على الرغم من صغر حجمها فإنها تثير عقلك وتجمح به للخيال، تشحن عقلك بعلامات التعجب والاستفهام وأيضًا الذهول، كعادة ستيفان زفايج فإنه يبهرني بحكاياته الغريبة وسرده المشوق وتحليله وتشريحه لعقل ونفس وروح أبطاله، ولقد قرأت مراجعات كثيرة عنها وكل قارئ كان له انطباع مختلف والكتاب مسه في موضوع مختلف وأثارت لدى كل قارئ جزءًا محددًا في شخصيته وتركته في حاله ذهول، وهذا هو دليل عظمة كتابات ستيفان زفايج حيث إنها تصيب الجميع وعلى كل المستويات وجميع العقليات وكافة الأصعدة.

ستيفان زفايج في معظم كتاباته ينتقي كل ما له علاقة بالهوس، الهوس المرضي، الهوس الذي يهوى بعقل صاحبه إلى الجحيم، والهوس في رأيي هو الاهتمام المرضي بشيء معين، او زياده الشيء عن حده، هو خطوه واحده قبل الجنون، أشخاص أصابهم هوس تجاه شيء أو شخص أو حتى طريقة تفكير مختلفة، وقد رأينا ذلك في لاعب الشطرنج واموك والخوف…إلخ من الكتابات المترجمة للكاتب.

هنا أيضا تتن أول موضوع من موضوعات الهوس، ولكن كما تعودنا فإنه عاده ما يكون بطل واحد فقط هو المصاب بالهوس، وهنا سيرى القارئ العادي نفس الشيء ولكن بالتعمق سترى أكثر من شخصية مصابة بالهوس وليس واحده فقط، وهذه هي الخدعة والأمر المبطن، ففي هذه القصة التي لا تتجاوز الخمسين صفحه هناك تعقيد شديد، حيث لا يكتفي الكاتب بتشريح نوع واحد من الهوس، ولكنه حسب ما فهمت ثلاثة أنواع من الهوس واختلال الشخصية، فالنوع الأول الظاهر للجميع هو هوس الجار الجديد فهذا هو الواضح بقوه للقارئ، فشخصيته تتميز بالنشاط المفرط والاهتمام المرضي بأي شيء يستهويه، فابتدأ بزوجته التي أضجرها باهتمامه المتزايد بها ثم مرورًا بالكلب الذي اقتناه انتهاءً بالطفلة الرضيعة، فهذا نوع من الهوس، الاهتمام والتدليل المتزايد للآخرين، فهذا أول نوع من الهوس.

النوع الثاني لا نقدر أن نقول عليه هوسًا ولكن الاضطراب، هو اضطراب الكلب، فقد تحول الكلب بسبب تدليل صاحبة إلى شيء مختلف، إلى شخصية مغرورة متكبرة لا يرضيها أي شيء وتذل صاحبها، هذا هو النوع الثاني، أما النوع الثالث من الهوس فهو السر أو الشيء المبطن الذي غاب عن كثير من القراء ومر من تحت أعينهم دون تدقيق أو فهم.

لكي نشرح هذا النوع من الهوس لابد أولا ان نرى الصورة الكلية، فأولا نرجع إلى عنوان الكتاب، العنوان يقول (هل فعلها؟) وتليها ليبورييلا، وأنا ظننت أول الأمر، أن الناشر أراد إضافه هذه القصة لكي يزيد عدد الأوراق وحتى لا يقل عدد الصفحات عن 100، وكنت أظنها قصة عادية، ولكن بالتدقيق سترى خيطًا رفيعًا يصل بينها وبين القصة السابقة، وهذا هو النوع الثالث من الهوس الذي سأتكلم عنه، هوس الشك وهوس التفكير التآمري والخيال الواسع وهوس مراقبة والتفسير اللامنطقي للأشياء، حيث إن السيدة العجوز تتميز بالمراقبة الشديدة للآخرين سواء كان إنسانًا أو حيوانًا أو أي شيء، وبناءً على هذه المراقبة الهوسية المرضية تبني استنتاجات وأفكارًا مختلة، حيث إنها شكت في أن يكون الكلب هو الذي قتل الطفلة، كذلك في القصة التالية ليبوريلا فإن الشخصية التي ستقفز إلى وجهك هي شخصية الفتاة الغريبة ولكن القصة الحقيقة التي ربما تمر دون أن تلاحظها هي قصة الشك في الآخرين، الشك المرضى، حيث إن السيد شك في الخادمة أن تكون هي التي قتلت زوجته، وهنا الخيط الرفيع بين القصتين وهذا هو ما يربطهما ببعضهما البعض، الشك المرضى أو الشك دون دليل، وهذا نوع من أنواع الهوس ولعله من أسوئها.

ستيفان زفايج تركنا في حيرة في سرده للقصتين، فلم يريحنا، لا هو أكد الشكوك ولا هو نفاها، وهذه هي المتعة في القراءة لستيفان زفايج، يجعلك تدور وتدور حول نفسك، حيث إن كل قارئ سيخرج باستنتاج وفكرة مختلفة عما فهمه وقرأه، وهذه قراءة شخصية تحتمل الصواب والخطأ وهى تفكير ولكن بصوت عال.

لم أكن أتوقع أن يثير كتاب لا يتجاوز المئة صفحة كل هذه الجدل والأفكار في رأسي، وفي النهاية نشكر دا ميسيليكاني على ترجماتها الرائعة لهذا الكاتب الكبير وعلى الإصدارات الرائعة التي تصدرها أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد