نعم جاملته وبينت توافقي له ولم أصرح باختلافي معه، ليس بالشخصية التي انتقدها بحد ذاتها، إنما بطريقة تصنيفه للأشخاص بشكل عام، ولذلك آثرت أن أكفر عن ذنبي بإفشاء رأيي.

لماذا  أصبحنا نصنف الناس على هوانا ومشتهانا، هذا هو صديق ولنا به صلة نثني عليه ونمدحه وأبدًا مهما بدا لا ننتقده، وذاك أسدى لنا خدمة فأصبح هو المحبوب الخالي من العيوب، مهما قال وفعل مهما ارتكب وفعل، ومنه غير ذلك نتعقبه باحثين عن مواطئ الزلل في مسيرته وأصغر عيوبه لننتقده، واضعينه تحت اختبار للقدرات مكثرين عليه المهمات، وإن لم يقدر على اجتيازها أشهرنا في وجه قائمة الاتهامات، وكلنا له الشتائم والمسبات.

لماذا نشكك في أمر من يختلف عنا، ونعد ذلك خلافًا معنا، لكل منا آراؤه ومبادؤه معتقداته وقيمه، والتي هي نتاج بيئته ومجتمعه وتربيته بعائلته، تبرز في كينونته وتتطور مع تجاربه الحياتية وقراءته المعرفية وثقافته المنهجية فتندمج لتخلص بشخصيته.

ولكن ما نراه الآن هو التخلف بأبشع صوره، حيث يحاول البعض بكل الطرق إبعاد واستبعاد كل من يختلف معه، وتصنيف الناس على حسب أهوائه وكأنه في مكتبه، فهذا كتاب للفلسفة وذاك في العلوم والآخر أدب، والأدهى والأمر أنه لا يغير رأيه في هذا الشخص مهما يكون، وحتى ولو تغيرت آراؤه أو أتى برأي يتفق مع أهوائه فهو قد صنفه وقضي الأمر.

البعض يصنف على حسب الدين والمذهب والمعتقد، والبعض الآخر يصنف على حسب الحزب السياسي الذي ينتهجه الآخر، فلو مثلًا أقدم برلماني على إبداء اقتراح أو مشروع بقانون يخدم الوطن، ويصب بمصلحة المواطن لا يتحمس له، مع إن الأمر مستحق وأبدى الرجل به كلمة حق، لكنه يشكك فيه محاولًا بكل الطرق أن يبحث عن أي عيب فيه، ليثبت أنه لم يبادر ويبدي هذا إلا لأمر ما يكنه في صدره وفائدة يرجوها منه.

وإن قلت له اتق الله ولا تدخل في النيات، قال لك ألا تذكر وفتح كتاب تاريخه ألم يفعل هذا وذاك، ويبدأ بسرد كل المواقف التي لم تعجبه مبديًا عدم رضا وتفاؤل منه، متخطيًا كل الآراء والاقتراحات الصائبة وغير العائبة، الناس ليسوا رسلًا مرسلة ولا ملائكة منزلة، بل هم بشر يصيبون ويخطئون ينجحون ويفشلون، من منا بلا أخطاء من هم طوباوية هذا الزمان! الذين نتوافق معهم على الدوام، ولا نختلف معهم مهما كان؟

مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب. *الشافعي

ومهما اختلفنا مع الآخر يجب عدم الحكم عليه من باب توجهه ونهجه أو معتقده وحزبه. ومن الأهمية بمكان عدم وضع الناس في قوالب جاهزة وأطر مسبقة نحكم عليهم منها وندينهم بها، فالاختلاف أمر وارد في أي مجال وفي كل مناحي الحياة، وتقبل الآراء ميزة يمتاز بها من هو منفتح على الجميع ومتقبل لثقافة الآخرين، وفي تعدد الآراء إثراء للأفكار، وهي بمثابة إشعال الأضواء في الحجر المظلمة، وتسليط الأنوار على الزوايا المعتمة، مبتعدين عن الدوغمائية الفكرية التي انتشرت في مجتمعاتنا كانتشار النار في الهشيم مخلفة تصلبًا في الآراء، وتوجهًا لمحاربة المختلفين باعتبارهم معادين.

قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ).

 للأسف افتقدنا ثقافة الاختلاف، فقديمًا كان المختلفون في الآراء يحترمون بعضهم البعض على قدر احترامهم لآرائهم التي أبدوها، فليس بالضرورة إن كنت تمتلك رأيًا يختلف أن تكون شاذًا عن القاعدة، بل على العكس هذا يظهر بأن لك فكرًا مختلفًا عن العامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد