مروان حامد
مروان حامد

الاكتئاب في المجتمع العربي ليس من حقك.

انتشر منذ فترة خبر انتحار فتى صغير السن، بعد معاناة مع الاكتئاب، ومع أوجاع جسدية ألمت به، وكانت التعليقات تهاجم الفتى، وتسخر من مشاعره وحزنه، وتسخر من حياته ومن همومه، وعلى الجانب الآخر في المجتمع الغربي نجد كل يوم حملة توعية بأن الانتحار ليس حلًا مناسبًا، وهناك مؤسسات لمساعدة من به مرض، أو مشكلة، أو يلم به ألم نفسي ولو بسيط، وحملات توعية بأن الانتحار ليس بجريمة، وبأنه ليس حلًا.

نقف على المشهدين سريعًا لنجد أن المجتمع العربي لا يعترف بالمكتئب، ولا بالحزن، ولا بمشاعرك أصلًا، ومن تجربتي الشخصية أجد أن العيش هنا يدفعك للجنون، ويزيد من بؤسك.

نعيش في مجتمع ليس فيه أدنى حقوق للإنسان، ويعامل المريض النفسي بأنه مجنون، ومن يذهب لطبيب نفسي يوشم بالعار، وكأنه أجرم على أن الحياة أثقلته بالهموم، وبأنه لم يعد يحتمل، وأنا باعتباري فردًا من المجتمع أخاف الذهاب لطبيب نفسي، أول ما سيفعله في مصر هو أن يعطيني أدوية، ويعذبني في تجربة مريرة بدون كلام مُجْد في الأغلب، وستعامل معاملة الشخص المنبوذ والمكروه.

لكن ليس هذا هو الأمر فقط، فالطفل لدينا يبدأ حياته ويدخل المدرسة ليجد التنمر يلحق به والعنصرية، فلو هو ممتلئ بعض الشيء، أو أسود اللون؛ سوف يلاحق بإهانات ورثها زملاؤه من أهلهم، ومن طرق سيرهم في حياتهم، ومع كبر السن يتحول التنمر من إهانة عادية، أو سخرية عنصرية، لتنمر جنسي أحيانًا، فوزنك الزائد سيسبب لك تحرشًا جنسيًّا، وإهانات وحركات جنسية، وستجعلك محط سخرية، وستكره النزول من بيتك، وتبكي كل يوم من الخوف والإهانة والسخرية، وتكره جسدك، ثم نفسك وحياتك، وستلقي باللوم على نفسك، ولو لونك أسود ستجد تنمرًا جنسيًّا، وإهانات أنك عبد، ولو قبيح أو قبيحة ستجد إهانات، ولو أحببت ستخاف من أن تبوح لتعاقب من أهلك، وليس من عقاب من تحبه بالرفض، فضلًا عن سخرية المجتمع من مشاعرك، كل هذا وأنت صغير، وقد كرهت جسدك ونفسك وحياتك.

ستكبر وستستوعب الحياة بشكل أكبر، وستكثر مشاكلك وهمومك، وتتوسع دائرة مشاعرك ومشاكلها، وستمر بك أزمات، ولن تجد من أهلك أي مساندة، ولن تجد من أهلك أي اهتمام سوى بالمال وحسب، وقشور الحياة غير المفيدة والمجدية، ستنتظر؛ ستجد أنك في أشد أوقاتك ألمًا، لا تجد من أهلك أي مساندة، وإن أخبرتهم بهمومك لن تجد أي اهتمام بك ولا بحياتك، لا تنسى أنك وحيد ومنبوذ بسبب شكلك، فستجد أنك وحيد، وستكتم كلامك ومشاعرك، بعد أن يدفعك أهلك للجنون، وستبدأ بمحادثة نفسك، أو تصنع صداقات سواء من الإنترنت، أو من أي وسيلة أخرى فقط لكي تتكلم، وبالطبع بكاؤك سيزداد، وحزنك وكرهك لنفسك سيزداد، وستتذكر كلمات أهلك المهينة لك، والمعيبة بفشلك وبقبحك، وبأنك شخص سيئ للغاية حينما يغضبون منك، وستتألم لأنك ستؤمن بأن هذا الكلام الذي كنت تظنه عابرًا، ربما هو حقيقة الآن.

ستكبر وتجد أنك فقير، ولا الدولة ترحمك، ولا تجعل ما في جيبك يكفي يومك، وستجد العديد من حولك يسخرون من الفقر، ويعاملونه بدونية، ويزيدونك حزنًا، ويتعالمون مع النواحي المادية بأنها ترهات، وأنك لا يجب أن تحزن، وستجد لا أحد يتأثر حينما يجد شخصًا عاريًا ملقى على الرصيف، أو فتاة جميلة أهينت، وانتهكوا عذريتها.

ستكبر وتجد أنه لو تم اغتصاب فتاة، أو التحرش بها فهي المذنبة، وستجد تفرقة عنصرية بشكل أكبر، وستجد أنه لم يحبك أحد، أو يتقرب لك في حياتك.

ستتألم وتكمل حياتك لتجد الظلم، وتجد تعبك يضيع منك، وأن الطرق الإيجابية لا تجدي، وإن عليك أن تكون أكثر قذارة؛ لتتأقلم مع العالم.

ستجد أنك لو مرضت لن تجد خدمة جيدة، وستجد أنك جاهل، وبأن كل شيء صعب، والناس تقوم بتعقيده، وإن الدين هنا زائف، وأبعد عن الدين الحقيقي، وإن الكل يكره بعضه، وينكر تعاليم المسيح، ويجهل حكمة لقمان، وينكر عقلانية محمد، وينبذ الآخر، ويدّعون الإيمان، إن قلت كلمة أو رأيك، ستصير ملحدًا، وستشتم وتسب وستتلقى الإهانات، حتى لو بنيت رأيك على حجة، فهم لن يسمعوا؛ لأنهم لم يبحثوا، هم ورثوا بعض الآراء والمعتقدات الزائفة وصدقوا عليها، وصارت قانونًا للحياة بينهم.

ستجد أنك وحيد، وأن الأزرق الذي يرمز للوحدة والحزن والألم، هو كل ما يحيط بحياتك.

ستكبر وتقترف أخطاء، ويعاقبك أهلك بنبذك، ولو صارحتهم بحقيقة ستكتشف أنك مخطئ، وستعاقب بأفعال عقيمة؛ ستسبب لك الحزن، وستندم وسيدفعوك مرة أخرى للجنون، ولو لديك موهبة أو حب لشيء ما، وخاصة لو شيء فني فسيتم السخرية منك، ومن حبك وموهبتك، ولو كنت تحب القراءة فستصير شخصًا مجنونًا ملحدًا خطرًا على المجتمع، منبوذًا محط السخرية والاتهام والتسخيف، وسيرد حزنك لثقافتك، وليس لحياتك.

قد يلم بك مرض وتميل للحزن، أو أي شيء آخر، لكن ليس من حقك أن تتألم، وليس ملكك الاكتئاب، أو تصاب بالمرض، وليس لديك تلك الحرية والتى في نظرهم رفاهية.

وطنك ينهار، والدم من حولك مباح، وأسهل شيء النفاق ولن يسمع صوتك، وإن صدر منك صوت سوف تسجن وتعذب، وفي سجوننا سوف يتم هتك عرضك وتعذيبك ببساطة، وربما تختفي ولا تعود سوى جثة لا يتم التعرف على معالم وجهها في المشرحة.

قد تكون مثلي الجنس، فيتم ضربك وإهانتك وحبسك ومعاقبتك، حتى لو لم تمارس أي شكل من أشكال الجنس، وسوف تعاقب ويتم أذيتك ببساطة، ويخبرونك بأنك يجب أن تحرق وتعدم، وأنك لا تستحق الحياة، ولا يرحموك، ولن ترحمك نفسك التى بها صراع بسبب ميول لا تعلم كيف أتت؟!، أو كيف يمكن علاجها بسهولة كما يظنون؟! ستحقن نفسك بهرمونات تدمر صحتك، وتدمر حياتك، وتجعلك تموت بالبطيء.

لو قلت إنك ملحد، أو تؤمن برب آخر، أو في دينهم لكن على مذهب مختلف، أو على دين آخر سوف يتم عقابك ونبذك وحبسك وإهانتك، فلو كنت شيعيًّا مثلًا سيتم في مصر سحلك وذبحك، وكذلك في كل بلد عربي كل ما اختلفت عن المذهب السائد، فاعلم بأن مصيرك هو العذاب أو الموت.

ستتألم في دراستك، وتتخرج ولن تعمل في مكان يليق بك، وستحتاج لوساطة، وتحتاج لمال قارون؛ لكي تكوّن أسرة، وستحتاج لمعجزة لكي تحب عملك، وأن تتحمل الإهانة كل يوم.

قد يلم بك مليون سبب في وطننا العربي لكن ليس من حقك أن تحزن أو تنتحر، ولو فعلت فسيتم الهجوم بقسوة عليك، هذا مصير من يعيش هنا، وسينكر الجميع أنهم السبب في عذابك، ولو عدلت عن الانتحار ستشعر بأن روحك تموت، وستجد ألمًا بدنيًا كل يوم، وستجد عذابًا كل ثانية، وستشعر بأنك تحتضر، وبأن قلبك يؤلمك دائمًا وصحتك ستنهار، أي باختصار ستموت ببطء.

عزيزي ليس من حقك أي شيء، فنحن لا نملك أنفسنا، ولا حرية مشاعرنا، ولا كرامتنا، ولا أي شيء، لا نملك في الجانب المظلم من العالم المسمى الشرق، سوى العذاب والإهانة، وستموت سواء قمت بالانتحار أو لا، ولن يلتفت أحد إليك، ولن يهتم أحد بخطورة ذلك، وسيخبرونك بأن الانتحار حرام، وسيقولون إن مكانك في النار، وكأنك كنت تحيا في الجنة، وعلى الجانب الآخر من العالم تجد الإنسانية في معالجة كل هذا؛ أ .. ب ببساطة نحن هنا خلقنا لنُعذب، ونتألم بسبب تواجدنا في تلك المجتمعات.

عزيزي المواطن العربي، مُتْ واكتئب، لكن في صمت؛ لأنه لا مفر، ولا حرية لك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك