في سورة الضحى يخاطب الله تعالى نبيه الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليذكره بأنه كان ليضيع في متاهات الدنيا لولا عطفه ورحمته تعالى والتي أنقذته من ثلاثة أمور كانت لتجذبه إلى الهاوية لو وجدت فرصتها معه، ومن أجل ذلك فإنه يأمره أن يراعي خطورة هذه الأمور الثلاثة مع الآخرين ليستطيعوا النجاة من شرور الحياة الدنيا كما نجا هو منها.

(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ).. لقد وجدك الله يتيمًا فآواك وكفلك من يرعاك

أول هذه الأمور الثلاثة كانت اليتم، فهو صلى الله عليه وآله وسلم ولد يتيم الأب وبعدها ارتحلت أمه إلى الرفيق الأعلى ليجد نفسه بلا أبوين، ومن لليتيم ليهتم به ويرعاه؟ ومن ذا الذي يربيه ويشد على عضده ليعلمه محاسن الأفعال ومساوئها؟ فاليتيم معرض إلى التشرد والقهر والإهمال؛ لأنه فقد مصدر العاطفة والحنان الطبيعي والذي كان ليجدهما مع أبويه، لذلك فإن اليتيم ينشأ غريبًا في هذا المجتمع وهو يشعر بالنقص عن أقرانه والتمييز السلبي في كل معاملاته، ولعله يتعرض للتوبيخ المستمر ولهذا فهو يبتعد عن تكوين الشخصية المثالية لنفسه، ويكتفي أن يداري عيشه أو أن يتمرد ويتحول إلى متسول ومجرم.

من فضل الله تعالى أنه لم يترك عباده من غير معونة، فجعل زكريا عليه السلام يكفل مريم عليها السلام لتنشأ بين يديه على منهاج الله الخالص، وكذلك أعاد موسى عليه السلام إلى أمه ولم يحرمه من حنانها بعدما ألقت به في اليمّ والتقطه بيت الفرعون المتكبر، أما نبينا الأكرم فقد تكفل به جده عبد المطلب ومن بعده عمه أبو طالب، ليترعرع في بيت العم بين أبناء العم، وهو يجد نفسه بينهم الفرد المميز، أما عطف الأم فكان ينهل من جود زوجة عمه فاطمة بنت أسد، تلك الأم التي لم تحرم نبينا من الحب والاحترام، وكانت في خدمته ومساندته، ولما مات عمه أبو طالب في عام الحزن، شعر محمد بالغربة واليتم.

(وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ).. لقد وجدك الله ضائعًا فهداك وأنشأك في بيت التوحيد

ما بعد اليتم هو أن يجد اليتيم نفسه بلا مرشد ولا هاد، لا أحد يعلمه ولا أحد يوجهه نحو الصواب، تائه وضال في طريق الحياة بلا مساعدة تذكر، ولكنه تعالى جعل نبيه الاكرم ينشأ في بيت التوحيد، حيث كان جده وعمه على دين إبراهيم والذي كان حنيفًا مسلمًا ولم يكن من المشركين، فلم يتعلم الكفر والشرك وطبائع أهل الجاهلية، بل كان نموذجًا صالحًا وصفه الله تعالى بأنه على خلق عظيم، فقد اكتسب هذا من ذلك البيت العامر بذكر الله، والذي سانده وعاونه ووقف إلى جانبه ولم يبخل عليه لا بالمال ولا بالولد.

(وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ).. لقد وجدك الله عائلًا فأغناك وجعلك لست بحاجة إلى الناس

العوز والحاجة إلى المال من أجل أن يتدبر عيشه هو أحد الأسباب التي تؤدي باليتيم إلى الانحراف، فاليتيم الذي لا يجد من يصرف عليه ويلبي متطلباته سيشعر بالنقص المستمر والحرمان وسيولد ذلك في نفسيته حالة من التذمر قد تجعله يستعطي الناس أو يسرقهم، إذ لا صوت أعلى من صوت المعدة الفارغة والفقر القاتل.

وقد أنعم الله على نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بأن جعل نشأته في بيت موفور المال، يكسب رزقه بالتجارة، فكان يخرج مع عمه في أسفار التجارة ليجد نفسه غنيًا عن طلب الناس، ومكتسبًا فوق ذلك سمعته الطيبة، إذ كان يسمى بالصادق الأمين، لأنه لم يأت بغش أو تدليس أو كذب في سبيل كسب المال الإضافي، بل كان يكسب رزقه بالحلال ومن قبل أن يبعث بدين الإسلام.

واكتملت النعمة

وبعد أن اكتملت أنعم الله عليه فخلصه من اليتم والضلالة والفقر، ابتدأت مرحلة جديدة من حياته والتي تهيأ لها في سنوات حياته السابقة وهو في كنف البيت الموحد، ولأنه استشعر المسؤولية وكان ينتظر الضوء الأخضر للانطلاق نحو نشر الدعوة للتوحيد والإخلاص لله وحده، وهو يرى حال الجاهلية المقيتة، وما آلت إليه أمورهم من مفاسد كبيرة وكثيرة، فضاق صدره وتحمل معاناة الناس الفقيرة والمظلومة والمضطهدة ليحملها كالصخور على ظهره يجلس في غار حراء ينتظر الوحي، ليحطم قيود الطاغوت وجبروته، ويرغم أنف الظالمين والمستكبرين وينشر دين الحق والإنسانية، فكانت نعمة الله التالية هي أن شرح لنبيه الحبيب صدره، ورفع عنه وزره، ومن ثم جازاه أن رفع له ذكره، وهو يشجعه ويعده «فإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا».

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد