الجزائر.. مرحلة ما بعد بوتفليقة

من الواضح أن المخاوف ازدادت منذ خروج الشعب إلى مظاهرات في 22 فيفري (فبراير- شباط) المنصرم، وما يفسر ذلك تعامل القوات بسلمية مع المتظاهرين، وعدم قمعهم كما حدث مع معطوبي الجيش، بالرغم من وجود قانون يمنع التجمهر في العاصمة، إن خروج الشعب في مظاهرات لعب على الوتر الحساس للنظام، لماذا؟ لأن هذه مظاهرات لم تكن بسبب الغذاء، أو البطالة، أو أي مشكل اجتماعي، بل كانت مظاهرات تعبر عن رفض قطعي للسلطة والنظام ككل بشكل عام. يمكن القول إن قطيعة الشعب مع السياسة بدأت منذ توقيف المسار الانتخابي في 1992، ربع قرن من القطيعة، هذه المرحلة أسفرت عن توسع شقاق بين السلطة والشعب، وانعدام الثقة في السلطة.

إن ما يريده الشعب والسلطة على حد سواء اليوم، رئيس توافقي على كل الأصعدة، وجيل اليوم ليس هو جيل التسعينات، بل تغيرت العقليات والأفكار، وأصبح كل يلعب على المكشوف، إن غياب مرشح توافقي يلبي حاجيات كل الشرائح يشكل نقطة استفهام يصعب تفسير وتكهن المشهد السياسي من دون بوتفليقة في الحكم، فحتى الرسالة 3 من مارس (آذار) الجاري، وهو تاريخ إيداعه ملف ترشحه، وعد فيها الشعب بعد الانتخابات الرئاسية مباشرةً بتنظيم ندوة وطنية شاملة، جامعة ومستقلة، لمناقشة، وإعداد، واعتماد إصلاحات سياسية، ومؤسساتية، واقتصادية، واجتماعية من شأنها إرساء أسس النظام الجديد الإصلاحيّ للدّولة الوطنية الجزائرية، بالإضافة الى دستور جديد، والأهم من ذلك تنظيم انتخابات رئاسيات مسبقة. سحب بوتفليقة ترشحه وتأجيله الانتخابات، وهو الأمر الذي رآه كثيرون مخالفًا للدستور، وفي واقع الأمر المسيرات السلمية لم تجهض العهدة الخامسة بالفعل، بل مددت في حكم الرئيس بوتفليقة لسنة أو سنتين على الأكثر، لكن تعيين الدبلوماسي رمطان العمامرة والاستعانة بالمبعوث الأممي السابق الأخضر الإبراهيمي جاء في وقت بداية انتشار الوعي بضرورة تغيير النظام كله، وليس الرئيس فقط.

يعد كل من رمطان العمامرة والأخضر الإبراهيمي خبيرين دوليين في حل الأزمات الداخلية للدول، إذ أثبتا جدارتهما في حل الأزمات، كأزمة مالي وغيرها من الأزمات، انضم رمطان العمامرة سنة 2018 إلى مجلس إدارة «مجموعة الأزمات الدولية»، بالإضافة إلى أنه كلف من طرف الاتحاد الأفريقي بشأن الأزمة السياسية بمدغشقر، والتي انتهت بالاتفاق على إجراء انتخابات رئاسية.

الأخضر الإبراهيمي الدبلوماسي المحنك، والمبعوث الأممي في سوريا من سنة 2012 إلى 31 مايو (تموز) 2014 تاريخ إعلان استقالته، بالإضافة إلى كونه مبعوثًا لكل من لبنان 1989، اليمن 1994، والعراق 2004.

إن تعيين خبيرين في حل الازمات بامتياز يشكل نقطة استفهام؛ فالتظاهرات والحراك السلمي، هو بالفعل أزمة لدى النظام، فكان الحراك سريع الانتشار وشاملاً، فهو لم يشمل الولايات الكبرى فقط، بل شمل كل أقطار الوطن، ولم يمس فئة واحدة بل كل فئات وشرائح الوطن؛ فاليوم بعد ما كان الشعب يطالب بعدول الرئيس عن الترشح، اليوم أصبحوا يطالبون بإسقاط النظام كله، إن تعيين خبيرين في حل الأزمات هو فعل جاء ببساطة لإفراغ المسيرات من محتواها قطعًا؛ فالنظام يتخوف من إمكانية تطور المظاهرات إلى أعمال عنف، وبالتالي يحدث ما حدث في بعض الدول العربية، أو بما يسمى بالربيع العربي، فالنظام اليوم يبحث عن الإبقاء على الاستقرار في الوقت الراهن، وخروج الوضع عن السيطرة والانفلات الأمني يدل بالضرورة على احتمالية التدخل الأجنبي لحماية الثورات؛ فالنظام اليوم لا يريد ذلك، ولو أراد استعمال القمع، وهو يستطيع ذلك، خصوصًا مع استلام فرنسا قيادة مجلس الأمن، فاليوم تعد الجزائر من بوابات أوروبا، واحتمالية انفلات الوضع فيها هو تهديد لأمن أوروبا، وهو الأمر الذي تحاول الدول الأوروبية تجنب وقوعها فيها، إن موقف فرنسا اليوم في أمن المظاهرات واضح، فقد دعت وزارة الخارجية الأمريكية السلطات الجزائرية إلى احترام حق المواطنين في التظاهر السلمي. أما عن موقفها من قرارات الرئيس فقد أكد نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية روبرت بالادينو أن الولايات المتحدة تدعم الجهود الدائرة في الجزائر لرسم خط جديد يعكس إرادة الشعب وتطلعه نحو مستقبل زاهر، بحسب موقع الحرة.

وأضاف قوله: نحترم حق الجزائريين في التجمع والتعبير عن رأيهم، ونتابع التقارير حول تعليق الانتخابات، وندعم حق الجزائريين في الانتخاب بشكل حر. كما أن وزير الخارجية الفرنسي قال إن بلاده تتابع التطورات عن كثب، لكن الأمر يرجع للجزائريين في تحديد مستقبلهم.

إن الآراء الأمريكية والفرنسية متشابهة، لكن عند انفلات الأوضاع لن تتردد الدولتان في التدخل لحماية مصالحهم في الجزائر.

كل هذا في غياب المؤسسة العسكرية التي التزمت بمهامها الدستورية، وغياب قائد الأركان المسلحة عن الواجهة، الأمر الذي يدعو إلى القلق، إن قرار بوتفليقة في تأجيل الانتخابات كان صعب التكهن به، بالرغم من سهولة التكهن ببقاء الرئيس على سدة الحكم.

بفعل نقص المعطيات يصعب التكهن بالمستقبل السياسي للبلد، فهل سيحدث انتقال سلس للسلطة أم ستقول الدبابة كلمتها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد