ما عدنا ننصف الحق مجردًا من تحيز الأهواء أو أصحابها، «شخصنة». ما عدنا ننصف أنفسنا، لا نريد أن نرى ما يخالف الهوى، «استكبار»؛ فنبرر ونجادل ونقاتل ونقتل في سبيل إثبات أن أهواءنا «حق»، ولا حق غير ما أردنا.

ربما كنا نستخدم عبقرية الإنسان وقدرته على الاستدلال، فبرهن و«لم يبرر» وغزا العقول والقلوب.

يوم أن كنا «منصفين» يوم أن كنا قادة!

لم نكن نستدل على ما نريد أن نراه، وإنما نستدل على الحقيقة، حيث كنا نهتم ونعلم مدى أهمية مصدر المعلومات «فرب فاسق أشاع فساد بكلمة أو نبأ».

فلم يكن من السهل التلاعب بعقل يفكر من أجل الوصول إلى الحقيقة المجردة.

أما وقد أصبحنا اليوم، وكأننا نعبد أهواءنا دون دراية!

نكذب، نقاتل ونقتل في سبيل هوانا، وإن كان مضادًا لمعنى الحقيقة أصلًا.

لم نعد نرى «الإنصاف» فينا، ننظر إلى الإنصاف في غيرنا، ونتعجب ونقول: لِمَ لا نكون مثلهم في عدلهم وإنصافهم؛ فنتقدم؟!

لم نعد نستخدم مهارة «الاستدلال» لنتوثق من صحة معلومات وبيانات، أصبحنا نستخدمها فقط لنتلاعب بالكلمات في سبيل المصلحة الشخصية.

أصبحنا نسلك إلى أهوائنا سبلًا غير سبيل الحق، ونتمنى أن نرى في أهوائنا الحق!

أصبحنا «نتباهى، نتعارك، نسخر، نقتل» إرضاء لغرور وهوى نفس، ونبرر بالدليل على استحقاق التباهي وغيره من بواطل أهواء النفوس وأمراضها.

الغريب أننا أصبحنا ندافع عن الباطل في أهوائنا و«نحن نعلم أنها أهواؤنا»، وليس فيها شيء من حقيقة، في سبيل «رغبه» مدسوسة مخفية بين أضواء الحقيقة دون شيء من الاستحياء أو الاشمئزاز من أنفسنا، أو نوع من تأنيب «ضمير إنسان»!

ومع الوقت برزت إلينا طوائف كل منها يدعم رأيه كأنه الحق المبين!

كل حزب بما لديهم فرحون، تحت مسميات وإطارات ومنظمات وشعارات، أشياء ربما كانت رائعة لولا أنها تستغل فقط في الاتجاهات السلبية المضرة بالفرد والمجتمع، براعة «عقل» تابع لنفس مريضة!

طوائف تقود الفكر إلى تعصب جاهلي أمر من تعصب الجاهلية الأولى، يصيب أصحابه بعيد فترة «بعمى» لا يسعهم به رؤية الحق ولا البرهان، وربما قادته عبقرية إنسانيتهم إلى تخليق الملايين من المبررات والدلائل، فيصدقون أنفسهم وأهواءهم.

وتصبح أغلب ذاكرتهم أكاذيب مزيفة وأهواء تعمقت بالنفوس، وتحكمت في الدوافع والرغبات، وتدنت قدرات العقل القيادية والموجهة، وأصبح تابعًا يبرر للنفس رغباتها، لا قائدًا يبرهن ويدل الإنسان على طريقه.

حتى ما عدنا نرى الحقائق إلا ذكرى، تنظر إلينا وترقب ما نصنع!

ما عدنا نصعب على صناع الشائعات عملية نشرها ودعمها!

فقد غدونا نصدق كل ما يرضي هوانا، وما على صانع الشائعات إلا اختيار الكلمات التي يرضي بها هوى في نفوسنا، أو تخلق لنا ما يحفز هوى أراده هو لنا؛ فندمر به أنفسنا بأيدينا وغباء عقل فتح خزينة أرائه واعتقاده على مصراعيها ينشر فيها من أراد ما يريده لنا.

أصبحنا نصدق الغموض من مصدر موثوق، إلى مصدر أمني، كلمات ربما تخفت وراءها سموم تنفذ إلى عقل فتشل قدرته على الشك لتمرر بعدها ما أراد صاحب النبأ أو الشائعة.

ونحن وقد ألغينا مهارة الاستدلال في تعليمنا واعتقادنا وتركنا من أراد يرسم فيها ما أراد؛ فيسممها تارة ويقتل بها تارة أخرى.

نصدق كل ما تراه أهواؤنا، ونكذب بما يضاد هوانا و«إن كان حقًا، آثرنا استكبار أنفسنا بالتحيز إلى أهوائنا.

فربما نعادي ونحارب الحق دون وعي ودراية منا.

أصبحنا «تابعين» لأهوائنا و«لمن تحكم بها» وقد كنا فيما سلف قادة حين كنا تابعين للحقيقة، فأنصفنا بها أنفسنا ولم تعمِ أهواؤنا عقولنا حتى أتت على القلوب فأصابها ربما بجفاء نحو الحقيقة، واستخفاف ببراهين ضد ما أرادت الأهواء.

كنا نستدل على الحقيقة في سبيل الحق بالعدل والإنصاف، فرأينا أنفسنا وعرفناها.

أما اليوم فأرانا ما عدنا نرى أنفسنا إلا أشكالًا في مرايا «أشكال ليس إلا».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد