تناولنا في المقال السابق ذلك العرض المغري الذي قدمه الثوار للإمام أحمد، وقوبل بالرفض، وتأملنا كيف كان المنهج الشرعي القويم بمثابة الجسر الذى عبر عليه الإمام أحمد من الاستضعاف إلى التمكين فأصبح إمام أهل السنة، ونصر الله به الدين، وأعز الإسلام، وببعض الاستقراء في سيرة الإمام أحمد عامة وقصة المحنة خاصة، نستطيع بجلاء أن نبصر مجموعة من الرسائل الهامة لأحد أعرق الجماعات الإسلامية، والطرف الأساسي في المعضلة المصرية الحالية، جماعة الإخوان المسلمين، وأهم تلك الرسائل ما يلي:

1- ليس العيب أن تخطئ ولكن العيب أن تتمادى في خطأك

أساء الإخوان التقدير والتصرف، واعتقدوا أن الجيش معهم يناصرهم ويشد من أزرهم، بالرغم من تحذيرات كثير من العقلاء بأن الأمر خلاف ذلك، ومرت الأحداث متسارعة، واتضح بجلاء خطأ الإخوان، ثم أرادوا أن يصوبوا ذلك الخطأ؛ فارتكبوا خطأ آخر، وخرجوا بمظاهرات حاشدة في مواجهة دبابات ومجنزرات الجيش، معتقدين أن صدورهم أقوى من الرصاص، ولكن صدورهم لم تكن كذلك، فأريقت دماء الأبرياء أنهارًا بعدما حذرهم العقلاء من سوء عاقبة نهجهم.

ومرت الأيام وتوالت المظاهرات وتزايدت معها أعداد القتلى، واتضح بجلاء خطأ الإخوان، فأردوا أن يصوبوا ذلك الخطأ أيضًا، فتبنوا مبادرات لإضعاف الاقتصاد من باب العقاب الجماعي للشعب الذى خذلهم، وتبنى بعضهم عمليات نوعية ضد بعض الضباط، فردت الشرطة بمزيد من العنف، فزاد بطش الدولة بهم، وزج بالإخوان وأنصارهم بالآلاف في السجون، وصودرت أموالهم، وانتهكت حرماتهم، وأصبح «الانقلاب الذى يترنح» جاثمًا على صدورهم بلا فكاك، وبعد كل تلك الأخطاء مازال الإخوان يصرون على عدم الاعتراف بالخطأ، بل التمادي في نفس الطريق، متوقعين نتائج مختلفة، وكما يقول ألبرت أينشتين: من الغباء أن تسلك نفس الطريق، وتنتظر نتائج مختلفة.

2- ما عند الله لا ينال بمعصيته

بحث الإخوان كثيرًا عبر عقود عن التمكين، وأقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم سينصرون الدين فور اعتلائهم العرش، فاختبرهم الله بذلك، وكان منهم ما كان بعدما وطأوا بالإقدام نصح إخوانهم، واستهزأوا بآراء العلماء، ثم أعطى الله الحكم لغيرهم، فانقلبوا على إخوانهم الذين طالما نصحوهم فأعرضوا، وبدلًا عن أن يراجع الإخوان ثوابتهم وأهدافهم، ويصوبوا أخطاءهم، ويعودوا إلى الله عزوجل سائلين إياه التمكين للدين، لا للأشخاص!

بدلًا عن ذلك، فإذ بهم ينحوا الشرع جانبًا متناسين أن جماعتهم ما أسست إلا لنصرة ذلك الدين، فأصبح نهج جيفارا عندهم مقدمًا على نهج الإمام أحمد، وتم اختزال الدين في آيات متشابهة وأحاديث معدودة تقتطع من سياقها، وتستخدم فى غير موضعها، ولم يكلف أحدهم نفسه عناء البحث في كتب التفسير وشروح السنة عن أقوال أهل العلم في تلك الايات والأحاديث، وكيف فسرها الصحابة والتابعون، بل كيف طبقوها، إن الإشكالية الأكبر التي يعاني منها الإخوان حاليًا هى إشكالية المرجعية، فعندما تتصادم أهواء النفس مع الشريعة؛ يذل أقوام ويثبت آخرون، لذا نصحنا الإمام عيى بتجنب ابتاع الهوى قائلًا: إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، فإنه يصد عن الحق. قطعًا تعرض الإخوان – ومازال يتعرضون – لأنواع من الظلم، لكن دون بصيرة بالسنن الكونية والآيات الشرعية، فلا مجال لرفع تلك المظالم، لن تغني عنكم «مكملين» وأخواتها من الواقع في شيء، عودوا إلى الشرع إن أردتم الخير لكم ولأوطانكم.

3- تذكروا يوم الحساب

هذه الرسالة موجهه خصيصًا لقادة الجماعة، أخطأتم عشرات، بل مئات، الأخطاء، وغررتم بالشباب، فإياكم أن تعتقدوا أن دماء هؤلاء بعيدة عن رقابكم، لا والله، ستحاسبون أمام الله عزوجل، فكم من أسرة شردت! وكم من امرأة فقدت زوجها نياط قلبها! وكم من طفل يتم دون ذنب! وكم من أم فقدت فلذة كبدها جراء سمومكم! أقنعتم الشباب المتحمس بأن صدورهم أقوى من الرصاص، وأن الانقلاب يترنح، وأن الله قد تكفل لهم بعودة مرسي – ذلك الرئيس الذي رأى أحدكم في منامه أنه صلى إمامًا بالنبي – صلى الله عليه وسلم – ولما تعارض تتابع الأحداث مع ما تقولون روجتم أنكم تعلمون خفايا الأمور ودقائق الأسرار، وادعيتم انشقاق الجيس الثاني دعمًا لد. مرسي، بل استشرفتهم وصول الأسطول الأمريكي؛ لنصرة الشريعة، وإعادة الشرعية!

ثم وقت حصاد الأرواح؛ فررتم من أرض المعركة، وقدمتهم أولئك الأبرياء، حسنا أعلم أن لديكم عدة قنوات وعشرات من المواقع وصفحات التواصل التي تستطيعون بها اختلاق الأوهام والأكاذيب القادرة على خداع الشباب، لكن مهما قلتم على شاشاتكم، ومهما صرفتهم الشباب عن علماء الأمة، فماذا ستقولون لله عزوجل يوم القيامة؟ وماذا سيصرفكم عن لقائه؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مرسى
عرض التعليقات
s