إن تعقيد النظام الانتخابي الأمريكي يجعلك في كل مرة تحاول بحث الأمر أن تتلقى صفعة مفاجأة جديدة تعيد بك الأمور إلى نقطة الصفر؛ لتعيد النظر مرة أخرى في كل ما يجري من حولها، من المؤكد أيضًا أن الحالة العامة لدى كثيرين منذ إعلان فوز دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية ينتابها القلق ومحاولة تصور العديد من السيناريوهات المختلفة، خصيصًا بعد أن حاز الحزب الجمهوري -والذي كان ترامب مرشحًا عنه- على أغلبية مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، فاتجه تفكير الغالبية العظمى حول وعود وخطط ترامب لفترته الرئاسية، والتي أعلنها في وقت سابق خلال حملته الانتخابية أو مناظراته أمام مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، ولكن هل سبقنا الأحداث أم أننا في المسار الصحيح؟!

بالأخذ في الاعتبار كافة الاحتمالات، فإن النظر في أقوال ترامب ووعوده هو من المؤكد أنه المسار الصحيح لحساب التوقعات، وتحديد كيف يمكن التعامل معها في حال أصبحت واقعًا، ولكن يتعين علينا أيضًا بالأخذ في الحسبان الصورة الكاملة للانتخابات الأمريكية وتعقيداتها، كما نعلم بأن النظام الانتخابي الأمريكي يمر بكثير من المراحل، بداية من المؤتمرات الحزبية والانتخابات الأولية والتي تؤول إلى مرحلة المؤتمرات العامة والتي يعلن فيها كل حزب عن مرشحه لمنصب الرئيس والنائب الخاص به، والتي دائمًا تتوجه الأنظار خلالها على أكبر حزبين وهما الديمقراطي والجمهوري، ثم ننتقل إلى المرحلة الثالثة وهي الانتخابات العامة، والتي تجرى بصورة غير مباشرة؛ حيث يتجه الناخبون في كل ولاية لاختيار المندوبين -الذين سيصوتون لمرشحهم- والذين بدورهم سوف يشكلون ما يسمى بالمجمع الانتخابي؛ ليقوموا باختيار أحد المرشحين ليكون رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة الرابعة.

دائمًا ما كانت العادة بأن المرشح الذي يحصل على أكبر عدد من المندوبين من خلال فوزه بالولايات المختلفة يكون هو الفائز بمنصب الرئيس، حتى وإن كان خاسرًا في التصويت الشعبي، وهذا ما جرى في الانتخابات الأخيرة؛ حيث إن هيلاري هي التي فازت بالتصويت الشعبي بعدد أصوات 60,566,142 صوتًا، مقابل 60,116,240 صوتًا لترامب، ولكن عدد مندوبي الولايات التي فاز بها دونالد ترامب هو 306 مندوبًا مؤيدًا له مقابل 232 مندوبًا مؤيدًا لكلينتون ولذلك أعلن فوز ترامب، ولكن هل صوت المندوبون بعد في المجمع الانتخابي على فوزه؟!

المرحلة الرابعة من الانتخابات، والتي يصوت فيها المندوبون ستجرى في 19 ديسمبر المقبل، والتي سيعلن بعدها الفائز الرسمي بالانتخابات ليتم تنصيبه في 20 يناير المقبل، ويبدأ تولي مهام منصبه، كما اعتدنا دائمًا بأن المندوبين يقومون باختيار المرشح الذي تعهده باختياره منذ ترشحهم في ولاياتهم، ولكن ليس بالشرط أن يقوموا بالفعل باختياره أثناء إجراء انتخابات المجمع الانتخابي؛ فمن الممكن أن يغير عدد منهم أصواته ويحولها تجاه كلينتون، التي بحاجة إلى 38 صوتًا فقط لتصبح هي الفائزة، ويعلن ترامب خاسرًا.

تعتبر هذه المرحلة بمثابة الحدث المؤرق لدونالد ترامب، وقشة الأمل الأخيرة التي تتعلق بها هيلاري كلينتون وجموع الشعب الذي تظاهر في مختلف الولايات بعد إعلان النتيجة حاملين لافتات تحمل عبارة «Not my president» أي ليس رئيسي، كما تم تدشين عريضة للتوقيع عليها على موقع Change.org تطالب المندوبين باختيار المرشح الفائز بالتصويت الشعبي والتي تهدف لجمع 6 ملايين ونصف توقيع والتي جمعت حتى يومنا 4,674,601 توقيعًا مؤيدًا لها، كما أوضح أصحابها أن على الحزب الديمقراطي أن يتولى دفع الغرامات المالية عن كل مندوب يغير صوته في المجمع الانتخابي، بالإضافة إلى الدول التي ترفض تولي ترامب خوفـًا مما قاله أثناء حملته الانتخابية، ومدى الضرر الذي سيلحقها إذا قام بتحقيق وعوده تلك.

فالسؤال يظل مطروحًا، هل ستمر الأمور كما كان المعتاد ويبقى ترامب فائزًا؟ أم سنرى سيناريو جديدًا هذه المرة يجعل من كلينتون فائزة، وتحوز على منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ولن نعلم إجابته سوى يوم 19 ديسمبر المقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد