تزوير التاريخ ليس بالمهمة السهلة، يتطلب الأمر منك كمزور للتاريخ أن تكون حذقًا نابهًا، وأن تكون مدعومًا في جريمتك، سيتطلب الأمر كثيرًا من المنافقين، وقليلًا من الأقلام المحترفة، والألسن اللهاجة، والهمزة اللمزة.

لكن إخفاء تزويرك سيكون صعبًا بكل تأكيد، إذ لا تملك زمانك وزمان من بعدك، قد تأتيك الحقيقة في طائرة مهاجرة تقل قلمًا اختبأ منك ثم هاجر، وقد تأتيك بعد سنين وقد تحدثت الوسائل وتنوعت الأساليب، وقضى عليك الموت وعلى سدنتك وحماة خزنتك، سوف يكون الأمر أصعب أيضًا إن تمكن ضحاياك من كتابة التاريخ من جديد، حينها سيجد صدقهم الطريق إلى قلوب المؤرخ لهم، في حين ستبذل المجهودات العديدة لإقناع الجماهير بتزويرك كرة أخرى، إن كنت حيًّا.

خطورة الشاذلي

وفي حين كان محمد أنور السادات، أعظم مزور للتاريخ في العصور المصرية جميعها، وفي حين نجح نجاحًا ساحقًا في إخفاء العديد من الحقائق عن المصريين، وتلبيس الحق بالباطل، وكتمان الحق وهو يعلم، ومنافقوه يعلمون، وفي حين استحدث مدرسة لفن المصطلحات البارعة سار لاحقوه على نهجها، بدأت بـثورة الـ«تصحيح»، و«مراكز القوى»، وانتهت إلى الرئيس «المؤمن»، الذي اغتاله الناس من فرط إيمانه! وفي حين نجح السادات في فصل المصريين عن إطارهم الزماني والمكاني بشكل لا يصدق، إلى الدرجة التي ألقى بها بيانًا في البرلمان أخبرهم فيه بانتصار المصريين في أكتوبر 1973، بينما كانت رحى الحرب تدور بلا هوادة دونما منتصر، فقد نجح شخص واحد فقط، في أن يكون الاستثناء الذي كسر قاعدة السادات، والوحي الذي يستلهم منه قراء التاريخ المتدبرون بعد تلك العصور، العلل والعبر، ذاك هو الراحل العظيم، سعد الدين الشاذليّ.

لن أتطرق إلى تفاصيل دقيقة قد تمثل إسهابًا حول تاريخ الشاذلي العسكري، ومشاركاته العسكرية الرابحة في كل الأقطار، وجودة منطقه، وحسن سيرته، فذلك لا يخفى على أحد، وإن خفي فيخفى على من أعاروا آذانهم لإعلام السادات حينها، ولا أظنهم أحياء بين أظهرنا، وإن كانوا أحياء فلعل آذانهم الآن في إعارة أخرى لإعلام آخر، ولكن الشاذلي كان استثناء لأن حساسية منصبه، وشعبيته الجارفة في أقطار الوطن العربي جمعاء، وبطولته النادرة، كانت من السمو بمكان، لا يسمح للسادات أن يصدر أي فعل يسكته أو يدني من شأنه، وقد تصرف الشاذلي كما كان لأمثاله من الأحرار أن يتصرفوا، وأعاد كتابة التاريخ بقلمه هو خارج البلاد، وحوكم وسجن، ورفض العفو، إلى غير ذلك مما يعرفه الكثير.

لكن النقطة هنا، أن الشاذلي جاء برواية أخرى، في عصر لم يكن السادات يفعل فيه سوى السيطرة بالتاريخ، لم تكن له سطوة كسطوة عبدالناصر، ولم يكن سدنته يقدسونه كما قدسوا من سبقه ومن تلاه، هو وحده كان داهية نفسه، عرف من أين تؤكل كتف الناس، فعضّ، والآن يدفع ضريبة ما كتبه الشاذلي، بما يُفضح به في عقول الباحثين عن الحقيقة.

هنا سأؤرخ تحليلًا واحدًا في نقطة واحدة فقط، استنبطتها من قراءتي لمذكرات كل منهما، السادات والشاذلي، مع قراءات متفرقة أخرى، أستلهم منها بعض النقاط التحليلية.

إلى الوراء قليلًا

عزل السادات سعد الشاذلي من رئاسة أركان حرب القوات المسلحة بعد شهرين من القيام بعملية السادس من أكتوبر 1973، على خلفية ما سماه، بعصيان أوامر رئيس الجمهورية، والافتئات عليها، حين اختلط نابل السياسة، بحابل العسكرية، وحين كان الرأي العسكري يحتم ألا ينفذ حماقات السادات، التي نعاني ويلاتها إلى الآن، من دماء جنودنا وأهالينا في سيناء. على كلّ، فإن ذلك العزل يبدو للكثيرين كما لو كان سببه الحرب، ولكني هنا أستنبط عبرة أنوه فيها إلى أن تاريخ ذلك العزل، كان قبل ذلك بكثير، كان فور تولي السادات، وإحساسه بتنامي شعبية الشاذلي، وخطره على كرسيه.

ولنبدأ من الوراء قليلًا، مع تولي الرئيس السادات لمسؤولية السلطة عام 1970، وانتهائه من صراعاته مع من أسماهم «مراكز القوى»، بدأت كل قوى الجمهورية تسخر لشيء واحد فقط، حرب السادس من أكتوبر، مما غالط به السادات تاريخيًّا، أنه كان الحاشد الوحيد لتلك القوى، كان سعد الشاذلي صاحب اليد الطولى في ذلك الحشد الشعبي والعربي لخوض الحرب، فالذي دعا الدول العربية للمشاركة في الحرب وأشرف على المشاركة كان الشاذلي، بينما اكتفى السادات بتثبيطه في كل الحالات عدا الحالة الليبية، على طريقة: «ضحكوا عليك يا سعد»، كما قال الشاذلي في مذكراته، أو على طريقة: «أنا رجل سياسة..» كما كرر السادات في مذكراته.

من كان يحدد احتياجات القوات المسلحة كان الشاذلي ولم يكن السادات، ومن كان يدير المسألة في الجامعة العربية كان الشاذلي ولم يكن السادات، ومن كان السوفييت يثقون في تحليلاته العسكرية كان الشاذلي ولم يكن السادات.

هنا لا ينبغي أن ننكر أن السادات قد عين الشاذلي رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة، ربما لأنه أراد الاستفادة الحقيقية منه في معركة، كان يقدر أنه إن فاز فيها، فسوف يكتسب شرعية حكم تجلسه على الكرسي حتى يموت، وقد كان.

رئيس الأركان ووزير الحربية

حسنًا، واجه الشاذلي في أعقاب توليه رئاسة الأركان مشكلة كبيرة، هي عدم وضوح اختصاصات منصبي «وزير الحربية»، و«القائد العام»، فعلى حين أن الدراسة الأكاديمية التي أسعفت الشاذلي ليدرك أن لا شيء على مستوى العالم اسمه «القائد العام» سوى في مصر، حينئذ، فلقد أدرك أن استحداث ذلك المنصب في مصر، سيسبب اختلافًا في الصلاحيات مع رئيس الأركان الذي يضطلع في طول الدنيا وعرضها بالقرارات العسكرية –الصرفة – التي لا ينبغي حينها لوزير الحربية إلا أن يدير حينئذ القوات لرئيس الأركان، الدارس الفاهم، الأكاديميّ.

وهنا نشب الخلاف بين سعد الشاذلي، رئيس الأركان، وبين الفريق محمد صادق، وزير الحربية من جهة أخرى، لن أتطرق إلى تفاصيله، ولكنني سوف أستبين العبرة من شيء واحد فقط، هو ما جرى حين طلب الشاذلي تحكيم السادات في أمرهما عام 1972، رافضًا ما وصفه بتغول سلطات وزيرالحربية على سلطات رئيس الأركان، هنا – حايلهما – السادات كما لو كانا طفلين رضيعين قائلًا عبارات من قبيل: «ميصحش يا صادق، لازم تقول لسعد على كل حاجة»، و «وأنت بردو يا سعد لازم تسمع كلام صادق»، دون أن يخرجا من اللقاء بأي تحديد صلاحيات، أو تحكيم حقيقي.

لن أكون سيء النية، وأقول إن السادات – لا سمح الله – كان يرى في الخلاف بين وزيرالحربية ورئيس الأركان، ضمانة دامغة لولاء الجيش له، وللحفاظ على كرسيه، في بلد لا تعترف إلا بحكم الـ«آفارولات»، ولكن دعونا نكمل ما صار بعد خلاف الشاذلي وصادق.

وصلت الأمور بين الشاذلي وصادق إلى درجة لم يكن ينفع بعدها اكتمال، ولكن ظلا كما كانا، كل منهما ملتزم بدوره الروتيني أمام الآخر، حتى جاء حدث مشهود لا يعرف عنه الكثير من المصريين، ذاك أن ضابطًا برتبة نقيب، قد خرج بجنود سريته، وبدباباتها إلى وسط القاهرة، زاعمًا أنه يدربهم على القتال استعدادًا للحرب، وما أن تمت السيطرة على الحادث بسرعة رهيبة، استدعي الضابط وتم التحقيق معه بحضور الشاذلي وصادق، وقد أثبتت التحقيقات تعرض النقيب لخلل عقلي، أحيل بعدها بسببه إلى المحاكمة العسكرية.

أحمد إسماعيل

استشعر السادات رائحة الغدر، التي يعرفها جيدًا، وكان أول من ضحى به، هو صادق نفسه، زاعمًا عدم تصديقه لنتائج التحقيقات، ورمى صادق بالخيانة، وعزله من منصبه، هنا لابد أن يصل وزير حربية آخر، وهنا لابد أن يؤخذ برأي الشاذلي، فعلى من وقع اختيار الـ«داهية» السادات؟!

أحمد إسماعيل! أكثر فرد من أفراد القوات المسلحة، تستعر الخلافات بينه وبين سعد الدين الشاذلي، فالخلاف بينهما قديم قدم حرب الكونغو، حين رفض الشاذلي تلقي أوامر عسكرية منه على الرغم من كون إسماعيل عميدًا، أعلى في الرتبة من العقيد سعد الشاذلي حينئذ، لكن الشاذلي برر موقفه بأن قواته المحاربة في الكونغو ليست تبعًا لمصر، وإنما تبعًا للأمم المتحدة، وإن إسماعيل لا ينبغي أن يصدر له أوامر.

ثم تطول أحداث الخلاف في العديد من الشواهد والأحداث، نذكر منها علامة مضيئة، هي أن الشاذلي كان على وشك الخروج من القوات المسلحة طوعًا، بعد أن عين جمال عبد الناصر أحمد إسماعيل رئيسًا للأركان، وقد كان الشاذلي حينئذ قائدًا للقوات الخاصة التي شملت سلاحي المظلات والصاعقة، والتي لم تكن تنفصل خصوصًا في حروب الاستنزاف، عن رئاسة الأركان، إذ كانت حروب الاستنزاف من صميم بطولات القوات الخاصة، فقدر الشاذلي أن التواصل لن يتم على ما يرام مع إسماعيل في ظل كرات اللهب المتقاذفة بينهما، فقدم استقالته من القوات المسلحة، ورفضها عبد الناصر، ووعده بأن إسماعيل لن يتدخل في عمله، ولن يذهب إلى وحداته، ولن يحدث بينهما أي تواصل إلا في حدود ما يقتضيه الروتين العسكري، وقد كان، حسب ما يؤكد الشاذلي.

وقبل أن يموت عبد الناصر، كان قد عزل إسماعيل من القوات المسلحة، بسبب أدائه المستهتر مع العدو في أحداث متعددة، أبرزها عملية سرقة الرادار الشهيرة في منطقة البحر الأحمر، حيث اقتحمت قوات صهيونية وحدة رادار مصرية، وسرقت الرادار، وخرجت دون أن يعلم أحد! ولم يصل الخبر إلى إسماعيل – رئيس الأركان – إلا بعد عشر ساعات، وقد كان جنود الوحدة والرادار جزءًا من الماضي.

ثم وفي ظروف غامضة، أعاد السادات أحمد إسماعيل إلى القوات المسلحة، على الرغم من استبداد مرض السرطان به، ومن كوارثه العسكرية والإدارية الجمة، إلا أن السادات فضل أن يكون له رجله في تلك المناصب الحساسة، ثم وبعد تخوينه لصادق، زج بأحمد إسماعيل في منصب وزير الحربية، ليظل الخلاف مستعرًا بين رئيس الأركان ووزير الحربية، الأمر الذي وصل لذروته في حرب أكتوبر، حين لم يكن إسماعيل سوى ببغاءً يردد حماقات السادات في غرفة إدارة العمليات، تلك الحماقات التي ندفع ثمنها إلى الآن.

تساؤلات

هل يمكن أن أكون حسن النية هنا، وأنا أرى أن السادات يجلب رجلًا مريضًا، لم يثبت كفاءة عسكرية، بل على العكس تمامًا، خرج بالعديد من الفضائح، ثم وللصدفة البحتة، نجده أشد الناس خلافًا مع الشاذلي، رئيس الأركان، خلاف بين منصبين سيحددان سويًا مصير المعركة الحربية التي تعيد شرف مصر؟!

والآن، وبعد مرور كل تلك السنوات، هل يمكن أن نستنبط أن السادات كان يدرك خطورة أن ينتصر المصريون ويحققوا الإعجاز ويعبروا القناة الملغمة، بخطة سعد الشاذلي؟ دون أن يكون للسادات دور عسكري بها، طيب.. هل يمكن أن نستنبط أن السادات قدر قبل الحرب، أن خسارة الشاذلي بعزله أو تنحيته قليلًا، قد يؤثر على سير الحرب التي كان يتعامل معها السادات كمؤطر لشرعيته التي يريد أن تظل أبد الآبدين، ومن ثم جهز قرار إقالته بعدما يكون المصريون قد حققوا نصرهم المنشود؟ هل وعى السادات بضرورة إيفال نجم الشاذلي العسكري، ذلك النجم الذي يفضله المصريون عن النجم السياسي، أو النجم العلمي، وخشي من خطورة أن يتولى شؤون البلاد من وراءه، رجل عسكري ماكر، يعرف من أين تؤكل الكتف، ومن ثم بادر بتأجيج الخلاف بينه وبين وزراء الحربية من جهة، ومهد لعزله بعد سنوات من جهة أخرى؟ أعتقد أن الإجابة على كل تلك التساؤلات، سوف تكون بنعم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد