أيًّا كانت الفكرة! صحيحة أو خاطئة، سماوية أو أرضية، ربانية أو بشرية، على حقٍ أو على باطلٍ، دينية أو خرافية، يجب دائماً وأبداً.. التمييز والتفريق بينها وبين من يتبعها ويعتنقها.

فالفكرة، أو العقيدة، أو الدين، وحتى المهنة والحرفة، مهما كانت راقية وعالية ورائعة، ولها أهداف في غاية الجمال، ولها قِيَم أخلاقية وأدبية في غاية السمو الروحي، ولها رؤية بعيدة، ولها طموحات كبيرة؛ ترفع من شأن الإنسان، وتقدم له خدمات جليلة، فإنها عند التطبيق يتجلى، ويظهر معدن الرجال، في تمثلها، والالتزام بمنهجها، والتحلي بالصفات التي تأمر بها.

ولكن هذا لن يشينها، أو يعيبها، أو يسيئها، أو يُقلل من قيمتها، عدم تمثل بعض أفرادها لمنهجها.

فالإنسان بطبيعته، وفطرته ضعيف كما أخبر صانعه وخالقه ﴿وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفاً﴾ النساء 28. ﴿اللهُ الذي خلقكُم منْ ضَعفٍ﴾ الروم 54. ومُشبعٌ بالشهوات، والأهواء، والنزوات، والطيش، وحب العجلة ﴿خُلقَ الإنسانُ من عَجلٍ﴾ الأنبياء 37. ﴿وكان الإنسانُ عَجُولاً﴾ الإسراء 11.

والشيطان الرجيم! الذي رفض الأمر الرباني بالسجود لآدم؛ حسدًا؛ وتكبرًا؛ وخُيلاءً، يطارد الإنسان ويُلاحقه حيثما ذهب، وحيثما حل، ويعترض طريقه، ويوسوس له في عقله طوال أربع وعشرين ساعة، يُغريه بارتكاب المحرمات، واتباع الفواحش والمنكرات، لا يتركه يهدأ، ولا ينفك عنه ولا ثانية واحدة؛ يزين له الشر ويدعوه إليه؛ ويحرضه عليه؛ ويدفعه إلى ارتكاب الآثام، والجرائم بكافة أنواعها دفعًا، كما أخبر العليم الخبير على لسانه ﴿لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ الأعراف 17.

وقد جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك «إنَّ الشيطانَ يَجري من ابنِ آدمَ مجرى الدَّمِ».

وما صنع الله هذه الصنعة البشرية، وركبها بهذا التركيب المعقد، إلا للاختبار، والامتحان، والابتلاء، حتى يعلم الصالحين من الطالحين.

ولذلك، فإن الناس حينما يؤمنون بفكرة، أو عقيدة، أو دين، فإنهم ليسوا كلهم يطبقون ما آمنوا به بحذافيره، وبحرفيته، ويلتزمون بالتعليمات التزامًا كاملًا، وعلى وتيرة واحدة، وعلى نسقٍ واحد، وعلى مستوى واحدٍ من التطبيق.

لم يحصل التطبيق الحرفي للفكرة بشكل متساوٍ عند معتنقيها

التطبيق الكامل الحرفي للفكرة، أو للدين، لم يحصل لدى جميع معتنقيها على مستوى واحدٍ، وعلى حدٍ واحدٍ في تاريخ البشرية إطلاقًا، ولا يمكن أن تحصل؛ لسبب بسيط أن الله تعالى لم يصنع البشر نسخًا متماثلة، كما يصنع البشر السيارات وأخواتها بنسخ متطابقة كليًّا.

إن الإنسان بمفرده عالمٌ مستقلٌ استقلالًا كاملًا، لا يُشابهه أحدٌ من العالمين، سواءً في الخِلقة الهيكلية العضوية الجسدية، أو في الخِلقة الفكرية، والعاطفية، والغريزية.

فلكل إنسانٍ بنيته الخاصة به، سواءً كانت الجسدية، أو العضلية، أو العصبية، أو الدموية، أو العقلية، أو العاطفية، أو طريقة التفكير، أو طريقة اتخاذ القرارات.

بل الأغرب من ذلك، والأعجب، للذين لا يعرفون شيئًا عن الطب البشري، فإنه حتى هذه الصفات، تتغير بين لحظة وأخرى.

فلو قيس ضغط الدم الآن، ثم قيس مرة أخرى بعد دقيقة واحدة لكان الرقم مختلفًا عن السابق، وكذلك مركبات الدم، تختلف أرقامها بين تحليل وآخر في خلال يوم أو أيام قليلة.

بل الأغرب والأدهى من ذلك، أنه يمكن أن يتخذ الإنسان قرارًا ما الآن، ثم يغيره بعد لحظات معدودة.

ماذا نستنتج من هذه التغيرات بين الناس من جهة، وبين الإنسان ونفسه من جهة أخرى؟

إن الناس لا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال، أن يتشابهوا، ويتطابقوا، ويتماثلوا في الالتزام بالعقيدة، أو الفكرة، أو الدين بشكل حرفي، وبشكل حدي.

حتى إن جيل الصحابة، وهو الجيل الفريد الوحيد الاستثنائي في تاريخ البشرية، لم يكونوا كلهم في تطبيق الإسلام على وتيرة واحدة، وعلى ميزان واحدٍ، وعلى مستوى واحدٍ، وعلى حدٍ واحدٍ من الالتزام.

وإنما كانوا ضمن مجالٍ واحدٍ، وضمن دائرةٍ واحدةٍ، وضمن حدودٍ واحدةٍ مقبولةٍ من الله ورسوله، فيها حدٌ أدنى لم ينزلوا عنه أبدًا – إلا قليلًا منهم، ثم عادوا بسرعة إلى دخول الدائرة مرة أخرى – وبقي تفاوتٌ قليلٌ أو كبيرٌ بين الصحابة، في البذل، والعطاء، والجهاد، وأداء العبادة الشعائرية وسواها.

بل الأدهش والأعجب، أن بعض الصحابة قد ارتكب بعض المحرمات، مثل الزنى، وشرب الخمر، والسرقة، كما حصل للمرأة المخزومية التي سرقت. وأراد بعض الصحابة أن يتشفعوا لها عند الرسول، صلى الله عليه وسلم، فغضب غضبًا شديدًا وقال: «والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

وهذه هي الصحابية الطاهرة المتزوجة الغامدية من بني جُهينة، قد أغواها الشيطان بأحابيله الخسيسة لحظة من الزمن، وأوقعها في جريمة الزنى، وبعد ارتكابها لتلك الجريمة المحرمة استيقظ إيمانها المتدفق في قلبها، وتابت إلى الله توبة نصوحًا، وجاءت إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، تطلب منه إقامة الحد عليها، وهو الرجم، وهي عقوبة قاسية جدًّا جدًّا، لا يتحملها الرجال الأشداء، فكيف بامرأة ضعيفة واهنة!

ولكنه الإيمان الذي يتأجج في قلبها؛ هو الذي يدفعها إلى أن تضحي بحياتها، لأجل أن تفوز بالجنان الخالدات.

ولذلك قال، صلى الله عليه وسلم، عن توبةَ المرأة الغامديةِ: «لقد تابت توبةً لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟» رواه مسلم في صحيحه.

فوارق في تطبيق الإسلام لدى جيل الصحابة

فإذا كان جيل الصحابة ذا المعدن الأصيل، والذي كان يتولى تربيتهم، وتنشئتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينه، ويتولاهم رب العالمين بحفظه، ومع ذلك لم يكونوا نسخًا متطابقةً، ومتماثلةً في تطبيق الإسلام، ولم يكونوا مُطهرين من الآثام، ولا معصومين من الذنوب، والأخطاء، فمن باب أولى أن تكون الأجيال التالية، فيها فوارق كبيرة، واختلافات شاسعة في مجال التطبيق، والالتزام.

فهل من اللائق أدبًا، وعقلًا، ومنطقًا، وهل من المناسب خُلقًا، وعدلًا، اتهام جيل الصحابة كله بالفساد، وممارسة الفواحش، والمنكرات، لأن بضعة صحابة مارسوها؟

والآن في الوقت الحاضر، معظم المسلمين، لا يلتزمون بتعاليم الإسلام، ولا يطبقونه بحذافيره – إلا قليلًا منهم – فهل يصح، وهل يجوز، اتهام الإسلام بأنه دين فاسد، وسيئ، وغير صالح للتطبيق في العصر الحديث؛ لأن قسمًا من المسلمين لا يطبقونه؟!

ومعظمُ خريجي الجامعات، بجميع الاختصاصات العلمية التطبيقية، أو النظرية الأدبية، في العالم أجمع، لا يطبقون ما درسوه، وما تعلموه، في حياتهم العملية – إلا قليلًا منهم – بل كثيرًا منهم لا يتابعون التطورات أو التحديثات التي تطرأ في علومهم، ويبقون طوال حياتهم على ما تعلموه، ولا يطبقون منه إلا القليل.

بل بعضهم يقومون بأخطاء كارثية في حياتهم العملية؛ كالأطباء مثلًا، فقد يسببون الموت للمريض، أو يسببون له عاهة دائمة، أو شللًا.

وكذلك المهندسون! قد يسببون سقوط البناية بما فيها من أناسي كثيرة، أو يسببون سقوط جسر بما عليه من سيارات، ومشاة.

وكذلك القضاة! قد يحكمون على متهمين بريئين بالقتل، أو السجن مدى الحياة، في الوقت الذي يحكمون على مجرمين بالبراءة.

فهل حدوث مثل هذه الحوادث الشاذة، من الأطباء، والمهندسين، والقضاة، وسواهم تبرر للناس أن يتهموا مهنة الطب، والهندسة، والقانون؛ بأنها فاسدة؛ وسيئة؟!

ونأتي أخيرًا إلى فكرة العصبة المؤمنة، التي ظهرت في أوائل القرن الماضي، على يد المجدد الأول لذلك القرن، والتي لولاها، لما عرف الناسُ الإسلام في العصر الحديث على حقيقته، ولبقوا يجترون الخرافات والأساطير، التي كانت تنشرها الفرق الصوفية بشكل واسع، ولبقي الناس في تيه وضياع، كما كانوا طوال أربعة قرون، يعيشون في ظلمات، وجهالة.

إن فكرة تلك العصبة المؤمنة! أُخذت من الإسلام بحذافيره، فهي والإسلام شيء واحدٌ، لا اختلاف بينهما البتة.

ولكن السؤال للعقلاء! هل أفراد العصبة المؤمنة، التي انتشرت في بقاع الأرض كلها، من نيوزيلاندا شرقًا إلى كاليفورنيا غربًا، ومن فنلندا شمالًا إلى جنوب أفريقيا جنوبًا، كانوا ولا يزالوا كلهم على السواء، يمتثلون نهج تلك الفكرة، ويطبقونها عمليًّا؟!

الواقع العملي والحياتي يقول: لا! بالتأكيد بعضهم أمضى فترة من الزمن معها، ثم خرج منها، وأصبح يمارس أعمالاً منافية لها، بل يحاربها، ولكن اسمه بقي بين الناس على أنه ينتمي لها، والعصبة بريئة منه.

وبعض القادة في أماكن عديدة من العالم، انحرفوا عن نهجها، وأخذوا يدعون إلى التصالح مع الأنظمة الجاهلية، ويدخلون معترك الانتخابات البرلمانية، ظنًّا منهم أن ذلك يمكن أن يؤهلهم للسيطرة على المجلس النيابي، وإصدار القوانين، والتشريعات التي تتوافق مع كتاب الله.

وكان ذلك اجتهادًا خاطئًا، ومخالفًا للمنهج القرآني، لأن الأنظمة الجاهلية، لا تقبل أن يشاركها أحد في الحكم، وإذا قبلت فإنها تبقى هي المسيطرة على مقاليد الحكم، وتفرض التشريعات البشرية، ولا تسمح لأفراد العصبة المؤمنة، أن يعترضوا عليها، حتى ولو كانوا هم الأغلبية.

النتيجة

لا يجوز خُلقًا، ولا أدبًا، تحميل وزر بعض الأفراد، وتصرفاتهم السيئة، على المجموعة كاملة، والله تعالى يقول: ﴿ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخْرَى﴾ الزمر 7.

كما لا يجوز الطعن، في فكرة العصبة المؤمنة، وقدحها، والإساءة إليها، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الظالمون، والمعتدون، والضالون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد