لسنوات طويلة كانت الدهون الحيوانية هي العدو اللدود للصحة العامة والمتهم الأول في مشاكل البشر الصحية من زيادة الوزن وأمراض القلب والسمنة المفرطة، وانطلقنا جميعًا في تبني حملات الكراهية المنظمة للدهون الحيوانية، بل طردناها من بيوتنا شر طردة، واستبدلنا بها الزيوت النباتية من زيت الذرة وزيت عباد الشمس غيرهما من الزيوت التي تخللت أطعمتنا كلها، وانتفخت الوصفات الطبية بتحذيرات شديدة اللهجة من ذلك العدو اللدود.

المتهم البرئ

ثم استيقظنا ذات صباح على دعاوى متفرقة للتصالح مع الدهون الحيوانية وتبرئتها عامة، والكولسترول خاصة، من تلك التهم الشنيعة التي التصقت بهم طوال ربع قرن من الزمان، وأنه ببساطه تم الحكم على خطورة هذه الدهون طبقًا لأدلة خاطئة، وربما كانت ملفقة. ومنذ مدة تمر المواد الغذائية المشبعة بالدهون الحيوانية مثل الزبدة والجبن واللحم، التي كانت تصنف كعدو للقلب والرشاقة، بفترة إعادة تأهيل، مثل أي معتقل حكم عليه بفترة سجن طويلة وتبين فيما بعد أنه بريء وحكم عليه نتيجة أدلة مزورة؛ وبالتالي يجب إطلاق سراحه وإعادة تأهيله. فقد تبين أن هذه الدهون مفيدة للصحة، إذ إن دهن البقر مثلًا يحتوي على حمض الأوليك الذي يخفض نسبة البروتين الدهني المنخفض الكثافة. LDL في الدم، وهو بروتين ضار.

ملك الأعضاء يبرئ الكولستيرول

لعل أشهر دعاوى البراءة تلك وأقربها إلينا هي تلك التي أطلقها البروفيسور بول روش رئيس المعهد الأمريكي لأبحاث التوتر العصبي بواشنطن في مؤتمر بعنوان القلب ملك الأعضاء، والذي عقد بالمملكة العربية السعودية، والذي خرج بتلك النتائج العلمية، والتي هدمت ربع قرن من المعتقدات العلمية السابقة، ولقد أكد الباحثون – من وجة نظرهم – براءة الدهون المشبعة من كل التهم الموجهة إليها، وبراءة الكولسترول أيضًا لاحقًا، أكد رئيس المؤتمر د عبد الله العبد القادر استشاري تشوهات القلب ورئيس مركز أبحاث بصحة المنطقه الشرقية أن هذه الحقائق هي نتاج دراسات علمية أصيلة تم نشرها في دوريات علمية محكمة، وأن ذلك المؤتمر ضم عددًا كبيرًا من الأسماء العلمية، وأن الجلسة العلمية التي شهدت تصريح البروفيسور بول روش شهدت نقاشًا استمر حوالى 10 ساعات، ابتدأ في الثامنة صباحًا حتى الخامسة مساءً، بحضور الكثير من أطباء القلب.

ولاحقًا اتخذ النقاش منحى أكثر قوة حينما تطرق إلى الآية الكريمة في سورة الأنعام: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ. وخرج النقاش العلمي والاختلاف في النتائج العلمية إلى أن الكولسترول كذبة عالمية كبرى. وأوصى المؤتمر بتناول الشحوم الحيوانية، ليس فقط لفوائدها، ولكن أيضًا لقدرتها على إنقاص الوزن.

بيد أنه عقب المؤتمر، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2014 نشرت جريدة الرياض خبرًا نفى تمامًا ما تم تداوله من معلومات وأعاد من جديد اتهام الكولسترول بالتسبب في أمراض القلب والشرايين.

ومع ذلك تتابعت الأخبار والدراسات والأبحاث التي تبنت حكم براءة الدهون الحيوانية تمامًا مثلما تتابعت أدلة اتهامها سابقًا، ولا أخفيكم سرًا فقد بدأت على استحياء في استرضاء الزبد والسمن البلدي، وإقناعها بالعودة إلى منزلي، وأن تنسى حادثة الطرد السابقة، وأن الصلح خير، وأن العفو عند المقدرة من شيم الكرام.

الحمية الكيتونية شفاء من كل داء

ثم خرجت علينا آخر صيحات الموضة فيما يعرف بالحمية الكيتونية، والتي تتبنى الدفاع عن الدهون الحيوانية وأهميتها وضرورتها، وتتكون الحمية الكيتونية بالأساس من دهون حيوانية بنسبة 70%، و25% للبروتينات، و5% للكربوهيدرات، ولاحقًا انطلقت حملات الترغيب في الحمية الكيتونية، وبدأنا نسمع عن فوائد جمة للحمية الكيتونية في سلسلة من الكوميديا الهزلية التي تبنت ادعاءً بقدرة هذه الحمية، وما تحتويه من دهون، على إنقاص الوزن، بل تخفيض نسبة الكولسترول والسكر وضغط الدم، وغيرها من الفوائد التي قاربت أن تجعل الحمية الكيتونية شفاء من كل داء.

تذكرت الآن صديقي الدكتور عوزي، وهو طبيب صيدلي خفيف الظل، قضى حوالي 10 سنوات من عمره يأكل كل ما لذ وطاب بغير تفكير أو حساب، وساعده عمله في وسط منطقة مليئة بالمطاعم بدولة خليجية في أن يهديه أصدقاؤه من العاملين بهذه المطاعم أنواع الطعام وألوانه كلها؛ حتى انتفخت أوداجه، وتضخمت أطرافه وتعدى وزنه الحد الطبيعي بكثير، وصار كرشه أمامه مترين.

ومنذ عام تقريبًا انقلبت الآية وتوقف الدكتور عوزي عن أكل الطعام واتبع الحمية الكيتونية، بل لقد أنشأ صفحة على موقع (فيسبوك) يدعو من خلالها إلى تبنى الفكرة الكيتونية وتسويقها على أنها المخلص المنتظر، والشفاء الأكيد، والدواء الناجع لكافة الأمراض من زيادة الوزن والسمنة المفرطة إلى تقليل الكولسترول وتحسين المزاج، ولقد ضحكت حد البكاء عندما رأيت غذاءه وقد أصبح مكعبًا من الزبد يزن 10 جرامات بعدما كان سابقًا طبقًا من الأرز واللحم يزن 10 كيلوجرامات.

نحن مؤمنون به في تخليص الأفراد من السمنة وتثبيت الوزن بعد ذلك، والتخفيف من آثار الأمراض المزمنة كالسكري والضغط والكولسترول. حيث يقدم المركز بالإضافة للإشراف الاحترافي، وجبات متميزة في مذاقها وتنوعها بحسب النظام الكيتوني. *دعاية تجارية لاشتراك مدفوع لنظام الكيتو.

ابحث عن المستفيد وعن الشركات التي تسعى للأرباح دائمًا

لاحقًا اكتشفت بالصدفة مدونة تجارية ربحية تسوق لحمية الكيتو، وبرسوم عضوية باهظة تصل إلى 700 دولار، كاشتراك شهري تبادرت إلى ذهني نظريات الدوافع الإنسانية، وبدأت أشكك في مصداقية صديقي الدكتور عوزي، وهل هناك علاقة بين موضة الكيتو وهذه المدونة التجارية أو ما يشبهها؟ وهل كان تحول الدكتور عوزي إلى ناشط فيسبوكي لمساعدة الناس على إنقاص وزنهم عبر اتباع حمية الكيتو هو تصرف ذو دواعي إنسانية محضة؟ أم أن الأمر محاط بشبهة تسويقية تجارية لمنتجات ومستحضرات مرتبطة بالحمية الكيتونية؟ والتي بدأت تظهر على استحياء على صفحتة الشهيرة على فيسبوك، وحتمًا كان الظهور مصحوبًا بصور النجاح المبهر لحمية الكيتو، والتي لابد أن تحتوى على تلك المنتجات التجارية باهظة الثمن أيضًا. والغريب أن العلامات التجارية تظهر بطريقة عفوية واحترافية تدعو الجميع للسؤال عن أماكن توفرها، ومن ثم يلتقط المسوقون الأسئلة، ويتسللون إلى صناديق البريد، وتبدأ اللعبة التسويقية الربحية. للمصادفة اكتشفت أن مقر المدونة التجارية هي واجهة إعلاميه لمركز صحي للكيتو دايت، وللمصادفة يقع هذا المركز الصحي في ذات المدينة التي يقيم فيها الدكتور عوزي!

اللهث وراء الموضة

تذكرت أيضا حمى نقص فيتامين د، والتي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي مثل الطوفان لعام كامل، وكيف انطلق الجميع في إجراء فحوصات لتحديد مدى إصابتهم بهذا الداء العضال، وكيف عزا كثير منا ما يصيبنا من قلق واكتئاب إلى ذلك القاتل الصامت فيتامين د. وكنت أسال نفسى سوالًا بسيطًا ينم عن بساطه معلوماتي الطبية: كيف لنا أن نصاب بنقص فيتامين د ونحن نقضى نصف العام تقريبًا نحترق تحت لهيب أشعة الشمس الشرق أوسطية الحارقة، ولا نكاد نحرم من ضوء الشمس يومًا أو اثنين في العام؟ وكيف يمكن أن ينطلق الملايين في تناول فيتامين د في صورة علاجية وهو يترسب في الكلى، ويؤدى إلى مخاطر صحية جسيمة. لاحقًا وردت تقارير عن تورط شركة مختبرات تنتج كواشف لقياس مستوى فيتامين د- في تضخيم القضية ونشرها وإغراق السويشال ميديا بها.

قابلت أحد طلابي مصادفة وأخبرنى أنه يعمل في شركة أدوية عالمية، وأنه مسئول عن الترويج لمنتج جديد واكتشاف فريد يسمى فيتامين كـ 2 وأنه يساعد على منع تصلب الشرايين، تهللت أساريري، ورحت أسأله بساذجتي المعهودة عن الاسم التجاري لهذا المستحضر الجديد لأقوم باقتنائه في أقرب فرصة ممكنة.

أين نقف نحن وماذا نريد؟

يا إلهي كيف تحولنا إلى عرائس تحركها خيوط الإعلام والسوشيال ميديا؟ وكيف أصحبنا على هذا المستوى من ضحالة التفكير الذي يغشى عيوننا وقلوبنا وننتقل فيه بين النقيضين طبقًا لما نسمع أو يقال لنا. كيف انتشرت مستحضرات خفض الكولسترول، وصارت تباع بالمليارات وصارت من أغلى الأدوية سعرًا وأكثرها استخدامًا وأوسعها انتشارًا؟ كيف أصبح جل اهتمامنا بالجسد، وبشكله، ومحيطه وطوله وعرضه؟ وكيف تناسينا أن خادم الجسد يشقى بخدمته، وأنه بالعقل والروح لا بالجسم إنسان؟

أهو ضيق حال أن ياكل الرسول بضع تمرات في اليوم، وهو الذي عرضت عليه جبال الأرض ذهبًا؟ أم أنه عين إعجاز ودرس هام في أن الجسد يمكن أن يعيش ببضع تمرات، وبضع سعرات، ويمكنه أن يحيا ويجاهد ويعلم ويهاجر ويسعى ويصلى ويقرأ ويعيش؟

أهو الكولسترول الضار أم الدهون المفيدة أم هو عصر الإنسان المادي الذي لا يشغله إلا إشباع نفسه وملء معدته بالطعام إلى درجة الانسداد، ثم شرب الكولا والبيبسي لتسليك ما انسد وفتح ما أغلق؟ أليس أجدى للإنسان أن يكون الإنسان قارئًا، أو متعلمًا، أو مفكرًا نهم الفكر للمعرفة، شره الروح للخير والحب، كثير التفكير قليل الكلام، من أن يكون وحشًا لا يفكر إلا فيما يأكل ويشرب ويلبس ويتجمل؟ أم أننا وقعنا فريسة بين أيدى الشركات التجارية تمتص دماءنا وأموالنا بكل طريقة وبأية وسيلة.

لملمت أوراقي، وأخذت أتأمل إعجاز قول الله سبحانه وتعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).

إنه التوزان المفقود والاعتدال الموزون، وهو ملاك النجاة والشفاء والصحة والعافية.. أو هكذا أرى القضية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد