الحراك الشعبي في الجزائر بين النجاح والفشل

إن أي مراقب للوضع الجزائري  بالتأكيد يثمن الحراك الشعبي لسلميته ولتنظيمه المحكم بالرغم من عدم وجود أية جهة أو شخصية تقوده أو توجهه وذلك يعود بشكل كبير لأن جوهره هو الشعب وهو نابع من الشعب ويلبي رغبات الشعب وحده، وليس أداة لتصفية الحسابات أو تحقيق أغراض شخصية.

إن الحراك بالرغم من قصر مدة تشكله والتفات الشارع حوله، إلا أنه شكل تهديدًا كبير على السلطة وعلى النظام الذي ليس من مصلحته أبدًا انفلات الوضع وحالة الفوضى. لقد حقق الحراك جملة من المكاسب كان أبرزها تراجع بوتفليقة عن الترشح لعهدة خامسة فكانت هاته من أبرز مطالب ومكاسب الحراك الذي هو نشأ من الأساس بسبب انعدام مصداقية الانتخابات، خصوصًا مع ترشح الرئيس بوتفليقة.

انسحاب بوتفليقة من سباق الرئاسيات نقطة تحول في الحراك.

11 مارس (آذار) هو تاريخ توجيه الرئيس بوتفليقة رسالة التي وعد فيها الجزائريين بإصلاحات سياسية وتنظيم الاستحقاق الرئاسي عقب الندوة الوطنية المستقلة تحت إشراف حصري للجنة انتخابية وطنية مستقلة والأهم أنه أجل الانتخابات الرئاسية، وبالتالي عدم ترشحه لرئاسيات جديدة.

إن هاته الخطوة جاءت لامتصاص غضب الشارع الجزائري وكسب المزيد من الوقت بالتأكيد من أجل إيجاد مرشح توافقي يخدم مصالح النظام.

بعد تأجيل الانتخابات واستمرار الرئيس الحالي في حكم وانضمام القضاة وتقريبًا كل شرائح المجتمع إلى الحراك أويحيى الوزير الأول يستقيل من منصبه ويعين وزير الداخلية السابق نور الدين بدوي مكانه مع تعيين وزير الخارجية رمطان العمامرة كنائب له، ومحاولة العمامرة كسب تأييد دولي للرئيس بوتفليقة بقيامه بزيارات إلى روسيا وإيطاليا و الصين لإعطاء شرعية لبقاء بوتفليقة في الحكم بعد 18 أبريل (نيسان) تاريخ انقضاء عهدته، بالرغم من عدم شرعيته حسب الدستور.

تدخل المارد العسكري في الحراك الشعبي.

كان رسالة قائد الأركان الفريق قايد صالح في 19 مارس وهو عيد النصر التي عبر فيها عن صدقه وتفانيه ومؤسسته في العمل من أجل الوطن كفأل خير للجزائريين.

كانت مظاهرات 22 مارس مظاهرات مليونية رغم الأوضاع الجوية السيئة خرج الآلاف، بل حتى الملايين، سواءً في العاصمة أو الولايات الأخرى تحت شعار واحد وهو «لا للتمديد» مع رفض حكومة بدوي ورفض الإصلاحات التي وعد بها الرئيس فكانت هاته المظاهرات صفعة في وجه النظام.

لقد كانت مختلف تدخلات قائد الأركان لضم الشعب تحت جناح قائد الأركان وكسب تأييده، إلا أن الغير متوقع هو دعوة القايد صالح الى تطبيق المادة 102 التي تنص على عزل الرئيس في حالة مرضه أو عجزه عن قيام بعمله وإعلان شغور المنصب وتولي رئيس مجلس الأمة الرئاسة، لقد أحدثت هاته التصريحات انقسامات و آراء متباينة حولها ووقتها ومصدرها فكيف لرجل ثقة الرئيس وذراعه اليمنى التخلي عنه في أصعب مرجلة تواجهه.

هل يسعى قائد الأركان لخلافة بوتفليقة؟ إن هذا الخيار غير مستبعد فهذا القرار أظهر مدى قوة الرجل وكلمته في النظام فهو بدون سابق إنذار تخلى عن رئيسه وعن وزيره، ألا وهو بوتفليقة، لقد كان هذا التصريح والفعل بمثابة انتصار كبير لهذا الحراك الذي أراد اقتلاع الرئيس من الحكم وتغيير النظام بكامله. إلا أن هذا القرار كان بمثابة التفاف حول مطالب الشعب، فعند تطبيق هذا القرار أو المادة الدستورية ستبقى الوزارة وسيبقى المجلس الدستوري الذي هو نفسه سمح لبوتفليقة بالترشح قبل أقل من شهر مضى، وحتى رئيس المجلس الدستوري فهو معين من طرف الرئيس بوتفليقة.

لقد بدأت ملامح صراع الأجنحة تظهر بشكل واضح، فقد انقلب العسكر على الرئاسة، وأطاحت ببوتفليقة ورجالاته، وحتى أنه تم عزل مجموعة من رجال الأعمال وشخصيات معروفة ومنعت من السفر الى الخارج، فالواضح أن المؤسسة العسكرية تبسط سيطرتها، وذلك أيضًا واضح من التفاف شخصيات سواءً من المعارضة أو الموالات  وأبرز مثال عن ذلك الوزير الأول السابق لثماني حكومات أحمد أويحيى الذي تخلى عن بوتفليقة بشكل صريح ودعم دعوة قائد الأركان بعزل الرئيس ودعا إلى استقالة بوتفليقة.

فبعد تصريحات قائد الأركان الأخيرة عاد وأكد على مسؤولية المؤسسة العسكرية في الحفاظ على الوطن وحماية الدستور وذكر بمسؤولية المؤسسة في الدفاع عن الشعب، ونفى أية نية للمؤسسة العسكرية بالعمل السياسي، وأكد على التزامها بالدستور.

إن اهتمام الشارع الجزائري بالسياسة بعد مقاطعة دامت سنوات يعد من أهم مكاسب هذا الحراك، فقد زادت الثقافة السياسية للشعب إلى حد ما منذ الحراك عكس الماضي القريب الذي كانت فيه شبه معدومة.

إن الحراك الشعبي أثبت نجاحه في تحقيق مطالبه إلى حد كبير بسلمية وفعالية خاصة مع ولادته متأخرًا فأبرز ما حقق الإطاحة بعهدة الخامسة، بالإضافة إلى العزل الرئيس في القريب العاجل، فهل نجح الحراك في تغيير النظام حقًا أم أن النظام سيعيد تشكيل نفسه بوجوه أخرى وهو الطرح غير مستبعد، فالأكيد أن النظام الموجود منذ أكثر من 20 سنة لن يتنازل عن السلطة بين ليلة وضحاها، بل سيحاول تكوين نفسه مجددًا.

لقدت دعمت المؤسسة العسكرية الحراك الشعبي اليوم والتي هي جزء من الشعب ووليدة حزب جبهة التحرير ووليدة الثورة التحريرية، فهل سيتقبل الشعب ذلك؟ فالكل في حالة ترقب عن ماذا ستسفر عنه مظاهرات الجمعة وردة الفعل عن الأحداث الراهنة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد