لا طالما كنا نستمع إلى من يتغنون بقيمة الموسيقى والأغاني وغيرها من كل ما هو مسموع بدعوى أنها تعبر عن الإنسان وتسلبه إلى واد صافي يعيش فيه ليتناغم مع الكلمات بتنوعها، فتاره يتعايش مع حزنها، وتاره تبعث فيه الفرحة، وتارة تثير فيه الحماسة، وتارة تعيده إلى ذكرياته سالبة إياه إلى ماضٍ كان يحن له، وأخرى تُشعره بأنها سُطرت من واقعه لتحكي عن مدى ألمه.

وهكذا فالفنان هو أداة تعبير تصور شيئًا عجز الإنسان العادي عن أن يعبر عنه. لذلك فالفنان قبل أن يطلق لخياله العنان ليعبر عن شيء ما ينظر حوله عاملًا على امتصاص كل ما يحيط به في مجتمعه بكل أطيافه وأشكاله فتجده عبارة عن متلون يتلون بكل الألوان معبرًا عن كل طيف، ولكل طيف حالته المزاجية، ولونه الخاص الذي يستشعر فيه أنه ينتمي إليه عاكسًا مدى قدرة الفنان على تسليط الضوء تجاه كل فئة. فمن الطبيعي جدًا أن نجد حمزة نمرة كفنان استطاع أن يعبر عن فئة كبيرة من الشباب موضحًا مدى الحزن الذي يأسرهم نتيجة نكبة كبيرة، وهو سقوط الربيع العربي، وما خلف لهم من هزيمة نفسية وغربة وفراق وموت واعتقال، ليتحول بهم الأمر إلى تشتت في الأهداف والبحث عن الاختفاء والهروب عن كل حلم وصولًا إلى الصمت مكتفين بما يحيط بهم من هموم وجراح.

ورغم محاولتهم لملمت هذا الحزن بعيدًا عن الجميع يفضحهم معبرًا عن حجم ما هم فيه فأصبحوا كالزهور التي تتساقط الأمطار عليها في فترات متباعدة فقط لتمنحها مجرد الحياة، فبمجرد صدور الأغنية بشكل رسمي تهافت الشباب عليها بحثًا في مدلولها عن ما يعبر عنهم؛ ليجدوا أنها تحدثت عن كل ما تعلق بداخلهم من أحزان والدليل على ذلك مدى انتشار الأغنية واستخدام أغلب الشباب كلامها في وصفهم لذاتهم نعم هو واقع مأساوي.

ولكن إذا أردت أن تعالج مشكلة ما عليك إلا أن تبحث في المقام الاول عن المشكلة ومن ثم تعرضها بشكل كامل حتى تتمكن من معرفة مواضع الخلل، ومن ثم تصل إلى الحل، ولكن كيف لي أن أعالج مشكلة ما دون ان أعترف بأن هناك مشكلة، وأن هذه المشكلة تتمركز في كذا وكذا. ما يثير الدهشه أن تعالت الصيحات من قِبل البعض بعدم الاستماع إلى تلك الأغنية وتجنبها تمامًا لدوافع من مناظير عديدة، فقد يتطرق إلى الحديث عن أن ذلك يضيع الثورة، ويضيع همم الشباب، لا أعلم هل هو متناس الواقع أم يحاول الهروب منه أم أنه لا يريد أن يقول إن الثورة قد سُلبت، وأن الشباب أصبح ماضيه يسبق مستقبله معتمًا عليه؟ ألا يجب أن نعرض هذا الواقع مهما كان ألمه لنتمكن من معالجته ما يثير الدهشه أنك تجده يتحدث عن أنها وصفت ما يدور داخل عقول الشباب ويملؤهم من شجن وفي نفس السياق تجده يطالب حمزة نمرة أن يتوقف عن إدراج هذا اللون من الحزن داخل أغانية كيف ذلك؟ لا أعلم!

من ذلك المنطلق ذاته إذا بحثت عن أغنية (يا ليلي) لمغني الراب التونسي (بَلطي) التي صدرت منذ أربع شهور تجد أن الأغنية تعرض مشكلة لطفل يريد أن يعيش حياته الطبيعية، ولكن يصطدم بالعنف الأسري؛ فيسارع بالهرب من البيت، وتبدأ الحكاية، ويبدأ بسرد المشاكل التي واجهها معبرًا عن مأساته، وتتوالي أحداث القصة، هنا حاول المغني أن يعكس ظروف فئة ما في المجتمع، ومعاناتها، وانتشرت الأغنية بشكل واسع؛ لتصل إلى 204 مليون مشاهدة، وتحقق نجاحًا جارفًا دون أن يقال لا تسمعوا فلانًا، أو هذا الشخص يحاول أن يتاجر بقضية أو خلافه، هو فنان حاول أن يسلط الضوء على مشكلة حقيقة في مجتمعه؛ ليبدأ المجتمع بالبحث عن مواضع الخلل، ويعمل على علاج المشكلة ومحوها من الأصل، بالإضافة إلى أن بعض من استمعوا إلى تلك الأغنية لم يفهموا بعض كلامها نتيجه صعوبة فهم اللكنة التونسية لديهم، ولكنه استمتع بكليب الأغنية، وفهم المضمون منه، وجذبته الموسيقي، فلم التكلف وتحميل حمزة نمرة بأسلوب وصل إلى قيام البعض بسرد الأحاديث النبوية والحديث عن التفاؤل والرجل لم يدع إلى التشاؤم أو الاكتئاب هو مجرد سرد واقع.

فما الفارق بين بَلطي ونمرة؟

كلاهما عرض مشاكل ملموسة في المجتمع بشكل مبدع، وتعايشًا معها، بل نمرة تميز في أنه لامس أعماق المستمع، واستطاع أن يُشعره أنه يعيش نفس واقعه لدرجة أن كل من تأثروا بتلك الأغنية ذهبوا ليقارنوا بين هيئة حمزة نمرة من قبل الثورة وهيئته الآن، وهذا أقل دليل كاف على نجاح حمزة نمرة فقط لتمكنه من التشكل على هيئة هذا الواقع، وكأنه واقعه هو، وتصويره كما هو على حقيقته كاملة، بالإضافه إلى أن طبيعة الإنسان كلما عبر عن حزنه، كلما قل الكبت الذي بداخله، نتيجه أنه أستطاع أن يعبر عن ما بداخله، فعندما يجد كلمات تعكس ذلك لربما تكون أداة لخروجه من ذلك الانغلاق، ومحاولة التنفيس عن نفسه بتلك الكلمات، ويبدأ المجتمع بعد ذلك بمحاولة احتوائه.

بالعودة إلى طبيعى الوسط الغنائي، فالفنان يصدر ألبوم كاملًا يتكون من مجموعة من الأغاني التي تجمع ألوانًا ومزاجات مختلفة، وهو ما قام به نمرة، فتلك الأغنية هي إحدي اغاني ألبومة الجديد (هطير من تاني) الذي لم يصدر بعد، ويكفي أن تنظر إلى عنوان الألبوم، فهو في حد ذاته يحث على عدم الاستسلام، لذا فدعونا نضع الأمور في نصابها، هي مجرد أغنية
حاولت وصف واقع مس الشباب، وواجب المجتمع أن يبحث عن الحلول، لا أن ينتقد المشكلة، ويحاول أن يعمل على مواراتها، ويدعي بأن طرحها يعد دعوة إلى الفشل أو الاكتئاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

فيما الفارق بين بَلطي و حمزة نمرة ؟!!
عرض التعليقات
تحميل المزيد