في غـزوة الأحــزاب وبينما تجمعت قوى الشر لإقصاء الفكرة الإسلامية الوليدة في أشد وأصعب الظروف على النبي محمد وأصحابه، يقف جيش المسلمين ليفكر كيف السبيل لمواجهة هذه القوى الغاشمة التي لا يقدرون على مجابهتهـا؟ وينتهى الأمر بحفر الخندق موافقة لفكرة سلمان الفارسي.

ولكن هل ينصرهم الخندق على جيوش الأحزاب؟ كلا.. ولكنها نهاية الأسبـاب التي وجدوهـا، لم تتحقق معادلة النصـر الدنيوية بهذه الأسباب، فتلك أسباب منع الجيوش من الهجوم على المسلمين ولكنها ليست الناصـرة لهم.

لم يكن الأمر على هذا النحو فحسب بل خذل المنافقون رسول الله واستأذنوه للرجوع بقولهم “إن بيوتنا عورة” ثم تأتي الفاجعة بخيانة يهود بني قريظة للعهود والمواثيق لتنتهـي الأسباب كلهـا، فالخنـدق المانع لمرور جيوش الأحزاب لم يعد المانع بعد خيانة يهود بني قريظة! وهنا انقطعت كل أسباب الدنيـا، ولا مفـر إلا من الهزيمة بكـل حسابات البشرية.. ويحكي القرآن الكريم عن هذا الموقف العسيــر في سورة الأحزاب “إذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)”.

ويفسـر حال رسول الله والمسلمين في سورة البقرة “وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ” فكيف الحال حينما يستغيث الرسول الكريم والمسلمون معه بالله ويقولون متى نصر الله! ولم ينتصـر المسلمون في هذه الغزوة بأسبابهم الدنيوية، بل بالريح الشديدة التي اقتلعت خيام الكافرين ومن ثم أرجعتهم لبلادهـم!

فماذا لو لم يأخذ الرسول والذين معه بالأسباب؟ لكتبت لهم الهزيمة! على الرغم من أن الأسباب لم تكن هي مفتاح النصـر الظاهـر، ولكنه الشرط! أن تسعى بما تستطيع من أسباب دنيوية دون تقصير في أي وسيلة ثم توقن بـ “وما النصر إلا من عند الله”.

وإن جندي الجيش يقف صامدًا في المواجهة في شجاعة واستبسـال وهو يتمنى الشهادة وينتظرهـا فما معنى ذلك؟ أنه لن يرى النصر بعينه؟ أنه لن يعلم ما مصير الجيش والجنود؟ أنه لا يعلم هل سيكتب النصر أم ستكون الهزيمة؟

إنه بحث الطـريق واجتهد ليوقن بأنه الطريق الصواب، واجتهد في الوسائل ليعلم أنها الأكثر إمكانًا لتحقيق النصر والأكثر فاعلية، فذهب لله مضحيـًا بنفسه منتظـرًا المقابل، وهو يعلم أنه قد لا يرى النصر بنفسه، وأنه سيموت قبلها!! وإن الشهداء لا يرون النصر ولا يعلمونه، وإنما يعلمون الطريق فقط!
فالشهيــد.. يموت على الطريق!

وهو ما يفسر الفارق بين نظرة أنس بن النضـر وبين باقي صحابة النبي الذين قابلهم في طريقه، فلقد رأى عمر ومعه رهط فقال: ما يقعدكم؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه.

فلقد نظـر الصحابة للأمر في هذه الهزيمة المؤقتة وإشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فقعدوا عن المعركة، حيث إن نبي الإسلام قد مات، انتهى الأمر وانتهت القصــة، انقطعت الآمال، وانقطعت كل السبل فلماذا نحارب؟ إنها النهاية.

بينمـا نظـر أنس بن النضر نظرة مختلفة فإن كان رسول الله قد مات وهو الحق، ونحن نوقن أنه الحق، فلنمت على الحق الذى مات عليه، ما الذي يقعدنا.. أليس هو رسول الله؟ ألم يمت في سبيل الحق؟ فلنفعـل كما فعـل ولنمت كما مات!!

ولقد قالهـا وتوغـل في صفوف الكافرين قائلًا: “اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء (يعني أصحابه) وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعني المشركين)”، ثم تقدم شاهرًا سيفه، فاستقبله سعد بن معاذ فقال: “يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد”.
وأخذ يقاتل ويضرب بسيفه يمينًا وشمالًا، حتى سقط شهيدًا على أرض المعركة، وبعد انتهاء القتال حكى سعد بن معاذ للنبي (ص) ما صنعه أنس بن النضر، وقال: “فما استطعت يا رسول الله ما صنع”.

واستشهد رضي الله عنه، ووجد به بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ومثل به المشركون انتقامًا مما صنع بهم حتى لم يعرفه أحد. وإن هذا المصير لا يكون لمتردد أو خائف أو غير موقن، وإنما ثابت مستبسل قاتـل حتى فاضت روحه لبارئهـا.

لقــد قال أنس بن النضر تلك الكلمات وهو يعلم في داخله أن النبي قد قتل في المعركة، وأن الهزيمة قد حانت، وأن رسالة الإسلام ضربت ضربة قاسية، فقال ذلك القول دون تردد! فلماذا يقاتـل ويحارب وهو يعلم أنه لن يعود؟ لماذا توغل في صفوف الكافرين وهو لا يحمل أملًا للنصــر في عقله؟ إنما كان قوله: “موتوا على ما مات عليه رسول الله”.

ولقد استشهد رضى الله عنه ولم ير النصـر بعينه، ولم ير عز الإسلام والمسلمين، ولم ير الفتوحات، ولم يعلم حتى أن رسول الله لا زال حيـًّا.. وإنما علم أن هذا هو الطـريق.. فمات على الطريق.
وروي عن أنس بن مالك أن أية “مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا” نزلت في أنس بن النضــر ومن معه من المسلمين. فإن الأصــل هو الموت على الطريق، لا رؤية النصـر بالعين، ففرصة المجاهد للموت أقرب من الحيـاة، وإنما اليقين في الطريق، والموت عليه!

وإنما تبقى الأصول محل يقين، وتبقى الوسائل محل اجتهادات يرى أكثرهـا فاعلية، وأما النصـر فهو من عند الله! ففي كل دروس التاريخ، يأتي الأمل.. ويزول، تتواجد الأسبــاب.. وتنقطع. ويبقى النصـر من عند الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد