«الكرة مع مارادونا، يراقبه لاعبان. مارادونا يسيطر على الكرة ويتجه لليمين، عبقري عالم الكرة.. يتخطى الثالث.. سيمرر لبوروتشاجا.. مارادونا يواصل.. عبقري! عبقري! عبقري! تا تا تا تا تا تا.. جووووووووول جووووووول.. أريد البكاء! يا إلهي! فلتحيا كرة القدم! هدف خارق.. ديجول.. مارادونا.. هذا يدفعني للبكاء.. أنا آسف.. مارادونا في انطلاقة لا تُنسى.. أفضل لعبة على الإطلاق.. طائرة كونية.. من أي كوكب أتيت؟ تركت خلفك كل هؤلاء الإنجليز.. جعلت أمة كاملة تصرخ في صوت واحد.. الأرجنتين 2 إنجلترا 0.. ديجول ديجول.. دييجو أرماندو مارادونا.. أشكرك أيها الإله.. أشكرك على كرة القدم.. على مارادونا.. على تلك الدموع.. على تلك.. الأرجنتين 2 إنجلترا 0″.فيكتور هوجو موراليس – معلق الكرة الأوروجوياني – مباراة إنجلترا و الأرجنتين – ملعب أزتيكا، مدينة مكسيكو- الثاني والعشرين من يونيو (حزيران) 1986»

في ذات مرة وأنا في إحدى مباريات دوري المناطق في مدينتي لم أذكر أي شيء من ذكرياتي الكروية كثيرًا، غير موقف واحد هو الباقي حتى الآن في ذاكرتي عندما كنت أمارس كرة القدم وكنت آنذاك بمركز ليبرو، وليبرو هو مركز غير مسموح له غير أنه ينظف المنطقه فقط من كرات الساقطة في ظهر المدافعين بشكل جيد، فكانت المرة الوحيدة التي قررت فيها أن أحتفظ بالكرة وأراوغ عن تمرير الكرة راوغت الأول والثاني وتقدمت من نصف ملعبي إلى نصف ملعب الخصم، ثم حدث ما كان متوقعًا منك عزيزي القارئ إنزلاق أحد لاعبي خط وسط الخصم وخطف الكرة، ثم أرسلها لأحد زملائه في نص ملعبي في مرتدة سريعة ثم هدف، انتظر المدرب بعد الهدف قليلًا ثم كنت في أول التبديلات، ثم صاح بي فور خروجي من ملعب إلى دكه وقال:«هو أنت يا بني مفكر نفسك مارادونا».

يصادف أن أبي كان جالسًا يشاهد المباراة مع أصدقائه ثم غادر قبل نهايه المباراة، ذهبت إلى البيت وسألني عن نتيجة مباراة فأجبته: لقد خسرنا.
رد:«وإيه اللي حصل يا مارادونا؟» في نبرة ساخرة، ثم تجاهلت السؤال والسخرية بدخولي غرفتي، ليأتي إلى غرفتي ليقول:«بترقَّص في نص ملعبك وداخل نص ملعب الخصم وعايز تعدي من واحد وتاني وتكمل ليه مفكر نفسك مارادونا»؛ من يومها وأنا أعتقد إن مارادونا هو المستحيل الرابع، وأنك مهما فعلت لن تصل حتى إلى ربعه في إبداعه.

مارادونا لاعب أشبه بالقزم الصغير الذي كانت الكرة ملتصقة بقدميه والكرة الأرضية كلها تدور حوله فقط، ومن البديهي مستحيل أن تخطف منه الكرة، من وجهة نظري أي شيء دائري فهو عقد بيع وشراء لمارادونا وحده فقط، ومن ثم امتلك العالم بقعد بيع وشراء.

عليك امتلاك مارادونا حتى تذهب إلى المجد

بعد أزمته في برشلونة والمشاجرة الشهيرة التي كانت مع لاعبي أتليتكو بلباو جميعهم، وكانت مجزرة فعليًّا ما بين مارادونا وجويكوتشيا، الذي بالمناسبة كان قد كسر قدم مارادونا سنه 83، ثم أتى دور دييجو في نهائي كأس 84 التي شهدت المجزرة آنذاك، كان دييجو في حالة سيئة ويريد أن يترك أمجاد برشلونة وأضواء المدينة كلها ويرحل للأبد؛ عرض من إحدى الأندية الجنوبية في إيطاليا بقيمه 6 ملايين يورو، نابولي المدينة التي تتضور جوعًا فقيرة معدمة، لدرجة أنك لن تصدق عزيزي القارئ أن بعد هذه الصفقة لم يجد مسؤولو المدينة في نابولي ثمن الوقود الكافي لتسيير المركبات والحافلات العامة لنقل الناس في المدينة خلال حياتهم اليومية فقط، الصحف وصفت هذه الصفقه وملاك نابولي بالمجانين.

مارادونا الذي صدم الإيطاليين بصدمات كهربائية

بلاتيني، وفالكاو، وزيكو، وهانز مولر، وجونيور، ورومنيجه، وباساريلا!

كانت الصدمة الكهربائية التي صعقت الكالتشيو، نادي صغير من الجنوب يجلس على رأس طاولة بعد أن أطاح باليوفي الرجل الأعلى لدى الكالتشيو آنذاك، مع أن مارادونا كان يواجه الكثير من العنف في الكالتشيو مع أرضيات صعبة الاحتفاظ بالكرة عليها، ولكن هو مارادونا، تدرب كثيرًا على تزويد السرعة لكسب سرعة أكبر للهروب من مجزرة لاعبين، الفوز بالمباريات يتوالى أضواء أكثر على مدينة، شعبية أكثر في أكثر، ملعب الفقراء الصغير لما يعد مناسبًا لابن الشمس، الكل في حالة فرح الملاك، المسؤولين، أبناء المدينة الفقراء، أخوات دييجو الذين يتاقسمون معه مجد المدينة لقد وصلوا لمرحلة الانتشاء، لم يعد مفر من أن يضع ملاك نابولي قدمًا على قدم علي رأس الطاولة التي تضم العمالقة.

«أوه ماما ماما ماما، لقد رأيت مارادونا، لقد رأيت مارادونا» مشجعو المدينة نابولي- الاحتفال بالدوري موسم 87-88 

نعم هو الإسكوديتو، الكل ينتظر الأخبار من مدينة بيرجامو بتقدم أتالانتا على الإنتر، تلك النتيجة التي تجعل نابولي بطلًا لإيطاليا؛ وجاءت اللحظة، اليوم الأجمل في تاريخ كل ثوار الجنوب، نزل الجميع إلى الشوارع سواء كانوا شيوخًا أو صغارًا، رجالًا ونساءً، مشعوذين أو متعلمين، فقراء أو أغنياء، لدرجة أنهم ذهبوا للاحتفال في مقابر المدينة بلافتات كبيرة مكتوب عليها «لا تعلمون ما فاتكم».

الكل في نابولي يغني نحن أبطال لإيطاليا؛ ثم الكأس ثم تحولت المدينة التي كانت تتضور جوعًا لمزار سياحي كل عام، بل كل يوم لمشاهدة عروض الأرجنتيني الصغير الذي يؤدي دوره على مسارح الرومان، نعم يذهب مسؤولو النادي لتوسيع الملعب حتى يستطع العالم أن يشاهد دييجو، ففي ذلك الوقت إن كنت تريد أن تربح وتضمن ما فوق 60 ألف كرسي زيادة في ملعبك كل مباراة ما عليك غير أن تمتلك دييجو.

life is life..

نعم هو الفيديو الشهير لدييجو وهو يرقص مع الكرة في حب شديد، الفتى القصير الذي لا يمتلك من مواصفات أبطال القصص والروايات شيئًا على الإطلاق، هو من صفوفنا نحن الذين لا يملكون غير قطعة صغيرة من الخبز الجاف في اليمين وأحلامنا في اليسار، أتى من الشوارع والحواري ومراكز الإيواء للاجئين الفقيرة مع الأطفال الصغار يراوغ ويستعرض؛ ولكن هذه المرة كانت في المسابقة الأوروبية في نصف نهائي المسابقة في ملعب الأوليمبى بميونخ- أبريل (نيسان) 1989 يصعد الملك لنهائي ليفوز بالكأس الأوروبية الوحيدة التي دخلت المدينة عن طريق الملك مارادونا.

«أنا فلسطيني.. فلسطين بقلبي» على هامش زيارة رئيس محمود عباس كأس العالم 2020 

«اترك زمام أمرك للطفل الذي كنته»  خوسيه ساراماجو – رواية ذكرياتي الصغيرة

الركض وراء الفراشات، كان دائمًا طفلًا صغيرًا يجري ويسقط ويغضب ويشتم يحب ويكره، ويقفز فرحًا بالأهداف والفوز، ويغضب ويكسر كل شيء في حالة الهزيمة، دييجو الذي يقول رأيه في الصباح ضد أمريكا بأنهم حفنة من لصوص رأس المال في إحدى إذاعات المتوسطة في أمريكا الجنوبية، ويذهب في العصر إلى زيارات فنزويلا، وكوبا، ونيكارجوا وكل القطر الجنوبي مثل ثوري يحمل سلاحًا على ظهره في قارب السيد فيديل كاسترو التي تحمل 80 فهو كان 81.

«إلى جانب الله، هو سبب بقائي على قيد الحياة الآن»  مارادونا عن السيد فيديل كاسترو

نعم كان أباه، كان ينظر إلى فيديل كالنبي المرسل لتخليص العالم من الشيطان أمريكا، هو صديقه الطبيب جيفارا، في فيديل كان مخلصًا بالنسبة لدييجو أنقذه من السموم التي كانت في تجري في جسده في بلد الأول لطب كوبا، في كلنا نريد أن نتخلص من لصوص في كل العالم؛ الفيفا، والرعاة، وأصحاب الياقات البيضاء الذين يأكلون أطيب الطعام، وتشعر ببروده عندما تمر من أمام مكتبهم من تسرب الهواء البارد من المكيف، والذين يرسلون لاعبين في الأوبئة وتحت الشمس والأمطار من أجل ماذا؟ حق البث التلفزيوني والمال وشهرة والمجد، ومن منا لا يريد أن يتخلص من أمريكا، في دييجو كان في صفوفنا نحن أبناء درجات الثالثة المشجعين الذين يهتفون من حناجرهم بكل صدق، والذين لا يجنون أي شيء غير الاستمتاع بنسيم الحياة.

«أنا حزين جدًّا لأنه كان بمثابة أب لي».دييجو أرماندو مارادونا عن وفاة السيد فيديل كاسترو – الخامس والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 2016 

قد لحقت بأبيك يا دييجو في يوم رحيله نفسه، أصبح يوم الخامس والعشرين من نوفمبر يومًا أسود علينا وعلى أمريكا الجنوبية كلها، ارقد بسلام يا دييجو، ارقد بسلام يا ابن الشعب يا ابن الأرض يا ابن السعادة والحياة، أعلم أنك سعيد للقاء أبيك هناك في الفردوس الأعلى، أنا حزين أنا بكيت من أجلك يا بطل أحلامي وطفولتي وشبابي لأني لن أعود أشاهد الكرة، إنه يوم حزين وداعًا يا دييجو أريدك أن ترسل للسيد فيديل كاسترو وجيفارا وأحبابي الذين ذهبوا عنا سلامي، وأنت أكثر إنسان أمين لرسالة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد