إذا كان المقصود بجميعها، هو جميعها على الإطلاق، فبالطبع لا لم يفعل القرآن، لأن هناك أسئلة في علوم شتى لم يتطرق إليها القرآن بالفحص ولا التحليل وهذا يرجع لطبيعة القرآن وما يتطرق إليه.

وإذا كان المقصود بجميع الأسئلة، كل تلك التي يطرحها الإنسان ليحاول بها فهم الغيبي والمقدور والمنظور، فلا أيضا! ولو كان لاستطعنا من خلال القرآن أن نجيب عن أسئلة مثل لماذا يترك الله الشر والقتل والاضطهاد يحدث؟ ولماذا خلق الشيطان واختبر الناس به، ولماذا من الأساس خلقت الجنة والنار وخلق خلق لهما، يعذبون في واحدة وينعمون في الأخرى، ألم يكن غنيًا عن هذا منذ البداية؟!

وغيرها من الأسئلة التي يوجد لكثير منها إجابات قاطعة في القرآن والسنة ولبعضها إجابات ظنية مستخرجة من مقصود الوحي مما فهمه أهل العلم والمنشغلين منهم بها، فيكون الواضح أنه لا لم يجِب القرآن بشكل واضح على جميع الأسئلة.

ولو قال أحدهم: فبم تفسر قوله تعالى في سورة النحل: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ).

وفي سورة الأنعام: (ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون).

يجيب الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير فيقول: وَكُلُّ شَيْءٍ يُفِيدُ الْعُمُومَ، إِلَّا أَنَّهُ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ فِي دَائِرَةِ مَا لِمِثْلِهِ تَجِيءُ الْأَدْيَانُ وَالشَّرَائِعُ: مِنْ إِصْلَاحِ النُّفُوسِ، وَإِكْمَالِ الْأَخْلَاقِ، وَتَقْوِيمِ الْمُجْتَمَعِ الْمَدَنِيِّ، وَتَبَيُّنِ الْحُقُوقِ، وَمَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الدَّعْوَةُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ، وَصِدْقِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا يَأْتِي مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ مِنَ الْحَقَائِقِ الْعِلْمِيَّةِ وَالدَّقَائِقِ الْكَوْنِيَّةِ، وَوَصْفِ أَحْوَالِ الْأُمَمِ، وَأَسْبَابِ فَلَاحِهَا وَخَسَارِهَا، وَالْمَوْعِظَةِ بِآثَارِهَا بِشَوَاهِدِ التَّارِيخِ، وَمَا يَتَخَلَّلُ ذَلِكَ مِنْ قَوَانِينِهِمْ وَحَضَارَاتِهِمْ وَصَنَائِعِهِمْ.

وَفِي خِلَالِ ذَلِكَ كُلِّهِ أَسْرَارٌ، وَنُكَتٌ مِنْ أُصُولِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ صَالِحَةٌ لِأَنْ تَكُونَ بَيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ الْحَقِيقِيِّ، إِنْ سَلَكَ فِي بَيَانِهَا طَرِيقَ التَّفْصِيلِ، وَاسْتُنِيرَ فِيهَا بِمَا شَرَحَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا قَفَاهُ بِهِ أَصْحَابُهُ وَعُلَمَاءُ أُمَّتِهِ، ثُمَّ مَا يَعُودُ إِلَى التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مِنْ وَصْفِ مَا أَعَدَّ لِلطَّائِعِينَ، وَمَا أَعَدَّ لِلْمُعْرِضِينَ، وَوَصْفِ عَالَمِ الْغَيْبِ وَالْحَيَاةِ الْآخِرَةِ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ بَيَانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ يُقْصَدُ بَيَانُهُ لِلتَّبَصُّرِ فِي هَذَا الْغَرَضِ الْجَلِيلِ، فَيُأَوَّلُ ذَلِكَ الْعُمُومُ الْعُرْفِيُّ بِصَرِيحِهِ إِلَى عُمُومٍ حَقِيقِيٍّ بِضِمْنِهِ وَلَوَازِمِهِ، وَهَذَا مِنْ أَبْدَعَ الْإِعْجَازِ.

وقال القرطبي: كل شيء نظيره آي القرآن، وقال الزمخشري في الكشاف: إنه بين كل شيء من أمور الدين، وهو ما أقره الجصاص في أحكام القرآن فقال: تبيان كل شيء من أمور الدين بالنص والدلالة وقاله الشوكاني في فتح القدير، وقيل مما حل وحرم وهو ما نقله القرطبي في تفسيره عن بن جريج ومجاهد.

أما قوله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء، فالمقصود بالكتاب هنا المكتوب أو المحصي من أفعال خلقه سبحانه في اللوح المحفوظ، وفي مثل هذا يقول تبارك وتعالى في سورة المجادلة: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.

إذًا فعن ماذا يجيب القرآن؟!

قبل الإجابة عن هذا يجب أن نطرح سؤالًا هامًا وهو: هل القرآن هو كلام الله حقًا؟!

وللإجابة على هذا السؤال يجب أن ينظر فيمن أنزل القرآن والواسطة التي نقلته لنا وفي الكتاب من بعد، أي ثلاثية (الله الوحي الواسطة)، وسأبدأ هنا بالواسطة التي من خلالها عرفنا الوحي وهي رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

إذا فالنظر والسؤال يكون حول: هل كذب رسول الله في دعواه بأنه نبي مرسل من عند الله أم صدق؟!

فلو كذَّب أحدنا بصدق نبوته، فهذا يعني أنه لا يؤمن بما في الكتاب وبكل توابع النبوة وسيظل بحثه محصورًا في المعقول عنده أو عند المجموعة التي يؤمن هو بصدق بحثها وكلامها كما لو أن عقله هو، أو تقييم أولئك الذين يؤمن بهم أصبحت الأداة الوحيدة للتقييم والنظر عنده.

وإذا صدَّق الكثير منا بصدق نبوته، فهذا يعني له أن الله حقيقة قائمة وأن ما يفعله يفعله لحكمة تغيب عن البعض ولا تغيب عن البعض الآخر، وفي بعض الأحيان لا يعلمها أحد يقينًا في كثير مما يمر ويُقضى من الحوادث المنظورة مثل الحروب والافتراس والاضطهاد والظلم والتعذيب، الذي يطال حتى المؤمنين به، الذين التزموا في ظاهر نظرهم أمره وخطه ولم يستحلوا حرامًا معلومًا عندهم حرمته أو يحرموا حلالًا معلومًا حله لديهم كذلك، ولكن ما يجعلهم موقنون بعدلها هو إيمانهم بأن الله حقيقة دل على وجودها العقل الباحث عن الحقيقة بأدلة ثابتة لا تقبل التكذيب وليس وهمًا وأنه خالق كل شيء وأنه لا إله إلا الله.

وهذا يُبنى عليه أمر آخر، فبتصديق النبي يجب التصديق بمن أرسله وهو الله الذي يخبر عنه هذا النبي وليس أي رب آخر في أي دين آخر، وبأن ما يقوله في كتابه الذي أنزله على نبيه الذي صدقنا دعوته صواب كله، والتسليم بكل ما يفعله ويقوم به الرب الذي أرسله، فهو وقتها يعلم ونحن لا نعلم فهو الخالق المدبر ونحن خلق من خلقه وتكون هذه في الغالب هي إجاباته القاطعة عما لا يجد مجابًا عنه في الوحي الذي بين يديه.

وفي حالتنا هذه القرآن هو الوحي المقصود، فيكون الأمر الواضح والمسلم به وقتها أن كل ما يقوله القرآن صحيحًا.

وهذا يجعل الباحث ينظر حول من هو الله الذي أرسل هذا النبي إلينا بهذا الوحي، وهل هو يخلق أفعال عباده كلها بشرها وخيرها أم لا؟

وهل هو يعلم جميع ما يدور في كونه أم بعضه، وهل هو خالق للشر عالم به قبل حدوثه أم أنه ناتج عن سلوك البشر الذي لا يعلمه إلا وقت وقوعه، وهل كتب على نفسه التدخل لتغييره أم كتب على نفسه ألا يفعل وترك هذا للبشر وهكذا.

وستكون هذه الأسئلة والإجابة عليها طبيعية في مقابل تشكيك المخالف بوجود الله، أو محاولة تفسير ما يحدث للناس وليس التأكد من وجود الرب، فقد تأكدنا سلفًا إن آمنا بصدق نبيه الذي أرسله إلينا بأنه الله وأنه لا يسأل عما يفعل بل يُبحث عن الحكمة فيما يفعل، فإن وجدناها فالحمد لله وإن لم نجد فهذا لا يعني انتفائها بل يعني عدم قدرتنا على فهمها وهذا خاص بالمؤمنين.

ومن أنكر وجود الله، فعليه أن ينفي أدلة وجود الله التي أخبرنا بها بنفسه في وحيه لا أن يخترع المنكر أدلة للنفي.

فيجب أن يثبت أن هذه الأدلة التي أخبرنا بها الله عن نفسه لا تدل على وجود خالق أو مدبر للكون بشكل قاطع لا نظري أو وهمي. وبهذا سيقطع المؤمن والكافر أو الملحد شوطًا كبيرًا في الإجابة عن جميع أو كثير من الأسئلة التي تدور في ذهنه أو تطرح عليه.

فيكون السؤال القادم هل الله موجود؟

وأبسط المواضيع في الحديث عن هذا، هو هذا النظام الذي لم يتغير ولم يختل يومًا لهذا الكون الذي لا يمكن أبدًا أن ينتظم من تلقاء نفسه عقلًا، لأننا لا نصدق ولو أخبرنا من أخبر أن بيتًا قد يبني نفسه بنفسه أو أن أي مصنوع قد يتم بلا صانع، فهل يصدق عاقل رأى بيتًا مبنيًا على أتم ما يكون من حسن نظام وتشطيب، أن كل جزء من هذا البيت صنع نفسه بنفسه بلا صانع، فلم يتدخل النجار في شق الخشب ولم يتدخل الحداد في تشكيل الحديد ولا البنا في بناء الجدران، وأن كل هذا أيضًا تم بلا مخطط أو موجه، بلا صانع ولا مشرف؟!!

ولو أخبرنا بهذا واحد من الناس لكانت إما مزحة أو ضرب واضح من الجنون،

فإذا كذبناه في كوخ صغير فكيف بهذا الكون الفسيح؟

فكان التسليم اللازم بأن الله حقيقة لا وهمًا، ومن يقول العكس عليه برهان العكس بالحقيقة القاطعة لا بالنظرية او الخيال.

لكن من هو إذا هذا الإله الذي خلق كل هذا الخلق فأبدعه، والذي إن آمنا به فقد آمنا بحكمته في كل ما يصنع، وإن لم يعجبنا الفعل (كفوز الطغاة على المظلومين) مثلًا، أو لم نستطع تفسيره؟

هل هو رب المسلمين أم النصارى أم اليهود أم ماذا؟

وهل إذا ادعى واحد من الناس أو جماعة منهم كبرت أم صغرت بأن هذا الخالق المقصود هو ربها دون غيره من الآلهة يوجب التصديق أم النظر فيما يدعون؟

وهل قول كل أتباع ديانة أنها هي الحق المطلق أو كثرة الأديان، يدل على أن جميعهم على خطأ كما يقول بعض الملحدين، أم يجعل الواجب على المؤمن والمنكر إثبات صحة دعوى كل واحد منهم بالبرهان والبينة؟

فهل إذا كان لدينا مليون شركة قالت جميعها بأنها الشركة الأكثر نجاحًا بين المليون الأخرى يدل على أن جميعها خاسرة، أم أنه لا بد من تحقيق دعوى هذه الشركات لتحقيق من منها صاحب الحق ومن منها المدعي؟

ولو قائل قائل فأنَّى لي أن أعرف وأحقق أي من هذه الديانات على حق وأي منها على الباطل وهي كثيرة صعب إحصائها؟!

لقلت له: إذا كنت من أهل التحقيق والنظر حقق وانظر بعد طلب العون من الله فهذا أمر مصيري، وإذا لم تكن من أهل التحقيق والبحث والنظر فاطلب من الله أن يدلك على الحق واتباع الحقيقة فإذا مت دون الوصول إليها لكان ما فعلت عذرًا كافيًا عند الله، فأنت لعجزك عن المعرفة، قلت له يارب دلني عليك وأعني في اتباع دين الحق الذي ترضى، فأنت تعلم ولا أعلم، فأنت هنا أوكلت أمرك لله فيما عجزت عنه فكيف يعاقبك على عجزك؟

واعلم أن حقيقة أي دين لا تظهر من خلال تصرفات أتباعه غير المربوطة بنص يؤكد أفعالهم بل تكون مربوطة بمصدر هذه الأفعال وتفسيرها وفق أصول هذا الدين في توضيح المقصود وليس تفسيرها على هوى المخالف أو المستعمل لها، ولست أقصد بأصول الدين أن يكون للنص طلاسم وشيفرات سرية يحرف بها كل ظاهر للنص على خلاف ظاهره، لهوى في أنفسهم بغير دليل واضح مقبول يشترك مع الظاهر في أصل ويختلف معه في تفسير المقصود، مثل قوله تعالى مثلًا: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وقوله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء، فالكتاب في الآية الأولى هو القرآن وفي الثانية اللوح المحفوظ اشتركا في معنى حقيقي هو الكتاب وهو ما يحفظ فيه الكلام، فكتاب حوى كلام الرب سبحانه وكتاب حوى أفعال العباد وهكذا.

أما من أراد أن يرى كيف يفسر الكلام على خلاف ظاهره فليشاهد تفسير «نشيد الإنشاد» للقمص تادرس يعقوب ملطي مثلًا أو سفر حزقيال لنفس القمص وكذا سفر راعوث بين تفسير القمص تادرس يعقوب وتفسير القس أنطونيوس فكري بداية من قول نعمة لراعوثفاغتسلي وتدهني والبسي ثيابك…. أو تفسير البابا شنودة الثالث الذي قال عن تفسير «أختي» في نشيد الإنشاد (أي كلمة أختي) أنها ترمز إلى الجسد!

وتفسير «يا حمامتي» العجيب، بل إن تفسير البابا شنودة لنشيد الإنشاد عجيب وفيه أمور حول الخلق والنفس البشرية والخير والشر وصورة الرب تعالى تدعو للتوقف أمامها في ذهول وتعجب من تناقضها ونقصانها.

وأي جماعة تقول بأن للكون خالق ومدبر واحد هو ربها الذي تؤمن به، سوف تلاحقها ذات الأسئلة من نوعية: لماذا خلق الله الشر أو تركه بيننا؟ أو لماذا اختبرنا من الأساس بالنزول والصراع هنا ثم العقاب الأخروى؟، أو لماذا لا يجيب الله دعاء المضطهدين هنا أو هناك وهكذا؟

وهذه الأسئلة التي يتحول بعضها إلى صراع عقلي مستمر حتى بعد التصديق ستظل مطروحة، فمن صدق بالله، يؤمن بأن هناك حكمة مخفية يحاول معرفتها، ومن كفر لم يسترح من أسئلة أخرى والتي منها:

هل حقًا هذا الكون ليس له خالق أو مدبر، وهل هذا النظام المحكم هو محض صدفة، وهل كل هذه الخليقة والتي ندخل نحن فيها كبشر هي بلا خالق أو محض صدفة أو تطور جاء من تخلق مخلوقات جاءت من صدفة ومن العدم؟

وهل إذا تكررت الصدفة تظل صدفة ولماذا حدث التطور لضرب من الخلق في الحين الذي توقف عن غيرها من ذات السلالة، ولماذا لدينا مثلا ملايين من البشر وملايين من القرود ولا يوجد ملايين من الخلق الذي كان بين تلك المصورتين من التطور؟

فلماذا لم تحدث ذات الصدفة في كواكب غير هذا الكوكب الذي نعيش عليه رغم مرور مليارات السنين على تشكله كما يدعي علماء الجيولوجيا والفضاء؟

أما فعل الإله فهو ما سوف نتحدث عنه في المقال القادم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد