ربما تمنيت ذلك، بل الأصح أن نقول: ربما حلمت بذلك! نعم إنه حلم، وليس حقيقة. فلابد من تجربة بعض المعاناة، ولابد من ملاقاة العديد من الشدائد في بعض أيام الحياة، بل ربما في أكثرها.

إن الحياة مليئة بالمتاعب والصعاب، ولابد لكل واحد منا أن يواجه، ليس بعضًا منها، بل ربما الكثير من الشدائد والمحن في حياته.

ولكن السؤال المهم هو: هل تستسلم لتلك المعاناة؟ هل تنكسر أمام أمواج الشدائد والابتلاءات التي ربما تكون عاتية في أوقات ما؟ أم لابد من المواجهة؟ وإذا قررت المواجهة، أو كانت المواجهة حتمية: فما هي آليات تلك المواجهة حتى تكون ناجحة، أو – على الأقل – بأقل الخسائر؟

لابد أن يكون الجواب واقعيًا، ولكي يكون واقعيًا علينا أن نذكر بعض الأمثلة لبعض أنماط التعاملات الشخصية التي تتعرض لتلك المتاعب الحياتية، أو ربما بعض المآسي، ومن خلالها نحاول التعرف على طرق وآليات المواجهة الناجحة:

– نمط التقهقر والهروب

هناك من الناس من يميلون إلى الهروب من المصاعب، ويتقهقرون للوراء، ويعتقدون بذلك أنهم قد نجوا من المواجهة! ولكن الحقيقة أن العقبات والمصاعب لا تزول بتركها، بل تزول بمواجهتها والعمل على الاستعداد الكامل والتأهب للمواجهة المبكرة في حالة تكرارها، فيتكون عند الشخص ما يشبه جهاز الإنذار المبكر حينما يلمح مجرد قرب أي من هذه المتاعب مرة أخرى، حتى لا تتحول المتاعب الروتينية إلى عقبات كئود تعطل مسيرة الحياة.

– نمط الاستهانة والاستهتار

وهناك من الناس من يميلون إلى التقليل من شأن الشدائد، وربما يكون ذلك تقليلًا سلبيًا، ليس تقليلًا بوصفه صفة إيجابية في هؤلاء الناس، بقدر ما هو استهتار وعدم تقدير لطبيعة المشكلة التي يواجهونها فعلًا.

فربما تكون المشكلة في العمل، ويستهتر بها الموظف، مما يؤدي إلى إنزال عقوبة عليه أو حتى طرده من وظيفته. وربما تكون مشكلة عائلية، يؤدي الاستهتار بها إلى تفاقمها بسبب ما ينتج من زيادة سوء التفاهم بين أطراف تلك المشكلة.

والأفضل في كل ذلك هو أن يواجه الإنسان كل مشكلة بتقديرها حق قدرها، وأن يدرسها دراسة فعلية وعملية، ويقيمها تقييمًا حقيقيًا، ومن ثم يضع لها الحلول المناسبة حتى يستطيع تجاوزها بنجاح، ولا يؤدي سوء تقديره لها إلى تفاقمها أو خروجها عن السيطرة.

– نمط الخوف المؤدي للهزيمة النفسية

وهناك من يتمكن منهم الخوف عند تجربتهم لمعضلة ما، فيتغلب الخوف على قدرتهم على مواجهة هذه المعضلة. ويتحول الشخص إلى موقف المنهزم المقهور أمام خصم منتصر منتش بانتصاره، مفخم لهذا الانتصار، بل مغري الأشرار بتكتلهم على هذا المنهزم نفسيًا والنيل منه بيسر وسهولة.

والذي ينبغي على كل واحد هو أن يكون شجاعًا أمام المصاعب، فكلنا يدرك تمامًا أنه سيواجه حتمًا مشاكل وصعاب في حياته، والنفوس – غالبًا – متحفزة لهذه الملاقاة والمواجهة، فلم الخوف إذن؟ لم الانهزام أمام خصم ربما يكون ضعيفًا؟ لم التقوقع داخل أزمة نفسية مصطنعة، صنعها بنا خوفنا غير الموضوعي وغير الواقعي من معاناة نحن ندرك جيدًا أننا سنواجه الكثير منها في حياتنا؟

وهنا ينبغي ذكر حقيقة مهمة، ألا وهي ضرورة تربية وتدريب النشء والأطفال منذ نعومة أظفارهم على الشجاعة أمام المحن وعدم الخوف منها، فالتعليم في الصغر كالنقش على الحجر.

– نمط الموجة الهوجاء

وعلى النقيض مما ذكرته سابقًا، فإن هناك من يقتحم المصاعب والمعضلات، ولكن بطريقة أشبه ما تكون بهجوم موجة هائجة على بعض الأطفال الذين لا يجيدون السباحة، ولا يجلسون سوى على شاطئ هادئ هجمت عليه فجأة تلك الموجة الهوجاء.

وهذا أيضًا يصنف على أنه سوء تقدير لحجم المعضلة، ولكنه سوء تقدير من ناحية قوة المواجهة نفسها، وليس من ناحية الاستهتار أو التقليل من حجمها. فالشخص هنا يميل للاقتحام والإقدام أيًا كانت العواقب، على الرغم من ضرورة التريث في أحيان معينة، وربما يكون الالتفاف حول المعضلة ومواجهتها من طريق مختلف هو الأفضل، بدلًا عن المواجهة المباشرة التي يحدث معها خسائر أكبر، كمثل المتزلج على الأمواج الذي يطوع الموجة بمهارته ويركبها ويسخرها لمتعة التزلج عليها، وكمثل أسلوب حرب العصابات في مواجهة جيش نظامي، فلابد من التفكير جيدًا قبل أية مواجهة، ومحاولة نصب الكمائن بسبب اختلاف موازين القوى.

وليس البطء في تقدير الموقف جبنًا في كل الأحوال، بل ربما يكون إحاطة بالجوانب كلها قبل الإقدام على المواجهة الحتمية، والتي لابد أن يكون فيها قدر من اختيار الوقت أو المكان أو طريقة المواجهة، حتى تكون هناك فرصة كبيرة لإنهاء المعركة بإيجابيات أكبر وأفضل من السلبيات المتوقعة.

– نمط أكون أو لا أكون.. أو الكل وإما لا شيء

وهناك من يعتقد أنه لابد أن تكون نتيجة المعركة بينه وبين مصاعب الحياة نتيجة حاسمة، وكأنه يضرب خصمه بالضربة القاضية!

والحقيقة أنه لابد من فهم طبيعة المشكلات والمعضلات الحياتية، وأنه في كثير من الأحيان تحدث سلبيات وإيجابيات، أو مصالح ومفاسد، أو انتصارات مع بعض الجراح، ويخرج الشخص – فعلًا وحقيقة – من المعضلة منتصرًا، ولكنه مصاب ببعض الخدوش أو الجروح، وكل مشكلة بقدرها.

والذي يجب فهمه هنا والتأهب لقبوله هو أن لكل داء دواء، وكثير من الإصابات يمكن التعافي منها، والجروح يمكن مداواتها، وعلى قدر كل معركة تكون المكاسب والخسائر، وليس شرطًا أن تكون هناك ضربة قاضية، ولكن ربما تحسم بعض المعارك بالنقاط. فلابد هنا أن يحرص من يواجه مشكلة ما أن يكسب أكبر قدر ممكن من النقاط الإيجابية لصالحه، حتى يكون النصر حليفه، حتى وإن أصيب ببعض الجراحات أو الكدمات واللكمات.

– نمط النظرة السوداوية

ومن الناس من يواجه فعلًا مرة من المرات، ولكنه يصاب بندبة قوية، ويخرج من المواجهة بألم نفسي يتزايد مع الوقت، وكأنه كلما نظر إلى تلك الندبة تذكر المعاناة، وازداد ألمه الداخلي، حتى يضعف رويدًا رويدًا عن المواجهات المقبلة، ثم ينهزم في آخر المطاف، وربما يكتئب أو يترك النزال مع الشدائد، ويتقوقع داخل ألمه النفسي.

ولكن الذي ينبغي فعله ها هنا هو النظر إلى الجانب المضيء في تلك الندبة، أليست تعني الإيجابية؟ أليست تعني أن الضربة التي لم تقصم ظهري فهي تقويه؟ أليست تعني أني قد انتصرت فعلًا، وتجَمَّل جزء مني بأثر ذلك النصر في تلك المواجهة الحتمية؟ أليست تعني أن هناك من لم يتحمل أصلًا، وخرج بجراح مميتة، ولم يستكمل المواجهة وسقط في وسط الطريق، ولكني أكملت وتحليت بوسام تذكاري من تلك المواجهة؟

إن النظر إلى الجانب المضيء، وإلى النماذج الإيجابية التي خرجت منتصرة من محنها لهو من أفضل العوامل التي تزيل الآثار النفسية للمواجهة مع المحن، وتمنع تراكمها داخل النفس.

أخيرًا

هذه كانت بعض النظرات إلى عدد من أنماط التعامل مع معضلات الحياة التي لابد منها، وأتمنى ان أكون قد وفقت في عرضها، حتى تكون هناك فائدة حقيقية لكل من يواجه مشكلة في حياته، وأن يستضيء بشيء مما ذكرته، فحب النفع للناس لابد أن يكون من شيمنا وأخلاقنا الإيجابية في الحياة، وخير الناس أنفعهم للناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد