: تفسير الماتريدي (1/464)، وأبو حيان الأندلسي (1/335)، وتفسير الماوردي (1/122)، والتفسير البسيط للواحدي (2/537)، وتفسير السمعاني (1/80)، وملتقى أهل التفسير.

[14]- تفسير الماوردي (1/122).

[15]- تفسير الألوسي (1/261).

[16]- انظر تفسير أبي حيان الأندلسي (1/335)، والبيضاوي (1/81)، والقرطبي (1/401)، وأبو السعود (1/102)، والآلوسي (1/261)، وزهرة التفاسير لأبي زهرة (1234، 235)، ومجلة المنار (6/119).

[17]- البحر المحيط لأبي حيان (1/368).

[18]- تفسير الماتريدي (1/464).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بني إسرائيل
عرض التعليقات