تعلمنا صغارًا أن نقرأ أذكار اليوم والليلة للتحصين والحفظ، غير أننا لم نكن في زمن يمعن التحليل في كل شاردة وواردة، وكانت تلك الأسئلة التي قد ترد على الذهن الطفولي كمثل سبب ترديد ذكر معين لعدد من المرات، أو ماذا ستفعل لي الأذكار إذا كنت مهمومًا أو غاضبًا أو مريضًا، كانت سرعان ما تتوارى خلف حجاب كثيف من الإيمان بصدق رسولنا في بلاغه عن ربه.

اليوم وفي ظل ما أصاب الإنسان من تصدع في علاقته بنفسه، وبخالقه، وبفهمه للحياة، وطريقة السير فيها، وما أتبعه ذلك من حمى البحث عن علاج لهذا التصدع، وعما يملأ خواء النفس التي امتلأت بكل شيء، لكنها خلت من أهم شيء، وهو يقينها بخالقها وحسن توكلها عليه، برزت أمامي حقيقة أشبه بالإعجاز التربوي أو النبوي، إذا جاز لنا أن نطلق هذا التعبير هنا.

ففي إحدى الدراسات الغربية التي تبحث في أسباب السعادة أثبتت تجربة بإحدى الجامعات أن مما يسهم في حياة راضية سعيدة للإنسان هو قيامه بتمرين الامتنان اليومي، وهو عبارة عن كتابة ثلاثة أشياء يشعر الإنسان بالامتنان لها؛ فيحصل بذلك على طاقة إيجابية تملأ يومه تفاؤلًا ورضا، ثم سمعت من بعض المدربات ممن تخصصن في مجال تنمية الذات، وقد درسن في الغرب وتدربن على أيدى خبرائهم حديثًا مشابهًا عن أثر بدء اليوم بالنية والرضا، نية إعطاء النفس حقها والتفكير الإيجابي، والاستمتاع بالنعم صغرت أو كبرت، وغير ذلك مما يعيد للنفس توازنها ويحفظها من الانكسار والضغوط.

وعلى ما يبدو في هذا الكلام من تشابه أو تكرار لما تلقيه علينا محاضرات وكتب التنمية البشرية، لكنني توقفت هنا أمام فكرة الامتنان والشعور بالنعم، إذ وجدت أذكار الصباح والمساء تحضر هنا لتقول لي شيئًا، وقفت أتعجب كيف يتعب القوم أنفسهم ليصلوا إلى حقائق وقواعد في فهم النفس والتعامل معها قد كفانا نبينا مؤونة البحث فيها، لقد وجدت أن ذكر الله بهذه الطريقة التي علمنا إياه إمامنا وقدوتنا تفعل في النفس والروح ما لا تحتاج بعده لترديد كلام آخر، ولا تمارين من هنا وهناك؛ ففيها الكفاية لنفس لم تخرج بعد عن طورها الطبيعي، فالنفس التي تردد بالغداة والعشي أنها تؤمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبرسول الإسلام نبيًّا ورسولًا، سيترسخ في وعيها أنها مؤمنة، لها أصل ترجع إليه، وأساس تستند عليه، وأنها في رعاية ربها الذي تؤمن به.

والذي يبدأ يومه بالحمد بثلاثة «أو أكثر» أذكار متنوعة كلها ترد الفضل لله، وتذكر بأننا مغمورون بنعم الله وإحسانه وعطائه الذي لا ينفد، سيحفظ الله عليه نعمه ويبارك له فيها وسيعتدل تفكيره ومزاجه ويستبدل بعينه العوراء عينًا صحيحة ترى النعم والفضل والإحسان في كل ما تمر به في يومها من أحداث ومواقف.

ورغم أن بدء اليوم بالحمد والرضا هو ما أكثر ما أثار انتباهي في علاقته بالأذكار، فإننا إذا نظرنا إلى غيرها من الأذكار كالتي فيها سؤال العفو والعافية، والتي نتعوذ بها من شرور اليوم خافية كانت أو ظاهرة، وتلك التي تتعوذ بها من العجز والكسل، هذه وأخرى مما ورد في الهدي النبوي فإنها بالإضافة إلى ما في تردادها من اتباع للسنة والالتجاء إلى القوي الحفيظ، فهي تزرع في القلب راحة واطمئنانًا وتصرف عنه أوهام النفس الباطلة وما قد يستتبعها من خوف وقلق واضطراب، وهكذا تفرغ قلب الإنسان المؤمن وعقله لمهمته التي ينشغل بها ويؤدي بها ما ائتمنه عليه ربه. والأذكار كافة فيها تفصيل كبير يبدع فيه أهل العلم وعنوانه علاقة الإنسان بربه كعبد فقير محتاج يلقي بأحمال قلبه أمام من يسمع ويجبر ويجير، أما حديثنا فلمحة يسيرة عن أثر الأذكار في الحياة الطيبة الراضية التي ينشدها إنسان هذا العصر.

غير أن ما ينقصنا حقًّا أن تتخلل تلك الكلمات النبوية أرواحنا فتتمشى فيها ونستنشقها لتسرى في الدماء ونحيا بها، لا أن نكتفي بترديدها بلا وعي فيذهب أثرها، وأن يكون يقيننا بها أشد من كل ما نسمع ونقرأ من فنون القول وجديده.

وعلى رغم أن ما في ديننا وسنة نبينا من إشراقات وكنوز في فنون التربية وتنمية النفس أو تزكيتها وإصلاح القلوب، وحياة الروح تغنينا عما يصل إليه القوم من علم في هذا الجانب، فإن القيام بالأبحاث والدراسات عن النفس كيف تترقى وتسعد وتنصلح أو القراءة لغيرنا ممن قاموا بتلك الدراسات وتوصلوا بها إلى نتائج مقاربة لما نعلمه، فإني أظنه مما يؤنس النفس ويزيدها محبة وتعلقًا وإقبالًا على ما امتن به الرحمن علينا من إنزال الكتاب الخالد، وإرسال النبي الهادي والمعلم، فتكون انطلاقتنا من مطلع النور ومكان الشمس، ويكون مردنا ومآبنا إلى المنبع ذاته، إلى النور الذي لا يذهب شعاعه ولا يفنى ضوؤه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد