1 ـ لماذا لا نقر ونعترف أننا مجتمع فاسد مُفسد يواصل الإفساد، حتى لو ادّعى البعض غير ذلك؟ ومع تاريخنا الممتد لأكثر من 7 آلاف سنة، نُصر دائمًا أننا أهل صدق ونقاء، وعفة وطهارة، بلد الشرف والشرفاء، والعلم والعلماء، ألم تمر علينا قرون حالكة السواد؟

ألم نتعرض للاستعمار بكافة أجناسه؟ ألم نكتسب كل الصفات السيئة، بحسب ضغوط الحياة والأجواء المحيطة والأيديولوجية الحاكمة، وأنتج المستعمر خلال وجوده في مصر المقاوم الشجاع، والعميل والخائن، والشريف والسارق، والأمين والصادق والكاذب، والطاهر والنّجس والقواد؟ ألم نعانِ غدر الأعداء حتى وقت قريب؟

ألم يجد هذا العدو المطية التي تروج له ولثقافته من بين ظهرانينا؟ لماذا نتجمل ونتجمل كل صباح ؟ لماذا ندعي البطولة، ونحن نلعب دور الكومبارس؟ ألم يسأل أحد منكم نفسه، أي وجه يظهر به عندما يواجه الضعيف؟ وأي وجه يظهره عندما يواجه كل ذي جاه وسلطان؟ باختصار ألسنا كلنا منافقين متلونين لا نثبت على مبدأ واحد، نتغير بحسب طبيعة من يحكم، نهلل له ونجعل منه إلهًا ونسبح بحمده ليل نهار.

ثقافات المستعمر والتأثر بها

2 ـ مرت بنا ثقافات عدة أثناء وجود المستعمر إنجليزيًّا كان أو فرنسيا أو حتى فارسيا أو إسرائيليا، ألم نتأثر بأي منهم؟ اكتسبنا منهم الشين والزين، الصالح والطالح. من الذي سن قوانين، وفصل اللوائح؛ ليَلتهم خيرات البلاد ليفقر العباد، أليسوا منا؟

من الذي اخترع التوريث في كل مؤسسات الدولة، وأصر عليها واعتبرها كالزحف المقدس لا يمكن لأحد أن يمنعه؟ من خرج ليؤيد هذه المقولات العنصرية؟ من ساعد على تعميقها وتأصيلها حتى بات المستفيد منها يعتبرها حقًا أصيلا له؟

أليس نحن من اخترعنا الواسطة والمحسوبية والتواكل، وندفع الرشاوى عيانًا بيانًا ونفتخر بذلك ونؤكد على مقولة (خليك واد خلاصة)، ادفع وخلص (الدنيا كلها كده يابا)، أليست هذه حقائق؟ يخرج الوزير من هؤلاء ويؤكد على أنه مخلص في عمله، ويعمل بجد للوصول لدرجة التفوق في وزارته، ويصور لك الحياة باللون الوردي.

وبعد أن تَوارى وجلس في مكتبه يمرر القرارات التي لا صلة لها بالقانون، والتي تسهل على الاستيلاء على المال العام من أراض وأموال، يساعد أقرباءه هنا وهناك يكافئهم ويتوسط لهم؛ لنكتشف في النهاية بعد ما تفسد بأنه كذاب أشر، وسارق وحرامي، ويُحاكم وبفضل القانون الذي تم تفصيله ينعم بالبراءة ويطالب برد شرف.

نماذج حكام بعد ثورة 23 يوليو

3 ـ لا داع أن نسرد نماذج بالتاريخ وسنكتفي فقط بالتاريح الحديث الذي عاصرناه أو ولدنا بعده بقليل، منا من عاصر ثورة 23 يوليو 1952، ومنا من ولد بعدها بسنوات منهم العبد لله، أستحلفك بالله طوال حياتك التي مضت (ربنا يمد في عمرنا جميعًا)، هل تغير الوضع منذ ولادتك حتى الآن؟
هو نفس الخطاب، وبنفس الطريقة، وذات المسار، وهو نفسه الإعلام، وهو نفس نمط الحاكم السلطان، فقط تغيرت الوجوه والأشخاص، هل رأيتم تغييرًا قيد أنملة؟ هل وجدتم المصري يضاهي مثيله في سويسرا أو فرنسا أو بريطانيا أو حتى تركيا؟ هل ينال نفس الحقوق؟

هل يتمتع بالوعي الذي يتمتع به أي مواطن من هذه البلدان مثلًا؟ ماذا تغير إذن رد عليّ وقُل لي. ومع ذلك أنت تهلل وتسبح بحمد الحاكم، وتعيش على أمل – بكرة أحلى من النهاردة -، وتمر السنين والأمل لا ينبلج، وفي نفس الوقت لا يتبدد وتعيش على تحقيقه، وأنت تدافع عن كل ديكتاتور، وتتمسك بحضارة الــ7 آلاف سنة وتعاير الغير بها، وهم أكثر منك ثقافة ووعيًا وصحة ومالًا وجاهًا ومكانة، وأنت تكابر وتكابر ولا تريد أن تنطق بالحقيقة.

لماذا تدّعي الشرف والأمانة؟

4 ـ تدعي الشرف والصدق والأمانة أليس كذلك؟! تدّعى المثالية والوطنية وغيرك خائن، أليس هذا صحيحًا؟ اسمع يا سيدي، من الذي ذبح لك الحمير وقدمها لك كفتة وكبابًا، أليس مصريا؟ من استورد لك الفراخ الفاسدة وقدمها لك مشوية، أليس مصريا؟ من يهينك ويلطشك على قفاك وينتهك آدميتك بدعوى الحفاظ على الأمن أليس مصريا؟

من يتجسس عليك لصالح العدو أو على مكالماتك الشخصية وينقل كل أسرارك، أليس مصريا؟ رجال الأعمال الذين يمصون دمك ويتهربون من دفع الضرائب وتتصالح معهم الحكومة، أو الذين يقترضون من البنوك ولا يسددون، أليسوا مصريين؟ الذين يستهترون بأرواح الناس ويتهورون في قيادة السيارات على الطرقات؛ ويموت العشرات يوميا في حوادث مرورية، أليسوا مصريين؟

من الذي حشر آلاف المصريين في سفينة لتغرق بهم في عرض البحر وينال البراءة ظلمًا، أليس مصريا؟ الذي ترك المزلقان مفتوحًا ودهس القطار العشرات في ثانية، أليس مصريا؟ من يتهم المصريين بالخيانة ويكفرهم يوميا عبر الفضائيات أو في الصحف، أليسوا مصريين؟ الذين يهرّبون المخدرات بكافة صنوفها ليغرقوا بها البلد، أليسوا مصريين؟ (اللي فاكر حاجة) يضيفها هذا غيض من فيض.

التفنن في صُنع الإله

5 ـ من ثار في 25 يناير 2011 ليغير نظامًا قمعيًّا مستبدًا، ليعود سريعًا ويلتف حول نفسه على طريقة (للخلف در)، وينقلب ثانية ويخرج بالملايين ليؤيد ثورة مضادة، ويطالب بسرعة سحق محمد مرسي والإخوان، رافضًا لأسلمة أو أخونة الدولة مطالبًا بمدنيتها، ألستم أنتم من جئتم بهم وناصرتموهم بقوة؟ ناديت سريعًا بضرورة تدخل الجيش والشرطة للتخلص من هذا الحكم الفاشي، ورجوع مصر لأصحابها، وتحقق لك ما أردت ماذا تقول إذن، هل شعرت بما يؤكد دعمك وتصرفك؟

هل شعرت بالراحة والتقدم والرقي والحرية؟ لم ينفع معك الحكم الإسلامي وانقبلت عليه، ماذا فعل لك الحكم المدني الآن؟ ما الفارق؟ إذن كلاهما واحد، باختصار المصري دومًا جاهز للهتاف وتقديم خدماته لكل قوي وما قوي إلا الله، جاهز لدعم من يرواغ ويضلل ويدنس ويقمع، جاهز لتأليه الحاكم وتقديم نفسه قربانًا له، هل طالب عبد الناصر أو السادات أو مبارك أو مرسى أو السيسي من الشعب أن يخرج للميادين ليرقص لهم ويمجدهم لدرجة الانتحار على طريقة (باحبه أوي أوي أوي أوي أكتر من أبويا)؟

(إحنا شعب يتفنن في صُنع الإله) على الأرض بشكل متوارث، منذ فرعون عندما استخف قومه فأطاعوه فقال لهم أنا ربكم الأعلى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد