الشعب المصري من أكتر الشعوب في العالم التي تميل إلى الاستقرار وعدم التغيير، سواء تغيير سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، وأيضا من أكتر الشعوب التي تكره الاختلاف أو الشذوذ عن القاعدة.

عن الاختلاف

في تجربة ظريفة لأحد الأصدقاء، حاول أن يصعد إلى أحد الأتوبيسات وهو يضع داخل فمه (مصاصة)، وراح يلاحظ نظرات الاستغراب والاستنكار على وجوه الجميع، من كبار سن أو شباب في مثل سنه، الجميع ينظر له بمقت وغل لا مبرر له، حتى عندما جاء محصل التذاكر نظر له باشمئزاز (الأجرة يا خويا) الجميع يكرهه، الجميع مشحون ضده، الجميع  مستعد ومترصد لأول حركة تصدر عن ذلك الشاذ جنسيًّا ليحوله إلى هامبورجر، سيدة مسنة تمصمص شفتيها في حسرة، رجل عجوز ينظر له ويبصق في منديله، فتاتان في المرحلة الثانوية أشبه بالعاهرات ينظران له ولسان حالهم يقول (معدش فيه رجالة في البلد).

ثم فعلها صديقي الأحمق غير مهتم بكل هذه الكراهية, أخرج سماعات (الهاند فري) ووضعها في أذنه، وقام بتوصيلها بالموبايل وراح يهتز ويحرك رأسه يمينا ويسارا مع نغمات الأغنية التي يسمعها وحده، الدماء تغلي في العروق، كيف يتجرأ ويستمع إلى (مزيكا) ويضع في فمه (مصاصة)، والمصيبة الأكبر، ولك أن تتخيل، أنه يبتسم، أنه سعيد.

الوضع وصل إلى الذروة، الجميع يبحث عن طرف خيط ليحاول التحرش به، الجميع يتمنى لو يحطم رأسه، لن يتردد أحد في أن يضيع مستقبله ويدخل السجن في سبيل القضاء عليه وتخليص المجتمع من شروره.

أعتقد أن الجميع في ذلك اليوم راح يقص على أصدقائه أو أقاربه قصة ذلك الشاذ الذي أكل المصاصة في الأتوبيس.

صديقي لايعرف لماذا كانوا يكرهونه, والواقع أنهم أيضا لا يعرفون لماذا كانوا يكرهونه.

عن الثقة في النفس

كنت أقود سيارتي عائدًا إلى البيت، وأثناء دخولي إلى أحد الشوارع الرئيسية وجدت الطريق مغلقا بسيارة في منتصف الطريق، وجميع السيارات واقفة تتصاعد منها أصوات آلات التنبيه (الكلاكسات)، وهناك رجل ضخم الجثة يقف أمام السيارة  مرددًا: إنه لن يتزحزح عن طريقه ولو انطبقت السماء على الأرض، (ولو كان هناك ذكرا وابن أمه حقا فليريه ماذا سيفعل)، راكبو السيارت لا أحد منهم يستطيع أن يتحرك أو يقول له أي شيء، قوة الرجل وثقته في نفسه كاسحة، الجميع خائف، الجميع صامت وكأن الموضوع لا يعنيه، أو كأنهم غير متعجلين على الرحيل، كان الرجل واثقا تماما من موقفه حتى أن معظم السيارات بدأت في محاولة للرجوع أو الدوران للخلف، وفجأة خرج من أحد السيارات شاب مفتول العضلات، صاح من بعيد في الرجل ضخم الجثة – بتلك الطريقة المهذبة المرعبة التي يجيدها رجال الشرطة-  (اتفضل اتحرك بالعربية بدل ما أحبسك).

وبدون أي تعليق تحرك الرجل ضخم الجثة بسيارته وبدأ الجميع في التحرك، وراح صوتهم يتعالى بالغضب والإهانة للرجل ضخم الجثة، والجميع بدا كأنه كان يستطيع أن يضربه ولكنه أراد أن (يقصر الشر).

عن الوصاية

كان لي صديق أعلن إلحاده، أعلن ببساطة تامة أنه في المرحلة القادمة سيبتعد تماما عن فكرة الإيمان وسيركز في أشياء أخرى.

وهنا تحول جميع أصدقائه إلى رجال دعوة، منهم من راح يعرض عليه أن يحضر له شيخ ليرده إلى دينه، وآخر أصر أن يقرأ عليه آية الكرسي، ومن راح يلعنه ويسب له الدين، ومن راح يجادله جدالا عميقا حول دارون والتطور،  كان صديقي مثقفا حقا، الأمر بالنسبة له مرحلة من التشكيك، ويحتاج إلى التجرد من الفكر الديني ثم يعود فيعرف أنه بالتاكيد سيعود، راح الجميع يضغط عليه، الجميع يتوعده بالنار، الجميع يحتقره، الجميع يحاول مناقشته وهدايته، فإذا وجده غير مهتم يسبه ويلعنه، الجميع يناقشه في أمور تافهة على غرار (كيف ستتزوج، هل ستشرب الخمر، هل ستمارس الجنس مع أمك)، أصبحوا جميعا يجلسون على القهوة ليتكلموا عن النساء والمخدرات، ثم يتذكرون فيصيحون: فلنحمد الله على نعمة الإسلام وعلى أننا لسنا مثل فلان الملحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد