تذكّر مرةً وأنت تهرب من الموت أنَّك تهرب إليه، وتوقف قليلًا.. وتوقف هنا قليلًا لأسرد عليك مسيرة جسدٍ بشريٍّ كـجسدك.

فأنتَ وأنا ككائنين بشريين وُضِع مؤقِّت نهايتنا في كروموسوماتنا، جميعها تنتهي بجزء متكرر يُسمى تيلومير وهي مستودعات من المعلومات القابلة للإستنفاد، وحين تنفد لا يعود باستطاعة الخلية أنْ تتكاثر ولذلك لدى خلايانا – إن نجونا من المرض – أن تنقسم بحدود 50 مرَّةً طوال حياتنا قبل أن تفقد القدرة على ذلك أيْ نموت.

ككائنٍ بشري إن حالفك الحظُّ أو لم يحالفك ستعيش إلى أن تبلغ الخمسين أو الستين لنقل إلى المائة، لا أدري إن كان هذا الأمر جيدًا حين يبدأ جسدك بخذلانك والمينا البيضاء التي تغلِّف أسنانك والتي طالما افتخرتَ بقساوتها وأنت تُكسِّر حبات اللوز وتفتح زجاجات المشروبات الغازية، أقسى مادة في جسم الإنسان ستخذلك يومًا ما وتهترئ، فهل تظن أنَّ باقي جسدك سيواصل عطاءه، فما هي إلا مدَّة قصيرة حتى تكشف عن الطبقات التي تحتها فيتضاءل تزويد الدم إلى جذور الأسنان ويتناقص إفراز اللعاب وبهذا تنحسر اللثة في الفكِّ السفلي فتبدو أسنانك أكثر طولًا وما هي حتى تبلغ الستين فتكون قد خسرت 20٪ من كتلة الفكِّ السفلي، وإن كنت ممن ارتاد المزارع لشراء الخراف من قبل فقد رأيت كيف يُحدد المزارعون عمر الخروف من أسنانه، وإن حالفك الحظ والعبرة تستطيع أن تُدرك من شكل أسنانك حينها أنَّه لم يبق لك الكثير، ولن يبقى لك الكثير حتى تُصاب عظامك بالهشاشة وبقية جسمك بالتصلب فالأوعية الدموية والعضلات وصمامات القلب يكون قد تجمَّع بها كمية غير قليلة من الكالسيوم الذي يصيبها بالتصلُّب، وحتى يحافظ القلب على تدفُّق الكمية نفسها من الدم عبر الأوعية المتصلبة فإنَّه يحتاج أن يزيد ضغطه، وينتج عن ذلك أنَّ نصف الناس يظهر لديهم ارتفاع في ضغط الدم بحلول سنة الخامسة والستين، وبسبب حاجة القلب لزيادة الضغط يزداد سمك جداره ويصبح أقل قدرة على الاستجابة لحالات الإجهاد، وفي ذات الوقت من زيادة سمك جدار القلب فإنَّ العضلات في مناطق الجسم الأخرى تبدأ ترقُّ، وما هي إلى أن تبلغ الأربعين حتى تبدأ عضلاتك بخسارة كتلتها فتصل إلى سنِّ الثمانين وقد خسرت من ربع إلى نصف وزن العضل لديك، على الرغم من أنَّ كل هذا يمكن إبطاؤه بممارسة الرياضة والنظام الغذائي الصحي إلا أنَّ الأمر محسوم.

حين تنظر إلى المرآة مفتخرًا بجسدك تذكَّر أنَّه سيخذلك يومًا ما فاسأل نفسك من سيكون سندك حينها.

في كلِّ مرَّةٍ نهرب بها من الموت نحن نهرب من الحياة إلى موتٍ من نوع آخر، نواصل الركض على درج الزمن المتحرك بالعكس خوفًا منه، لكن بالنهاية نتعب ونرضخ لجبريته وفي كلِّ مرَّةٍ تطرق فكرة الموت أخيلتنا فنرتعش خوفًا إنَّما نخاف من الأمور التي وددنا فعلها ولم نفعلها بعد، خوفنا هو موتنا الأبشع؛ حين نفرض الأرض رمالًا متحركةً قبل أن نخطو عليها، حين نكتم مشاعر الودِّ داخلنا خشية الأوهام، حين نحبس أنفسنا بصندوق بلاستيكيٍّ أخضر مع مخاوفنا والمواقف المحرجة التي تعرضنا لها، حين نسمح لمرساة (ما وجدنا عليه آباءنا) والعادات والتقاليد أن تكون ثقيلةً وتغرقنا في بحرها، حين نرى الدروب الصالحة للمسير دربًا واحدًا فقط، أليس كلَّ هذا بشعًا كفاية ليقتلنا يوميًا عن الحياة.

كمخلوقٍ روحيٍّ بقالبٍ بشري له مدة صالحية محتومة ومحسومة، تصبح فكرة الهرب منها سخيفة أمام عيش حياتنا دون معنى.

ومن هنا كانت «مُت» قبل أن «تموت دعوة للموت»، ولكن من نوع آخر: موت الغفلة دعوةً لمصافحة موتٍ يُحيينا بطريقةٍ أخرى ودعوةً لفض اقتصار الموت على الجسد، فالنفس الأمّارة بالسوء قد تموت لنحيا يقظة الروح وقد تعود لتحيا في انهماكنا وراء شهواتنا ورغباتنا الجسدية والمادية، فإن كان موت الجسد ليس بيدنا فإن موت الغفلة بيدنا وهذا مصداق قول علي بن أبي طالب: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

-سنموت.

-حسنا لنستمتع باحتساء الشاي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد