الولايات المتحدة ترضخ للمقاومة في أفغانستان بعد عقدين من الحرب

الولايات المتحدة الأمريكية تجلس على الطاولة نفسها للتفاوض مع حركة طالبان والمجاهدين الأفغان. كان خبرًا مفاجئًا لكن ما كان أكثر مفاجأة بالنسبة للجميع هو أن الولايات المتحدة نفسها التي كانت على استعداد أن تضرب أفغانستان بالسلاح النووي قبل قرابة عقدين من الزمان؛ قد وافقت على بعض من طلبات الحركة الأفغانية المسلحة بالفعل.

– الولايات المتحدة، التي احتلت أفغانستان في مطلع العقد الأول من القرن العشرين، وتحديدًا في 2001- 2002، تحديدًا بعد وصول حركة طالبان إلى سدة الحكم، بعد اتفاق مع حركة «تنظيم» القاعدة وعدد من أمراء الحرب الأفغان، الذين كانوا قد التفو حول زعامة «الملا محمد عمر» الأب الروحي للجهاد الأفغاني ضد الروس، والمؤسس لحركة طالبان.

لكن هذا لم يكن سببًا معلنًا بالنسبة لأمريكا، إنما اتخذت عددًا من المبررات الأخرى الواهية والمصطنعة، كانتهاك حقوق الإنسان، وارتكاب انتهاكات بالنسبة لحقوق المرأة، إضافة إلى عدد من الأسباب الأخرى، وبالفعل كانت حادثة الحادي عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2001 في واجهة الأسباب، والتي سعت الولايات المتحدة إلى توسيعها وإعطائها حجمًا كبيرًا يصل إلى المستوى الدولي، عن طريق الإتيان بشهود «زور» على أنهم من ضحايا الهجوم، وفبركة عدد من التقارير الاستخباراتية والحقوقية لتقديمها إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة.

– ومنذ الغزو الأمريكي في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وحتى الآن، اشتعلت الأراضى الأفغانية بالحمم من تحت أرجل الجنود الأمريكان، أو -الأفغان الموالين لهم- على حد سواء، وبينما كانت القوات الأمريكية تمنى بخسائر فادحة عامًا بعد الآخر استطاعت أن تحقق عددًا من المكاسب الاستراتيجية المهمة بالنسبة لها ولحلفائها، كقتل زعيم «تنظيم» القاعده أسامة بن لادن وعدد من أمراء الحرب الآخرين بالإضافة إلى تثبيت أرجل الحكومة الأفغانية – الموالية لها- في كابول والمناطق المحيطة بها.

أما الآن فأمريكا، والتي تمتلك ما يزيد على 15 ألف جندي من جنودها فقط على أراضي أفغانستان، يتناقصون يوميًّا بسبب الهجمات التي تستهدفهم من قبل المجاهدين الأفغان، قد اختارت أن تعيد النظر من جديد في موقفها بالجلوس على طاولة المقاوضات بالدوحة مع حركة طالبان، بعد أن أيقنت أنها لا خلاص لها ولا نصر في هذه الحرب، التي تعد أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة.

فقد فقدت الولايات المتحدة أكثر من 2400 جندي على أقل التقديرات طوال النزاع، وأنفقت أكثر من 900 مليار دولار على العمليات العسكرية، وبناء الطرقات والجسور ومحطات الطاقة، وفي المقابل استطاعت حركة طالبان الأفغانية استعادة السيطرة على نصف البلاد، وأصبح الوضع الأمني أكثر سوءًا مما كان عليه.

ومؤخرًا لجأت واشنطن إلى الحل الأخير للخروج من هذه الأزمة التي ورطت بها نفسها، وذلك عن طريق المفاوضات، والتي أعلنت الدوحة استعدادها لاستضافتها بصفتها تستضيف كذلك المكتب السياسي لحركة طالبان الأفغانية.

المفاوضات والتي علق عليها الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط الدكتور «ميشائيل لودرز» بأن لجوء إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتفاوض مع طالبان في قطر ، قبل إعادة واشنطن قواتها المتمركزة في أفغانستان يعد أمرًا منطقيًّا، خاصة وبعد أن أثبتت الحركة نفسها كقوة سياسية حاسمة على أرض الواقع، وكذلك قال إن هذه المفاوضات تضع حلفاء الولايات المتحدة الذين دعموها في هذه الحرب في موقع محرج أمام المجتمع الدولي.

المفاوصات التي وصفت بأنها الأكثر إثمارًا منذ بداية الحرب، حسب قول المبعوث الأمريكي لأفغانستان، خاصة بعد تعهد طالبان بأن على باستطاعتها أن تكبح زمام الحركات الأخيرة، مثل تنظيم القاعدة وتنظيم «داعش» بأفغانستان.

الحكومة الأفغانية التي تسعى لإنهاء حالة الحرب في البلاد بأقل الخسائر بالنسبة لها، وبشروط تناسبها، وفي هذه الحالة تكون حركة طالبان قد ربحت الحرب عن جدارة وقد سقطت الولايات المتحدة الأمريكية للمرة الثانية في تاريخها بعد الخسارة الفادحة التي منيت بها من قبل في فيتنام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد