«إن بريطانيا ليست لها صداقات دائمة أو عداوات دائمة، ولكن بريطانيا لها مصالح دائمة» دزرائيلى رئيس وزراء بريطانيا الأسبق.

بعد حضور رئيسة الوزراء البريطانية «تيريزا ماي» القمة الخليجية الـ37 في أول زيارة لها للشرق الأوسط منذ توليها رئاسة وزراء بريطانيا، لتصبح بذلك أول رئيس لوزراء بريطانيا وأول سيدة تحضر هذه القمة على مدار تاريخها.

وكانت «ماي» تولت منصبها في يوليو الماضي، بعد أن كانت تشغل منصب وزيرة الداخلية البريطانية، وذلك بعد استقالة رئيس الوزراء السابق «ديفيد كاميرون» بسبب نتيجة الاستفتاء الشعبي الذي قضى بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وبعد انتهاء القمة ثارت تساؤلات

هل تستطيع السيدة العجوز «بريطانيا» ممثلة في شخص رئيسة وزرائها «تيريزا ماي» أن توفر الحماية والاطمئنان لدول الخليج ومشايخها المرعوبين من آيات الله وحرسهم الثوري في طهران؟

ثم ما هدف بريطانيا من اقترابها الحثيث من مشيخات الخليج؟

ثم أخيرًا ما مستقبل العلاقة بين مشيخات الخليج وبريطانيا؟


إن بريطانيا ليست غريبة عن الخليج العربي، ولكنها كانت المهيمنة المسيطرة على طول تلك المنطقة وعرضها عندما كانت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس!

الخلفية التاريخية للعلاقة بين الخليج والإمبراطورية البريطانية

كانت بريطانيا أشد وأقوى الطامعين في إرث الخلافة العثمانية، وأهم ما فيه قلبه العربي الإسلامي من وادى الفرات إلى وادى النيل محفوفًا بالشاطئ الشرقي للبحر الأبيض، وكانت حكومة الهند البريطانية هي التي بدأت تزحف بسلطتها أكثر من أي قوة أخرى بين القوى المتنافسة على تجارة الشرق وطرقها البحرية والبرية، وكانت دعواها في ذلك الوقت تتمثل في مبدأين:

  • الأول – حماية حرية التجارة.
  • الثاني – مكافحة تجارة الرقيق والقرصنة.

وفي ظل هذين المبدأين تمكن الأسطول البريطاني من تدمير الملاحة التجارية العربية لبعض القبائل التي ظهر دورها في تجارة البحر، وفي مقدمتها «القواسم».

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف الإمبراطوري اتصل الوكلاء البريطانيون، وكان محتمًا أن يتصلوا بعدد من زعماء القبائل الظاهرة في «نجد» وشبه الحاكمة في صحاريها.

وفي ذلك الوقت كانت ردود فعل الصراع الكبير على مقادير الشرق الأوسط تصل إلى المنطقة وتؤثر فيها، ومن مفارقات التاريخ أن الصراع الذي جرى وانتهى بالحملة الفرنسية على مصر، ثم الاحتلال البريطاني لها ظهرت بوادره في الخليج.

فعندما جاء «نابليون بونابرت» إلى مصر وهدف النهائي هو الهند وهي يومها «الدرة» في التاج البريطاني، وكان من أول قراراته فيها إرسال مبعوث إلى مشايخ قبائل الخليج ووكلائهم في موانئه الصغيرة، وقد دعم خطوته تلك بأمر إلى قوات من الأسطول الفرنسي لشركة الهند الشرقية الفرنسية بأن ترسل بعض سفنها المزودة بمدافع كبيرة إلى منطقة الخليج.

نابليون بونابرت

 


وكان الذي تولى مهمة صد هذه السفن عن دخول الخليج أسطول بريطاني تتقدمه الفرقاطة «sea shore» أي «شاطئ البحر» المعقود لواء قيادتها للكابتن «نلسون» الذي قُدر له فيما بعد أن يدمر أسطول «نابليون» في «خليج أبي قير» ثم يهزمه نهائيًا في معركة «ترافلجار» أي «الطرف الأغر».

أي أن المبارزة البحرية بين «نابليون» و«نلسون» بدأت أولاً في الخليج، ثم تفاقمت أمام الإسكندرية، ثم جرى حسمها قُرب الشاطئ الإسباني على مرمى حجر من أوروبا!

ومما يلفت النظر أن أول إنذار تلقاه «محمد علي باشا» والي مصر الكبير من القوى الأجنبية التي أقلقتها سياسته هو الإنذار الذي وجهته إليه بريطانيا سنة 1838 بأن يسحب الجيش المصري من الكويت.

محمد علي


وكان هذا الجيش قد وصل إلى الكويت في إطار الحرب مع «الوهابيين» في «نجد»، وبقي هناك مدة أربع سنوات تشغله المخاطر التي تحوم حول الخليج، والمطامع التي تتهدده، وقد أدرك «محمد علي» بحسه الإستراتيجي أن هناك صلة وثيقة بين ما يجري في مياهه أمام الكويت في «الخليج»، وما يجري هنا في البحر الأبيض أمام الإسكندرية.

ولم تكن بريطانيا على استعداد لترك «محمد علي» لأفكاره وخططه، وكان أن وجهت إليه إنذارًا بالخروج من الخليج، وكانت تلك مقدمة للإنذار النهائي الذي تجمعت أوروبا فيه لكي تضرب هذا الحالم بتجديد شباب الخلافة، والمتطلع إلى عرشها وتفرض عليه الاستسلام بمعاهدة لندن سنة 1840.

إلى هذه الدرجة كان تداخل الصراعات على مشارف القرن التاسع عشر، وحتى نهايته. وقرب هذه النهاية طرأ عنصران:

  • الأول – بوادر احتمالات لظهور البترول في الخليج.

 

  • الثاني – الانهيار الكامل لدولة الخلافة العثمانية، وقيام كيانات عربية كبيرة تستعيد استقلالها من جديد بعد انقضاء عصر الخلافة.

وتعارض مطلب تأمين البترول للقوى الكبرى المتنافسة على الخليج بكل ما فيه، مع مطلب الكيانات السياسية العائدة، والتي تبدت نزعتها الطبيعية إلى تأكيد ولايتها على ما تعتبره إقليميًا. وكان هذا أشد ما يكون في جوهر الخليج.

والذي حدث أن بريطانيا بقوة أسطولها ونفوذ شركتها مضت ترسم الخرائط، وكأنها تجري بالخطوط والألوان على صفحات بيضاء، أو صفراء بلون الرمال!

وكانت بداية العملية أن شيوخ القبائل النافذة في المواقع الغنية، أو المحتملة الغنى أصبحوا حكامًا بمقتضى اتفاقيات قاموا بتوقيعها مع ممثلي حكومة الهند ووكلائها.

وبمقتضى هذه الاتفاقيات التي تم توقيعها في فترة الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين تعهد الشيوخ بأن يوالوا من يوالي الإمبراطورية البريطانية، وأن يعادوا من يعاديها، وألا يسمحوا بدخول قوة أجنبية أخرى إلى مواطنيهم وشواطئهم، وإلا يتنازلوا عن شيء من الأراضي التي وضعت تحت سلطتهم لأي طرف آخر مهما كان.

وكان بسط السيطرة على طرق التجارة إلى الشرق هو البداية، وتلاه الصراع مع الدول الطامعة في المستعمرات «وبينها في ذلك الوقت روسيا وألمانيا» ثم أضيف إلى ذلك عنصر أكثر أهمية، وأكثر اتصالاً بالقرن العشرين، وهو عنصر البترول.

كان هذا العنصر الملتهب هو الذي راح يؤدي إلى تطورات حادة، ليست فقط بين القبائل التقليدية في الخليج وبين الدول الجديدة الناشئة حوله، وإنما أيضًا بين الشيوخ أنفسهم.

ولم تكن المنطقة تعرف الحدود، وكانت على حد تعبير «روبرت هي» المقيم البريطاني فيها أثناء الخمسينات:

«بحار من الرمال تعبرها القوافل مثلما تعبر السفن بحار الماء، دون أن تترك وراءها أثرًا».

ولم تكن فكرة الحدود من الأساس موجودة تفصل كيانًا سياسيًا عن آخر، وكان الفصل في المنازعات بين شيوخ القبائل من اختصاص حكومة الهند ومفوضها المقيم في الخليج.

وكان مفوض حكومة الهند في الخليج «برسي كوكس»، وهو وقتها ضابط برتبة ماجور، وهو الذي أمسك بقلمه الأحمر، وجرى به على الخرائط خطوطـًا ليقول بعدها للمشايخ: «هذه حدودكم الجديدة».

الماجور برسي كوكس

 


ولم يكن بعضهم راضيًا خصوصًا في رسم الحدود بين الكويت والسعودية، وهنا خرج «برسي كوكس» باختراعه الشهير عن المناطق المتهادنة والمناطق المحايدة، وغير ذلك من التعبيرات والمصطلحات.

ووصلت الخلافات والصراعات بين المشايخ وضرورات احتوائها إلى درجة اقتضت أن يجيء نائب الملك في الهند «اللورد كيرزون» وأن يجمع المشايخ سنة 1903 وأن يلقي فيهم خطابًا يعتبر من المأثورات في أدب العصر الاستعماري، فقد قال اللورد «كيرزون»:


«إن الحكومة البريطانية قامت خلال المائة سنة الماضية بإنشاء نظام لحفظ السلام العالمي، وقد وافقتم على أحكامه، ونتيجة لهذا قامت بينكم وبين حكومة الهند علاقات، وأصبحت بمقتضاه الحكومة البريطانية هي السيد والحامي في بلادكم.

ولقد قدمتم لها ولاءكم دون أي قوة أخرى، وفي بعض الأحيان أشعر أنكم تتعرضون لخطر النسيان، وربما يكون بينكم من يسأل نفسه: لماذا تريد الحكومة البريطانية أن تمارس هذه الصلاحيات؟

إن الجواب على هذا السؤال يظهر أمامكم إذا تذكرتم تاريخ بلادكم وتاريخ عائلاتكم وقارنتم بين ما كان وبين ما هو كائن اليوم.

إن بريطانيا العظمى كانت هنا قبل أن تُطل أي قوة أخرى على هذه المياه، ولقد كان كل شيء فوضى، وكنا نحن الذين منحناكم نظامًا، وكانت التجارة مهددة، وكان أمن أُسركم مهددًا، وكنا نحن الذين منحناكم الحماية.

وهناك رعايا لصاحب الجلالة ملك بريطانيا على هذه الشواطئ يعيشون ويتاجرون، وعليكم أن تتذكروا أيضًا أن إمبراطوريتنا الهندية العظمى تقع على مقربة منكم، وواجبنا أن نحميها، وأن نحميكم أنتم أيضًا.

إننا أنقذناكم جميعًا من الإبادة على أيدى جيرانكم، ونحن الذين نحميكم أنتم أيضًا.

ونحن الذين فتحنا المسالك البحرية لسفن الأمم الأخرى كي تجيء إليكم هنا في سلام.

إننا لم نغتصب أرضًا لكم، ولم ندمر سيادتكم، وإنما حافظنا على ذلك كله، ولا بد أن تدركوا أننا لا ننوي أن نُضيع قرنًا كاملاً مكلفـًا من النصر والرخاء لأي سبب، ولن نترك هذه الصفحة من التاريخ لتطوى.

إن أمن هذه المياه سوف تجرى المحافظة عليه واستقلالكم سوف يُضمن طالما بقي نفوذ الحكومة البريطانية فوق أي نفوذ هنا».

كان اللورد «كيرزون» في هذا الخطاب يستهدي بالمقولة الشهيرة المأثورة عن الملك «عبد العزيز آل سعود» التي وردت في حديثه مع الكاتب والرحالة اللبناني الشهير «أمين الريحاني» سنة 1921 والتي قال فيها:

«هؤلاء البدو لا يعرفون من الدنيا غير شيئين السيف والذهب».

وفي حين أن خطاب اللورد «كيرزون» كان تلويحًا بالسيف، فإن الذهب كان حاضرًا، إذ إن الحكومة البريطانية كانت تعطي الملك «عبد العزيز» نفسه خمسة آلاف جنيه من الذهب كل سنة.

واستمرت بريطانيا القوة المسيطرة في المنطقة حتى إعلانها قرارها جلاء القوات البريطانية عن المنطقة وفق سياسة الدفاع الجديدة، والتي أعلنها حزب العمال البريطاني الحاكم وقتها وسماها وقتها بسياسة «الانسحاب من شرق السويس».

أهداف بريطانيا من التقارب مع الخليج

لبريطانيا أهداف اقتصادية في المقام الأول وإستراتيجية وأمنية بعد ذلك.

لا تخفي رئيسة الوزراء البريطانية «تريزا ماي»، أن مشاركتها، لأول مرة في القمة الخليجية بالعاصمة البحرينية المنامة، تهدف إلى تحضير بلادها لمرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وتفقد لندن، بدون شك، عقب الخروج، امتيازات لطالما تمتعت بها في السوق الأوروبية المشتركة، وتمثل منطقة الخليج بثرائها النفطي، واحتياجاتها الأمنية والعسكرية المتزايدة أحد هذه الخيارات.


وفي هذا الصدد، أشارت «ماي» إلى أن «دول الخليج تعد أكبر مستثمر في بريطانيا، وثاني أكبر سوق تصدير لدينا، خارج أوروبا، وأعتقد أن هناك إمكانية كبيرة لتوسيع هذه العلاقة في السنوات المقبلة».

وبلغت الصادرات البريطانية إلى دول الخليج في 2014، 13.6 مليار جنيه إسترليني «نحو 16.5 مليار دولار»، وبحسب تقرير لقناة «سي إن بي سي عربية»، تبلغ قيمة الاستثمارات الخليجية في بريطانيا 200 مليار دولار، حصة العقارات منها 45 مليارًا، ما يمثل 40 بالمئة من الاستثمارات الخليجية في العقارات بأوروبا.

وتقول الحكومة البريطانية إن هناك فرصًا تقدر قيمتها بـ 30 مليار جنيه إسترليني للشركات البريطانية للاستثمار في 15 مجالاً مختلفـًا في الخليج، خلال السنوات الخمسة المقبلة.

لكن رئيسة الوزراء البريطانية، تؤكد على أهمية التركيز على التعاون العسكري مع دول الخليج، التي تواجه عدة تحديات أمنية سواء من خلال مشاركتها المباشرة في حرب اليمن، ضمن التحالف العربي الذي تقوده السعودية، أو من خلال دورها البارز في الأزمة السورية، ناهيك عن تنامي الدور الإيراني في المنطقة.

وقبيل مشاركتها في القمة الخليجية بالبحرين، قالت «ماي»: «مسألة الأمن أمر متشابك بين دول الخليج وبلادنا، فأمن الخليج هو أمننا، وهذا هو السبب في أننا نستثمر في القوة الصلبة هناك، بأكثر من 3 مليارات جنيه إسترليني في مجال الدفاع، خلال السنوات العشرة المقبلة”.

وأشارت إلى أن «الإنفاق العسكري في الخليج أكثر من أي منطقة أخرى من العالم».

وبلغ الإنفاق العسكري لعام 2016 في السعودية وحدها 87 مليار دولار، أي ما يعادل 13.7 % من ناتجها المحلي، وحلت ثالثة بعد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.

وأقامت بريطانيا أول قاعدة عسكرية بحرية دائمة في الخليج منذ 1971، والتي تستخدمها البحرية الملكية البريطانية.

وتطرقت صحيفة «الغارديان» البريطانية في أحد أعدادها الماضية، إلى تصريحات أدلت بها رئيسة الوزراء البريطانية أثناء زيارتها الحالية لدول الخليج، توضح تشابك العلاقات السعودية – البريطانية.

رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي


وأكدت «ماي»:

«أن الأمر لا يقتصر على تقديم الدعم العسكري فحسب، بل يتعداه إلى ضرورة تعزيز العمل المشترك لمواجهة أي تهديدات محتملة، وذلك في إطار الجهود الرامية لمنع التطرف والتصدي للإرهاب.»

وأشارت إلى أن بلادها «تعتزم تكثيف الاتفاقات الدفاعية والأمنية المشتركة بغية تعزيز الثقة والاستقرار في المنطقة من ناحية، والحفاظ على سلامة الشعوب في العالم، الذي يزداد خطورة يوم بعد يوم من ناحية أخرى»، وفق الصحيفة البريطانية.

وفي هذا السياق، أشارت صحيفة «تلغراف» البريطانية إلى أن الزيارة كشفت «عن خطط بريطانية لدعم الإجراءات الأمنية في مطارات دول الخليج بموازنة تقدر بملايين الدولارات، وسط مخاوف متزايدة من هجمات إرهابية محتملة قد تستهدف قطاع الطيران، من قبل عناصر داعش، المتمركزين في العراق وسوريا».

وفي محاولة لتعزيز التعاون المشترك لمواجهة الإرهاب، لفتت «ماي» إلى أنها «ستعلن قريبًا عن تعيين ثلاثة خبراء بريطانيين متخصصين في أمن المعلومات ليتم إرسالهم إلى المنطقة بغية دعم السلطات المحلية».

ونوّه مسؤولون في الحكومة البريطانية بتكامل العلاقة الأمنية بين المملكة المتحدة ودول الخليج التي أنقذت حياة كثيرين، لاسيما في حادثة اكتشاف قنبلة في أكتوبر/ تشرين الأول 2010، بمطار «إيست ميدلاندز» بمدينة «نوتنغهام»، شرقي بريطانيا، على متن رحلة متجهة إلى الولايات المتحدة، وكان ذلك نتيجة مباشرة للمعلومات الواردة من السلطات السعودية.

غير أن زيارة ماي، إلى دول الخليج قوبلت بضغط داخلي لدفعها لإثارة، ما تعتبره منظمات غير حكومية «انتهاكات» خليجية لحقوق الإنسان، على غرار ما يجري في البحرين والحرب في اليمن، ودعت إلى عدم توريد الأسلحة إلى هذه الدول.


ولكن «ماي»، ردت على هذه الدعوات بالقول: «البعض سوف يجادل بأن على بريطانيا ألا توثق علاقاتها بالدول التي لديها سجلات مثيرة للجدل في مجال حقوق الإنسان».

وأضافت: «لا نريد الالتزام بمبادئنا وقيمنا الإنسانية بإدارة ظهورنا إلى المشكلة، نحن نستطيع تحقيق الكثير من خلال مشاركتنا هذه الدول والعمل معهم لتشجيعهم ودعمهم للتخطيط للإصلاحات في بلادها».

وتابعت ماي: «هكذا تصبح بريطانيا قوة خير في العالم، وكذلك تساعد مواطنيها على البقاء آمنين، وتخلق فرصًا جديدة لأعمالهم».

وأوضحت ماي: «هناك في دول الخليج فرص استثمارية هامة، لاسيما في مجال الطاقة، والتعليم، والبنية التحتية، والرعاية الصحية، وبالمقابل فإن الاستثمارات الخليجية تساهم على تجديد المدن البريطانية».

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة البريطانية اغتنمت فرصة زيارة رئيسة وزرائها للإعلان عن تأشيرة دخول جديدة، مدتها خمس سنوات متعددة للشركات البريطانية التي تعتزم زيارة السعودية، ومعرض «إكسبو 2020» في دبي.

معارضة واضحة لسياسة ماي من داخل مجلس وزرائها

بوريس جونسون


لكن من الواضح أن خطوة رئيسة الوزراء البريطانية «تيريزا ماي» عليها اعتراضات من داخل حكومتها؛ فقد خرج وزير الخارجية البريطاني «بوريس جونسون» بتصريح معاد لجهود رئيسة الوزراء ولسياستها فقد قال:

«إن السعودية وإيران تشعلان «حروبًا بالوكالة» في أنحاء الشرق الأوسط، وإن بعض السياسيين في المنطقة يسيئون استغلال الدين».

وقال «جونسون» أيضًا خلال لقاء في روما الذي عينته رئيسة الوزراء تيريزا ماي وزيرًا للخارجية في يوليو تموز الماضي:

«إن غياب قيادة حقيقية في الشرق الأوسط أتاح للناس تحوير المفاهيم الدينية وإشعال حروب بالوكالة».

وقال «جونسون» كذلك في لقطات بثها موقع الغارديان:

«السعوديون وإيران والجميع يتحركون ويحركون الدمى ويشعلون حروبًا بالوكالة، ورؤية هذا مأساة».

وأضاف «جونسون»: «هناك سياسيون يحرفون الدين ويسيئون استخدامه ويقدمون تفسيرات مختلفة للدين نفسه من أجل تحقيق أهدافهم السياسية الخاصة، هذه واحدة من أكبر المشاكل السياسية في المنطقة برمتها».

لماذا استقرت دول الخليج على بريطانيا حاميًا ومنقذًا؟!

من الواضح أن دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية عندما نظروا حولهم في ظل التغيرات الجديدة على المستوى الإستراتيجي الدولي والإقليمي، لم يجدوا غير بريطانيا تقف معهم في ظل التغيرات الأخيرة.

وأما الحليف الأكبر والحامي الأول لكل الخليج «الولايات المتحدة الأمريكية» فسياستها تغيرت وتبدلت منذ مجيء «باراك أوباما» للحكم، وفيما يبدو أن التغير سيزيد في اتجاه معاداة السعودية تحديدًا مع نجاح الرئيس الأمريكي الجديد «دونالد ترامب» ومجيئه.

ترامب


وكان «ترامب» يعتبر أول مرشح في تاريخ الانتخابات الأمريكية ينتقد السعودية علانية ويقلل من شأنها في الأجندة الخارجية الأمريكية، ولعل ذلك سهل الاستخلاص من تصريحات «ترامب».

فقد قال مثلاً عن المملكة السعودية:

«إن آل سعود يشكلون البقرة الحلوب لبلاده، ومتى ما جف ضرع هذه البقرة ولم يعد يعطي الدولارات والذهب عند ذلك نأمر بذبحها، أو نطلب من غيرنا ذبحها، أو نساعد مجموعة أخرى على ذبحها، وهذه حقيقة يعرفها أصدقاء أمريكا وأعداؤها وعلى رأسهم آل سعود».

وخاطب المرشح الأمريكي «ترامب» النظام السعودي قائلاً:

«لا تعتقدوا أن مجموعات الوهابية التي خلقتموها في بلدان العالم وطلبتم منها نشر الظلام والوحشية وذبح الإنسان وتدمير الحياة ستقف إلى جانبكم وتحميكم، فهؤلاء لا مكان لها في كل مكان من الأرض إلا في حضنكم وتحت ظل حكمكم؛ لهذا سيأتون إليكم من كل مكان وسينقلبون عليكم ويومها يقومون بأكلكم».

وكان «ترامب» قد قال قبل فترة في حديث تلفزيوني مع قناة إن بي سي:

«سواء أحببنا ذلك أم لم نحبه، لدينا أشخاص دعموا السعودية، أنا لا أمانع بذلك، ولكننا تكبدنا الكثير من المصاريف دون أن نحصل على شيء بالمقابل، وعليهم أن يدفعوا لنا»، مضيفـًا السعودية ستكون في ورطة كبيرة قريبًا بسبب داعش، وستحتاج لمساعدتنا، لولانا لما وجدت وما كان لها أن تبقى».

ودعا «ترامب»:

«العائلة السعودية إلى تقديم ثلاثة أرباع ثروة السعودية إلى أمريكا بدلاً من نصفها التي كانت تدفعها مقابل حماية حكمهم واستمراره في الجزيرة العربية، وأضاف ما يقدمه آل سعود إلى أمريكا من مال، حتى لو كان نصف ثروة البلاد لا قيمة له ولا أهمية بالنسبة لما تقدمه أمريكا لهم من حماية ورعاية».

وبهذا التباعد والتغير في المسافات والتغير في الاتجاهات والسياسات، نشأ فراغ لم يكن هناك سبيل لتعويضه، ولما كان الفراغ معاديًا للطبيعة بالضرورة؛ فإن محاولات متنوعة جرت لملئه.

ونظر الخليج على الدول المرشحة للعب ذلك الدور معه.

وكانت هناك روسيا، ولكنهم وجدوها داعمًا وحليفـًا للدول التي يراها مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسه السعودية «باستثناء سلطنة عمان» أنها تهدد أمنها وتؤرق نومها بالكوابيس الحزينة والخطيرة كل ليلة!

فلاديمير بوتن

فلاديمير بوتن


فروسيا «بوتن» هي الداعم السياسي والعسكري لكل من النظام العلوي البعثي في دمشق ولآيات الله في طهران، ولحزب الله في لبنان، ولجماعة الحوثي في اليمن.

بشار الأسد وقاسم سليماني


وألمانيا لم تطرح نفسها في أي وقت للعب ذلك الدور.

والصين موقفها أقرب إلى روسيا منه إلى مجلس التعاون.

وبالتالي لم يتبق سوى السيد والحامي القديم «بريطانيا» الإمبراطورية التي كانت لا تغرب عنها الشمس قبل أن تسقط و تغرق في مياه السويس 1956.

وهكذا وبعد طول حسابات ونظر في العطاءات رسا القرار على بريطانيا.

ماي مع مشايخ مجلس التعاون الخليجي


وفيما يبدو أن بريطانيا أبدت القبول والاستعداد على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري.

بالإضافة إلى أن ذلك التقارب والتحالف الجديد ربما يكون دافعًا للسياسة الأمريكية وصانعيها على تغيير سياساتهم المتوقعة تجاه الخليج عامة والسعودية خاصة.

خاتمة المطاف..

مشهد مثير للرثاء داعيًا إلى الحزن والبكاء!

صورة تشبه الوضع العربي اليوم


وفي النهاية فنحن اليوم في وطننا العربي أمام وضع جديد وغريب ومختلف: فنحن أمام أمة أخذتها المفاجآت، ثم أفزعتها التداعيات، ثم قسمتها الخلافات، ثم ساقتها الفتنة إلى طُرق وعرة ليس بينها درب أمان.

أمة أصبحت مسلحة ولكن للاقتتال وليس للقتال، وأمة غاضبة لكنه الغضب بغير كبرياء، وأمة حزينة وليس لديها ما تفخر به وتعلو على أحزانها.

وهناك عالم بأكمله يتفرج ويشاهد، وبعض قواه النافذة لا تطفئ نارًا، ولكن تزيد النار اشتعالاً، وتلهو بمحنة الأمة، وتنفذ من خلال صفوفها المبعثرة إلى تحقيق مطالبها وأطماعها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد