هناك على أرض الشام الأبية تولى «المأمون» سدة الحكم بعد أن انقلب على أخيه وقتله وانصاع له الجميع حقنًا للدماء إلا أن تجاوزاته لم تتوقف عند ذلك الحد فقد أغراه بعض أئمة أهل الضلال باعتناق منهج «الاعتزال»، ذلك المنهج الضال الذي ينفي صفات الله عز وجل ومنها صفة الكلام فكان الخليفة «المأمون» يؤمن بعدة خرافات منها أن الله لم يتكلم بالقرآن ولا بغيره، وهدد العلماء تلميحًا وتصريحًا بالسجن والتنكيل إن لم يسلموا لتلك البدعة ويوافقوه عليها، فأخذ أغلب العلماء برخصة الإكراه التي منحها الشرع إياهم حفظًا للحرمات وأخذ الإمام أحمد بالعزيمة فرفض وأبى، فاستشاط المأمون غضبًا وأمر جنوده بإحضاره مكبلًا من بغداد إلى حدود الشام حيث كان الخليفة آنذاك، وأقسم على قتله بسيفه إن لم يستجب لتلك البدعة الكفرية ويقر بها، ولكن الله عز وجل شاء أن يجنب الإمام أحمد ملاقاة ذلك الطاغية فمات المأمون والإمام في الطريق محمولًا إليه مكبلًا في أصفاده، وتولى أخوه المعتصم مقاليد الحكم فأكمل ما بدأه المأمون وأهان الإمام أحمد وشدد عليه وأمر بسجن الإمام  في سجن ضيق مظلم مكبل اليدين والقدمين بسلاسل حديدية حتى مرض الإمام  جراء ذلك ثم أمر بجلده بقسوة والتغليظ عليه حتى إن أحد جلاديه قال «ضربت أحمد سبعة عشر سوطًا، لو ضُربها جبل لانهد».

 

وأثناء تلك المحنة تسلل إلى الإمام أحمد بعض الوجهاء من أصحاب النفوذ والعلم وعرضوا عليه الإطاحة بالخليفة لما بدر منه من تعدٍ على حدود الله وانتهاك لحرمات الخلق، واعتقد أولئك الوجهاء أن الإمام أحمد سيقود جموع الثوار للإطاحة بذلك الطاغية فالإمام أحمد يمتلك قدرًا ومكانة كبيرة عند عامة المسلمين وانضمامه لصفوف أولئك الثوار سيضفي عليهم قوة وشرعية وسيذلل لهم كثيرًا من العقبات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أولئك الثوار يمتلكون بعض النفوذ والوجاهة وإلا ما استطاعوا أن يصلوا له تحت تلك الحراسة المشددة ويبلغوه عرضهم كما أن الخليفة ارتكب من الجرائم ما تشيب لهوله الرؤوس، وعامة المجتمع يغلي من الغضب والسخط عليه. فماذا كان رد الإمام أحمد؟

 

رفض الإمام أحمد العرض قائلًا «أرأيتم إن لم يتم لكم هذا الأمر، أليس قد صرتم من ذلك إلى المكروه؟! عليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ولا دماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم، ولا تعجلوا، واصبروا حتى يستريح برٌّ، ويُستراح مِن فاجر»، وهنا يتبادر إلى الأذهان السؤال؛ لماذا رفض الإمام أحمد ذلك العرض، بل وأمرهم بالطاعة لذلك الطاغية الذي أذاقه وأذاق شعبه الويلات؟

 

لقد وزن الإمام أحمد الأمور بميزان الشرع وبقواعد فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد فعلم أن عزل ذلك الخليفة سيترتب عليه تفكك الدولة وإزهاق الأرواح فآثر احتمال أذى الخليفة على انهيار الدولة وما يلحقه من مفاسد، والعجيب أن الإمام أحمد لم يفسق أو يخون عامة علماء المسلمين الذين أجابوا الخليفة ووافقوا دعواه الباطلة بل حفظ لهم قدرهم لأن الإمام أحمد يدرك جيدًا أن الشرع قد أباح لهم ذلك حفظًا للأنفس والأموال، فلقد قال ابن رجب «ولعمري إن أيام عبد الملك والحجاج والوليد وأضرابهم كانت من الأيام التي سقط فيها فرض الإنكار عليهم بالقول واليد لتعذر ذلك والخوف على النفس» بل إن الشرع حرم الإنكار على الحكام والأمراء إن كان سيتأذى مسلمون أبرياء من ذلك الإنكار فلقد قال الغزالي «فإن كان يتعدى الأذى من حسبته إلى أقاربه وجيرانه فليتركها فإن إيذاء المسلمين محذور كما أن السكوت على المنكر محذور» ولذا تجد التابعين قد تحملوا جور بعض حكام بني أمية حفظًا للدولة وتجنبًا للقتل والسجن متبعين في ذلك أدلة الشرع التي لا تعترف بأهواء الجاهلين ولا بمزايدات الموتورين، ولكن ترى ماذا حدث بعد رفض الإمام أحمد لعرض الثوار هل زادت الأمور سوءًا وانهار صرح الإسلام، أم أنه ببعض الصبر والثبات على الدين مكن الله للإمام أحمد في الأرض وزال الطاغية وتبدلت الأحوال؟

 

صبر الإمام أحمد في تلك الفتنة – وما تلاها من فترة حكم الواثق – وآثر حفظ دماء وأعراض المسلمين وعدم تعريض الدولة للتفكك والانهيار، ولم يفسق العلماء الذين أجابوا الخليفة بل حفظ لهم مكانتهم، وكذلك لم يكفر الخليفة بل وعامله بالرفق واللين فبدل الله منحة بمحنة وبألمه أملًا وباستضعافه تمكينًا.

 

وإذا ما قارنا بين حكمة الإمام أحمد في التعامل مع تلك الأزمة وطيش بعض الإسلاميين في التعامل مع واقعنا المعاصر ندرك بجلاء لماذا مكن الله لأمثال الإمام أحمد وكتب الخذلان على آخرين، فما عند الله لا ينال إلا باتباع قواعد شرعه، والاسترشاد بمصابيح سبيله وإن خالف ذلك هوى النفس.

 

إن ما قام به الإمام أحمد درس ثمين لكافة الإسلاميين في أوطاننا الحبيبة، إن الإمام أحمد لم يفسق ولم يخون ولم يكفر أحدًا، لم يشمت في قتل الجنود ولم يهزأ بدموع الأرامل، لم يتشف وتتهلل أساريره بجراحات البسطاء ومعاناتهم من شظف الحياة وضيق ذات اليد، لم يقل لهم ذوقوا عاقبة خذلانكم لي، وللحديث بقية إن شاء الله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s